Fiqh al-Da'wah in Sahih al-Bukhari

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

ناشر

الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٢١ هـ

فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري

نامعلوم صفحہ

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٢) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (٣).
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
لا شك أن الله تعالى ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، كما قال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (٤).
ولما كانت العبادة لا يمكن أن تُعرف أحكامها على التفصيل، أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنزل عليهم الكتب؛ لبيان الأمر الذي خلِقَ من أجله الإِنس والجن؛ ولإيضاحه وتفصيله لهم حتى يعبدوا الله على بصيرة، فقاموا بواجبهم على الوجه الأكمل، عليهم الصلاة والسلام، قال الله- ﷾: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] (٥). ثم ختم الله تعالى الرسل

(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ١.
(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠، ٧١.
(٤) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢١٣.

1 / 3

بأفضلهم وإمامهم وسيدهم نبينا محمد بن عبد الله، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى الله على بصيرة سرّا وجهرا، ليلا ونهارا. عملا بقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١).
وهذه طريقته ومسلكه وسنته، يدعو إلى الله على بصيرة ويقين، وبرهان عقلي وشرعي (٢) فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار.
ورغبة في السير على طريق النبي ﷺ في دعوته إلى الله تعالى على بصيرة، والاهتداء بهديه، فقد شرع قسم الدعوة والاحتساب بكلية الدعوة والإِعلام في إعداد موسوعة دعوية لدراسة الأحاديث النبوية دراسة دعوية متكاملة تعتمد صحيح الإِمام البخاري أساسا ومنطلقا لها، وقد أحببت المشاركة في هذه الموسوعة المباركة، وكان نصيبي بفضل الله تعالى دراسة: " فقه الدعوة " في صحيح الإمام البخاري من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة. وأسأل الله التوفيق والتسديد والإعانة.
أما التعريفات والحدود، وأهمية الموضوع، وتقسيم الدراسة فعلى النحو الآتي:
* أولا: التعريفات والحدود
فقه الدعوة: جملة تتكون من جزئين: الفقه، والدعوة.
أ- الفقه لغة: العلم بالشيء والفهم له، والفطنة، وغلب على علم الدين لسيادته، وشرفه، وفضله على سائر أنواع العلم (٣).
والفقه في الأصل: الفهم، يقال: أُوتي فلان فقها في الدين: أي فهما فيه (٤).

(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير ٢/ ٤٩٦.
(٣) انظر: لسان العرب لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، ١٣/ ٥٢٢، مادة " فقه "، والقاموس المحيط، للفيروزآبادي، ص ١٦١٤.
(٤) انظر: لسان العرب، لابن منظور، مادة " فقه " ١٣/ ٥٢٢.

1 / 4

قال الله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] (١). وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] (٢). ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] (٣). ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] (٤). ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٥).
ويقال: فَقِهَ الرجل يفقَهُ فِقْها: إذا عَلِمَ وفَهِمَ، وفَقُهَ: إذا صَارَ فَقيِها عالما (٦) ويقال: فَقِه الأمرَ، فَقَها وفِقْها: أحسن إدراكه (٧) والجمع فقهاء، وفَقهَهُ، كعلمه، فَهِمَهُ، وفقَهَه تَفقيها: علمه (٨).
ب- الفقه اصطلاحا: له عدة تعريفات يفسر بعضها بعضَا، منها:
* العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفرعية، بالنظر والاستدلال (٩).
ج- الدعوة لغة: الطلب، يقال: دعا بالشيء طلب إحضاره، ودعا إلى الشيء: حث على قصده، ودعوت زيدا: ناديته وطلبتُ إقباله، ودعا فلانا: صاح به وناداه، ودعاه إلى الأمير: ساقه إليه، ويقال: دعاه إلى الصلاة، ودعاه إلى القتال، ودعاه إلى المذهب: حثه على اعتقاده وساقه إليه، وتداعى القوم: دعا بعضهم بعضا حتى يجتمعوا (١٠).
د- الدعوة اصطلاحا: ورد لها عدة تعريفات يكمل بعضها بعضا، منها:

(١) سورة التوبة، الآية: ١٢٢.
(٢) سورة هود، الآية: ٩١.
(٣) سورة النساء، الآية: ٧٨.
(٤) سورة المنافقون، الآية: ٧.
(٥) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.
(٦) النهاية في غريب الحديث والأثر للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير، ٣/ ٤٦٥.
(٧) انظر: المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، ص ٦٩٨، مادة " الفقه ".
(٨) انظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي ص ١٦١٤، ومختار الصحاح للرازي ص ٢١٣، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، تأليف أحمد الفيومي ص ٤٧٨.
(٩) الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين علي بن محمد الآمدي، ١/ ٦ تعليق العلامة عبد الرزاق عفيفي.
(١٠) انظر: لسان العرب لابن منظور، ١٣/ ٢٥٨، مادة " دعا "، والقاموس المحيط للفيروزآبادي ص ١٦٥٤، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي ١/ ١٩٤، مادة: " دعوت "، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص ٣١٤، مادة " دعا "، ومختار الصحاح للرازي ص ٨٦ مادة " دعا "، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٢/ ١٢١ مادة " دعا "، والمعجم الوسيط لمجموعة من علماء اللغة ١/ ٢٨٦، مادة " دعا ".

1 / 5

١ - " الدعوة إلى الله ﷿ هي: الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإِيمان: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإِيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه " (١).
٢ - " العلم الذي به تعرف كافة المحاولات الفنية المتعددة الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام بما حوى: من عقيدة، وشريعة، وأخلاق " (٢).
هـ- " فقه الدعوة ": هو استنباط، وفهم تاريخ الدعوة، وأسبابها، وأركانها، وأساليبها، ووسائلها، وأهدافها، ونتائجها: استنباطا وفهما على ضوء الكتاب، والسنة، وفهم السلف الصالح، يُمَكِّن الدعاة إلى الله تعالى من عرضها بأحسن طريقة، وأكثر ملاءمة لمن توجه إليهم الدعوة في مختلف بيئاتهم، ومتباين ألسنتهم، ولغاتهم، ومتعدد أجناسهم (٣) عملا بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (٤).
وأما التعريف بصحيح البخاري وترجمته فيأتي في المدخل إن شاء الله ﷾ (٥).
* ثانيا: أهمية الموضوع
١ - إن ربط الدعوة بالكتاب والسنة من أهم المهمات وأعظم القربات؛ لأن الله أمر بالرد إليهما عند التنازع والاختلاف، ولولا أن في كتاب الله تعالى وسنة

(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٥/ ١٥٧، وانظر: ١٥/ ١٦١.
(٢) الدعوة الإسلامية: أصولها ووسائلها، للدكتور أحمد غلوش، ص ١٠.
(٣) انظر: فقه الدعوة إلى الله، للدكتور علي عبد الحليم محمود، ١/ ١٨.
(٤) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.
(٥) انظر: ص ١٩ و٢٧ من هذا البحث.

1 / 6

رسوله ﷺ، فصل النزاع لما أمر الله بالرد إليهما (١). قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢). وقال تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] (٣). وقال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] (٤). وقال ﷾: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٥). وهذا كله يؤكد أهمية فقه الدعوة من الكتاب والسنة، والعناية بهما: فهما، وحفظا، وعملا، عقيدة، وأخلاقا، وتعليما للناس ودعوة، فهما المنبعان الصافيان، من أخذ بهما سعد وفاز في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنهما وعن هديهما خاب وخسر، وضل مسعاه وتشتت شمله؛ ولهذا قال ﷺ: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله [وسنة نبيه]» (٦).
ولا شك أن معرفة فقه الدعوة في السنة المطهرة من دين الله (٧) الحق الذي أرسل به رسوله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩] (٨).
٢ - إن فقه الدعوة إلى الله تعالى فقه مبنيّ على فهم السنة المطهرة، - وذلك باستنباط أسس الدعوة وركائزها التي تقوم عليها- من أهم المهمات؛ لأن

(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ١/ ٨٩.
(٢) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(٣) سورة النساء، الآية: ٦٥.
(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.
(٥) سورة النور، الآية: ٦٣.
(٦) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ، من حديث جابر بن عبد الله ﵄، ٢/ ٨٨٦، برقم ١٢١٨، وما بين المعكوفين للحاكم، ١/ ٩٣، من حديث ابن عباس ﵄، ومن حديث أبي هريرة ﵁، بلفظ " كتاب الله وسنتي "، انظر: صحيح الترغيب والترهيب للألباني برقم ٣٦.
(٧) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ١/ ٢٣٦.
(٨) سورة الصف، الآية: ٩.

1 / 7

ذلك يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] (١). فالدعوة يجب أن تكون على بصيرة، ويقين وبرهان عقلي وشرعي (٢) ولا تكون كذلك إلا إذا كانت على علم وبيان من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
والداعية لا يكون على بصيرة إلا إذا دعا إلى الله على بصيرة في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه، وذلك بالعلم لا بالجهل.
الأمر الثاني: أن يكون على بصيرة في حال المدعو، فلا بد من معرفة حال المدعو؛ ليدعوه بالطريقة والكيفية التي تناسبه، وتكون أكثر فائدة له، وتأثيرا فيه.
الأمر الثالث: أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة (٣).
٣ - إن التفرق الذي يقع بين الدعاة ما وقع إلا لعدم فقه الدعوة من الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح، فمن هنا تأتي أهمية العناية بفقه الدعوة في السنة النبوية.
٤ - إن أصح الكتب بعد القرآن الكريم العزيز، الصحيحان: صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم - رحمهما الله- (٤). ومن هذين الكتابين اخترت المشاركة في فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري ﵀؛ لأن (كتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة؛ وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، قال الإمام النووي ﵀: " وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار الذي قاله الجماهير وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث " (٥).

(١) سورة يوسف، الآية: ١٠٨.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير ٢/ ٤٩٦.
(٣) انظر: زاد الداعية إلى الله، للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص ٧.
(٤) انظر: علوم الحديث، لابن الصلاح، ص ١٨، ومقدمة شرح النووي على صحيح مسلم، ص ١٤، والتقريب في فن أصول الحديث للنووي، ص ٣، واختصار علوم الحديث، لأبي الفداء ابن كثير، مع شرحه الباعث الحثيث، لأحمد شاكر ١/ ١٠٣.
(٥) مقدمة شرح صحيح مسلم للنووي ص ١٤.

1 / 8

ويقول الحافظ ابن كثير ﵀ عن ترجيح صحيح البخاري ﵀ على صحيح مسلم ﵀: " والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا: أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة. ومن هاهنا ينفصل النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم كما هو قول الجمهور، خلافا لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب " (١).
ومن هنا أيضا يكتسب هذا الموضوع أهمية أخرى، وهو ارتباطه بأصح كتب السنة، وأكثرها فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة.
وإدراكا لهذه الأهمية فقد شرع قسم الدعوة والاحتساب في الكلية في إعداد موسوعة دعوية متكاملة تعتمد هذا الكتاب أساسا ومنطلقا لها، وكان القسم المخصص لي من الصحيح، من أول كتاب الوصايا إلى نهاية كتاب الجزية والموادعة، ومجملها (١٩٢) حديثا (٢).
٥ - تبرز أهمية دراستي لهذه الأحاديث النبوية دراسة دعوية في الأمور الآتية:
أ- اختصاص معظم أحاديث الدراسة في موضوع مهم من موضوعات الدعوة إلى الله تعالى، وهو الجهاد في سبيل الله تعالى، ومعلوم أن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وكتاب فرض الخمس، والجزية والموادعة، وقبل ذلك كله الوصايا.
ب- اشتملت أحاديث كتب الدراسة على فوائد دعوية مهمة: منها ما يتعلق بالداعية إلى الله، ومنها ما يتعلق بالمدعو، ومنها ما يتعلق بموضوع الدعوة، ومنها ما يتعلق بوسائل الدعوة وأساليبها، ومثال ذلك حديث جبير بن مطعم ﵁ «أنه بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقبلا من حنين علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: " أعطوني ردائي، فلو كان لي عدد هذه العضاه

(١) اختصار علوم الحديث، لابن كثير، مع شرحه الباعث الحثيث، لأحمد شاكر ١/ ١٠٣.
(٢) انظر: تفصيلها في ص ٣٤ من هذا البحث.

1 / 9

نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا» (١). فقد اشتمل هذا الحديث على أركان الدعوة كلها: فموضوع الدعوة فيه: دعوة الأمة إلى مكارم الأخلاق، وأصول الحِكَم، وفيه صفات الداعية: من الحلم، والكرم، والصبر، والصدق، والشجاعة، وفيه أدب المدعو وأنه ينبغي له أن يلتزم الأدب مع الداعي، وفيه من وسائل الدعوة القدوة الحسنة، وفيه أسلوب الرفق واللين، فقد اشتمل الحديث على جميع أركان الدعوة، وهكذا في أحاديث الموضوع الأخرى.
* ثالثا: أهداف الدراسة
١ - تقديم دراسة تأصيلية في علم فقه الدعوة، وحديثها ومادتها من حديث رسول الله ﷺ، الذي أمرنا الله بالاقتداء به، والذي قال ﷿ في شأنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢) وذلك بدراسة أصح كتاب عنه دراسة دعوية؛ ليكون في متناول طلاب العلم والدعاة إلى الله ﷾.
٢ - كشف الفوائد والمعارف والفقه الدعوي في الجزء المحدد للباحث من صحيح الإمام البخاري.
٣ - تأصيل مبدأ الرجوع إلى النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة وفهم السلف الصالح عند كل قضية، وبخاصة في قضايا الدعوة التي تكاثر فيها رجوع الناس إلى آراءٍ فَرَّقَتْهُمْ شيعا.
٤ - توفير وإيجاد المراجع المعتمدة على الأحاديث الصحيحة للدعاة وطلبة العلم وذلك بدراسة الأحاديث دراسة دعوية، واستنباط الفوائد في فقه الدعوة من أصح الأحاديث.

(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الشجاعة في الحرب والجبن، ٢/ ٢٧٥ برقم ٢٨٢١، ومسند الإمام أحمد ٤/ ٨٢.
(٢) سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤.

1 / 10

* رابعا: أسباب اختيار الموضوع
هذا وقد دعاني إلى اختيار هذا الموضوع، عدة أسباب، منها:
١ - فقه الدعوة إلى الله تعالى في صحيح الإمام البخاري بحاجة إلى من يبرزه في صورة ميسرة؛ ليستفيد منه الدعاة إلى الله تعالى؛ لأنه لم يحظ بعدُ بمؤلَّفٍ مستقل شامل يعالج الموضوع من جميع جوانبه، في دراسة علمية دقيقة متكاملة، فالموضوع لم يكتب فيه- حسب علمي- ما يفي بالغرض المنشود، وهو جدير بالبحث والعناية.
٢ - الرغبة في الارتباط بكتب السنة النبوية المشرفة، وخصوصا منها كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري ﵀ وذلك للاقتداء برسول الله ﷺ، وفي ذلك عبادة لله تعالى وهداية منه، وتنفيذ لأمره، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] (١).
٣ - كثرة الفوائد والمعارف الظاهرة والغامضة في صحيح الإمام البخاري ﵀ كما ذكر ذلك العلماء (٢).
٤ - الإسهام والرغبة في المشاركة في خدمة سنة رسول الله ﷺ، ودراستها دراسة دعوية؛ لتفيدني، وتفيد القائمين على الدعوة إلى الله تعالى في العصر الحاضر- إن شاء الله تعالى-.
٥ - تقديم علاج لما قد يحدث بين الدعاة من خلاف وتنازع في بعض قضايا الدعوة ومناهجها. . وذلك من خلال الردِّ إلى سنة رسول الله ﷺ التي هي أحد الحَكَميْنِ اللذين أُمِرْنا بالرد إليهما عند التنازع والاختلاف، وهما كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ، يقول العلامة ابن سعدي ﵀: " وهذا هو الواجب عند التنازع والاختلاف، أن يُرد إلى الله ورسوله ﷺ. ولولا أن في كتابه وسنة رسوله ﷺ، فصل النزاع، لما أمر الله بالرد إليهما (٣) إذ

(١) سورة النور، الآية: ٥٤.
(٢) انظر: شرح النووي على صحيح الإمام مسلم ١/ ١٤.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ١/ ١٦٨.

1 / 11