کتاب الفنون لابن عقیل

كتاب الفنون

ایڈیٹر

جورج المقدسي

ناشر

دار المشرق

پبلشر کا مقام

بيروت - عام ١٩٧٠ م

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمـ[ـد لله حق] حمده وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلم.
أما بعد، فإن خير ما قطع به الوقت، وشغلت به النفس، فتقرب به إلى الرب -جلت عظمته - طلب علم أخرج من ظلمة الجهل إلى نور الشرع، واطلع به على عاقبة محمودة يعمل لها، وغائلة مذمومة يتجنب ما يوصل إليها. وليس ذلك إلا العلم الذي يصلح الاعتقاد ويخصله من الأهواء، ويصلح الأعمال ويصفيها من الأدواء. وهما علمان: علم الأصول، ومبناه على التأمل والاعتبار؛ وعلم الفقه، ومبناه على استخراج معاني الألفاظ الشرعية وأخذ الأحكام من المنطوق به للمسكوت عنه. وذلك الذي شغلت به نفسي وقطعت به وقتي. فما أزال أعلق ما استفيده من ألفاظ العلماء، ومن بطون الصحائف، ومن صيد الخواطر التي تنثرها المناظرات والمقابسات في مجالس العلماء ومجامع الفضلاء، طمعًا في أن يعلق بي طرف من الفضل أبعد به عن الجهل، لعلي أصل إلى بعض ما وصل [إليه] الرجال قبلي؛ ولو لم يك من فائدته عاجلًا إلى تنظيف الوقت عن الاشتغال برعونات الطباع التي تنقطع بها أوقات الرعاع. وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل.

1 / 7

١ - شذرة وعظية
ما أشد شؤم المعاصي! بينا يسمع قول الله لملائكته ﴿اسجدوا لآدم﴾، حتى سمع النداء ﴿اهبطوا منها جميعًا﴾! بينا يرفل في حلل من السندس والإستبرق، حتى طفق يخصف على عورته من الورق! وإذا أردت أن تتلمح القدر السابق، فانظر إلى قوله السابق: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفة﴾؛ -خليفة في الأرض، ما يصنع في الجنة؟ ساقته الكلمة السابقة والعلم السابق إلى المستقر: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾.
٢ - جرى في مسألة عتق الكافر في كفارة الظهار
قال ... المصرف مواعا: ومعلوم أن الكافر فيه سبب الرق وهو مصر عليه. وليس «تملك المال بالكتابة بإجماع، ومن غير كتابة على أكثر المذاهب قول للشافعي وراوية عن أحمد. وذلك يزول بالعتق كما يزول حبس النكاح ورقه بالطلاق. وهو فك حجر مبني على التغلب والسراية. فمن هذا الوجه يصح أن يستعد له.
قال: الطلاق حل لقيد. فهو كحل القيد المحسوس، لا يكون أخذًا بالقوة، بل القدرة مع القيد موجودة. ولذلك لا يقال للمقيد عاجز، بل مقيد. وهنا العتق إحداث قوة. لأن الرق جعل محله كسائر الأملاك. ولذلك جمع جزاء عن اكتساب إنشاء الأب للابن.

1 / 8

٣ - جرى بمجلس نور الهدى ذي الشرفين الزينبي مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب
استدل فيها حنبلي فقال: الأمر بالمجمل والعموم مفيد قبل البيان فائدة مستقلة. وهي ما يحصل للمكلف من تلقي أمر الله سح بالتصديق والاعتقاد والالتزام وتوطين النفس على أداء الحق قل أو كثر. حتى إنه يعتقد أنه لو كان الحق إخراج تسعة أعشار المال، لأخرج؛ ولو كان الأمر بالذبح بذبح ولده، لذبح. فإذا وطن نفسه على ذلك، حصل له ثواب توطين النفس بعد الاعتقاد. فكان سبق هذا الاعتقاد وهذا العزم على الأشد يوفي على ثواب ما يحصل به البيان، ولعله يسير وقليل. فإذا جاء البيان بعد ذلك بالمراد، حصل ثواب الامتثال. وإذا لم يخل من مثل هذه الفائدة، جاز واستقل به عن أن يتبع بالبيان.
اعترض عليه معترض فقال: إن ما ذكرت من الاعتقاد والعزم وتوطين النفس على الامتثال ليس من خصائص الأمر؛ لكنه من موجبات الإيمان الذي هو أصل. بدليل أنه متى آمن فلابد أن يكون معتقدًا أنه مهما أمر به امتثله واعتقده وعزم عليه. وإنما الذي يختص الأمر، فإنما هو الفعل المأمور به المستدعى من المكلف. فأما الاعتقاد والعزم، فذلك «سابق للأمر؛ فلا يكون من موجباته وخصائصه. الثاني أنه يورث المكلف جهلًا، والجهل قبيح؛ فلا يعرض الحكم بالقبيح. وهو خطر أيضًا. فإنه قد

1 / 9

يجوز أن يكون الحق كبيرًا فيقول في نفسه: إن أطعت الحق وسهل، أخرجته وأتيت به؛ وإلا تركته. والتعريض بالمخاطرة في الدين ليس بأصلح ولا حسن. ولأنه لو صح ما ذكرت، لحسن تأخيره عن وقت الحاجة. فلما لم يحسن، بطل به جميع ما عولت عليه. ولأن التخصيص والتفسير كالاستثناء. ثم الاستثناء لا يجوز تأخيره عن المستثنى منه؛ كذلك البيان مع المتبين.
أجاب الحنبلي عن الاعتراضات، فقال: أما قولك إن الاعتقاد والعزم وتوطين النفس ليس من خصائص الأمر، ليس كذاك. لأن اعتقاد الحق المأمور به الخاص لم يستفد إلا بهذا الأمر. وذاك الأول الذي أوجبه التصديق فإنه اعتقاد معلق؛ إن ورد أمر بشيء، اعتقد به. وورود الأمر بعد ذلك أوجب اعتقاد ما ورد به. فليس هذا الاعتقاد ذاك الاعتقاد، بل هو اعتقاد يخص الأمر.
وينتزل الاعتقاد ثلاث منازل. الأول: وهو الذي ألزمتني اعتقاده بالإيمان، أنه متى أمر بشيء التزمه وامتثله. والثاني: لما ورد الأمر بحق فحمل أنه اعتقد وجوب حق والتزمه، وأنه أي شيء كان مما يثقل أو يخف امتثله. الثالث: بعد البيان، أنه اعتقد والتزم عين الحق الذي فسره الشرع وبينه. فقد بان بهذا أن الأمر أفاد فائدة مجددة.
وأما قولك إنه يورث المكلف جهلًا، والتعريض بالجهل قبيح لأن الجهل قبيح، فهذا لا يصح لوجوه. أحدها أن الجهل قبيح؛ وهو

1 / 10

أن يقصد إلى من حصل له العلم بشيء فيجهله. وأما في مسألتنا فإنه فتح له باب العلم بأن ذمته قد اشتغلت بحق في ماله، وأنه قد أوجب عليه وكلف ما لم يك قد كلفه. فهذا نوع إعلام وإفادة لما لم يكن عنده، ولا أحاط به علمًا، وإنما لم يستقص في «جميع الذمة.
٤ - وجرت مسألة العارية
قال حنفي: إن قبض العارية كان بإذن، والاستعمال بإذن. ثم إن الاستعمال إذا تلفت به العارية جزءًا بعد جزء، لم يوجب ضمانًا. فالتلف مع دوام الحفظ؛ والكون الذي في يده يكون لأجل الاستعمال. فإذا كان الاستعمال لا يوجب ضمانًا لكونه استعمالًا بإذن، فكذلك القبض إذا كان قبضًا بإذن. فلا وجه للضمان.
قال حنبلي: إن الاستعمال إذا تلف به الأجزاء كان إتلافًا حصل بالمقصود من العارية. وذلك مقصود المعير والمستعير. فأما الكون في يده والقبض للاستعمال، فهو قبل الاستعمال قابض لمنفعة نفسه منفردًا بها. ومروره إلى الاستعمال قبل الاستعمال كإخراجه من يده بالرد بعد الاستعمال. ومعلوم أن المالك، حيث أعاره، إما أن يكون حمله متبرعًا بالنقل إلى المستعير، أو أخذه المستعير من يد المعير بإذن المعير. فحيث حصل في يده وانتقل بإذنه، لم يك ذلك مؤذنًا بقطع المسافة في رده من ضمان المعير،

1 / 11

بل كان من ضمان المستعير خارجًا عن حكم ما كان عليه حين كونه مستعملًا له، وفي يده، عندك. فإذا جاز أن يكون هذا حاله في حال الرد، ويجعل الإذن الأول كالمنعدم، كذلك يجعل الإمساك قبل الاستعمال عدمًا في حق الإذن؛ إذا لم يتحقق الاستعمال، وقلت في يده، لا بما أذن أو قصد به. ولم يقل للمالك: أنت أذنت في حصوله بالبصرة، من حيث أغرق السفينة لركوبها إلى البصرة، فرجوعها إلى بغداد من هناك والتبعيد لها بإذنك، لكن في منافع وشغل المستعير، فنظرنا إلى ذلك. وإن كان بإذنك، فلم يقل ترجع بمالك ومؤونتك حيث بعدت بإذنك، بل ترجع إليك بمال المستعير ومؤونته. وكذلك مؤونة الأجزاء إذًا «باقية، وإن كانت بتلفها في الاستعمال لا يكون على المستعير.
٥ - وجرت مسألة الوديعة هل يملك المسافرة بها
قال حنبلي: يملك السفر بها. لأن قوله «احفظها» نص على الحفظ به؛ وقوله يتضمن إطلاق الحفظ بكل حال. وإذا سافر بها، فقد حفظها بإذن المالك ونصه وعموم لفظه. وإذا حفظها في البلد لا بنفسه، عمل ببعض العموم؛ وترك النص يعم. وليس يملك المسافرة به إلا إذا كان الغالب من السفر السلامة. فلا يبقى شيء يعول عليه. إلا أن الحضر في الغالب أحفظ؛ فيخير المفاضلة بكون يده عليها، وكونه بنفسه حافظًا

1 / 12

لها. فيكون الحضر الذي هو أحفظ مع عدم مدة أنقص. والسفر الأنقص حفظًا في الغالب مع كون يده عليها أحفظ، فصارا سواء. وليس يمكن أن يقال أن الغالب السفر التلف والعطب. لأن السفر إذا كان مأمونًا [يكون مأمونًا] في الغالب بحشمة السلطان وقلة القطاع للطريق واتصال القوافل وكثرة الخفراء. وانتشار الخلل [...] فلا يبقى إلا أن السفر أقل حفظًا بالإضافة إلى الحضر لكثرة الغوث. فيصير كإخراجها من داره إلى دار أخرى لتحويله ونقله. وكان صاحبها أطلق للإيداع، ولم ينهه عن الإخراج ولا عن المنفعة. فإن في حال إخراجها إلى الطريق جعلها في مكان ليس بحرز. ولهذا لا يقطع بالأخذ منه السراق. ثم لا يجعل ذلك تفريطًا ولا تضييعًا. كذلك السفر بالإضافة إلى الحضر.
٦ - وجرت مسألة السلم في الحيوان
قال حنبلي فيها: ما ثبت في الذمة مهرًا ثبت في الذمة سلمًا؛ كالمكيل والموزون.
اعترض عليه حنفي فقال: إن المال في عقد النكاح تابع، والبضع متبوع. والصفات في السلم والمالية التي تحصل بكثرة الصفات متبوعة، والأعيان تابعة. وقرر ذلك بأنه إن بالغ في صفات الحيوان، «اقتطعه الاستقصاء عن النظائر. فلم يك وجوده سائغًا يؤمن مع التعذر. فيصير

1 / 13

كالمعين من الصنجة والمكيال. والشجرة والنخلة لا يصح السلم [فيها] لسرعة التعذر بهلاكها وعدم الشياع واتساع محل السلم فيه للتضييق بالتعيين في ذلك المحل المعين. وإن قصر في الوصف على المقصود من الحيوان الذي به يجعل اختلاف المالية من الجواهر الكامنة الغامضة فيه؛ مثل الثقة والأمانة والفراهة والذكاء والفطنة والهملجة والقوى والصبر والحمل، وما شاكل ذلك. فإن تعطل هذا النوع عن السلم فيه، فليس بأول متعطل لعدم الإحاطة بمقاصده؛ كما في الجواهر والقسي والغالية، وما شاكل ذلك من المركبات.
٧ - وجرت مسألة البيع بشرط الخيار هل ينقل الملك
قال شافعي: سبب لنقل الملك، فوجب أن ينقل الملك، كالمطلق.
قالوا له: ولم إذا كان ناقلًا مع إطلاقه، نقل مع تقييده؟ ونحن نعلم أن العتق والطلاق مطلقه يزيل، ومقيده لا يزيل. وينقل التصرف مطلق هذا، ولا ينقل التصرف مقيده. فأين الإطلاق من التقييد؟
قال: إذا أمكن الإطلاق بحسب اللفظ والتقييد بحسب اللفظ، فلفظ التمليك يقتضي نقل الملك، فنقلناه. والخيار يقتضي تملك الفسخ والتأثير في لزوم العقد، فأزلنا اللزوم وأجزناه، وهذا جمع بين مقتضى اللفظين.
قال الحنفي: إن الخيار يعود إلى العقد، لأنه هو المنطوق به. فإذا

1 / 14

عاد إليه، أعاقه. وقد كان ينبغي أن يمنع انعقاده. لكن الإجماع أوجب أنه ينعقد مع الخيار. فصرفنا التأثير إلى حكمه، وهو نقل الملك. فأعاقه عن نقل الملك به.
٨ - جرت مسألة الجدة أم الأب هل ترث مع وجوده
«فاستدل فيها شافعي فقال: كل شخص أدلى بالأب لم يرث معه من فوق، كالجد؛ ومن أسفل، كالأخ. وعلى هذا كل من أدلى بشخص؛ كالجدات مع الأم، وبنات الابن مع الابن، وبني الإخوة مع الأخ. فهذا هو الأصل في الفروض.
اعترض حنبلي فقال: إن الجدة أم الأب أدخلها الشرع في قبيل الأمومة بدليل شيئين. أحدهما أنها دخلت في قبيل الجدات من الأم فهي كواحدة منهن وسقطت بالأم كما تسقط جدات الأم ولو لم تجعل من قبيل الأمومة ما أسقطها من هو أقرب في الأمومة. وما ادعيته في الأصل فما يستمر ولا يطرد. فإن أولاد الأم بها يدلون ومعها يرثون ويحجبونها من الثلث إلى السدس. وأما الجد والأخ فإنهما يرثون بالتعصب مع الأب. والعصبة أبدًا تحجب من هو مدلٍ به ومن هو أبعد منه. فأما الجدة أم الأب فإنها ذات فرض خاصة بخلاف بنت الابن فإنها تتعصب بابن الابن أخيها وابن أخيها. وكذلك الأخوات للأب تتعصب. فأما الجدة فلا تتعصب.

1 / 15

فهي بذكر الأم أشبه. لما كانوا على محض فرض بغير تعصب ورثوا مع من يدلون به. فلما كان فيها معنى العصوبة سقطت بمن تدلي به. وكذلك الأخوات للأب.
قال الشافعي: أما كونها تدلي بالأب فأصل مستقر. ولذلك متى كانت الجدة تدلي بأب لا تعصيبًا لم ترث ولم تدخل مع أمهات الأم في قبيل الجدات. وذلك مثل أم أبي أم أو تكون الجدة أم أبي أم أب، فإنها لا ترث. فلما وقف ميراث الجدة ... على أن تكون أم أب أو أم أبي أب أو أم أم أو أم أم أم. ومتى دخل الجد بين أمين لم ترث الجدة التي تدلي به علم أن المغلب في حقها، والأصل الإدلاء بالأب. وإذا كان كذلك كان إدخالها في قبيل الأمهات عارضًا، «وكان عارضًا يضعفها؛ لأنه عارض أوجب الإسقاط بالأم، وليست من تدلي بها. فكان سقوطها بمن تدلي بها أحق.
قال الحنبلي: إذا كان معدولًا به عن قرابة الأب شرعًا بخلاف الجد والأخ عولنا على إرثها بحسب ما ألحقت به وأدخلت فيه دون الأصل الذي عدل بها عنه. وسقوطها بغير من تدلي به، وإرثها مع الجدات اللواتي لا يدلين بمن تدلي به، لا يوجب ضعفًا؛ لكن يوجب أن يكون حكمها حكم الأمهات. ألا ترى أن أولاد الأم أسقطهم من لا يدلون به، وهو الجد والأب والبنات، ولم يورثهن ذلك ضعفًا بحيث تسقطهم الأم التي بها يدلون وعنها ينزعون.

1 / 16