Diya al-Salik ila Awda al-Masalik
ضياء السالك إلى أوضح المسالك
ناشر
مؤسسة الرسالة
ایڈیشن
الأولى ١٤٢٢هـ
اشاعت کا سال
٢٠٠١م
المجلد الأول
مقدمات
مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله على جزيل نعمه، وتواتر آلائه ومننه، والصلاة والسلام على النبي المرتضى والحبيب المرتجى؛ سيدنا محمد ﷺ النبي العربي، والرسول القرشي؛ صفوة الأنبياء، وأفصح البلغاء، وعلى آله وأصحابه وتابعيه، ومن نحا نحوهم، واهتدى بهديهم، وسلك سبيلهم، إلى يوم الجزاء.
"وبعد" فهذا مؤلف جديد، وتعليق فريد، على "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" للإمام الجليل جمال الدين بن هشام الأنصاري، يزيد على ما سبقه من الكتب في دقة نسجه، ويفوق ما تقدمه من التعليقات في بسط جوهره، وينفرد عن غيره من المؤلفات بعمق النظرة، ووضوح الفكرة.
تناولت فيه التعليق الوافي على متن فخر النحاة "ابن هشام"، وأوضحت باختصار معاني وإعراب ألفية "ابن مالك" الهمام. وكشفت عن خفي العبارات والتراكيب التي يصعب على الدارس فهمها، ويلتوي عليه وعيها وإدراكها. وشرحت ما فيه من أمثلة وشواهد، وأجملت معانيها، وذكرت إعراب الغامض منها، وموضع الشاهد فيها.
واستقصيت -في إيجاز- ما تمس الحاجة إليه من طرائف وفوائد في شتى الموضوعات، وعملت على تجديد وتنويع ما عرضت من الأسئلة والتطبيقات.
وأضفت -في المناسبات- الموضوعات الصرفية الهامة التي أغفلها "ابن هشام" كما أغفلها "ابن مالك" -وبخاصة تصريف الأفعال اكتفاء بكتابه لامية الأفعال- ليكون الكتاب مغنيًا بنفسه في القواعد النحوية والصرفية.
وعنيت بعرض تعريف مناسب لأئمة النحاة والقراء الذين وردت أسماؤهم
1 / 3
في هذا السفر الجليل؛ ليكون الدارس على بصيرة بمنزلتهم العلمية، فيختار من آرائهم ما تطمئن إليه نفسه، ويهديه إليه درسه وبحثه.
وقد صدرت الكتاب بنبذة جامعة عن وضع النحو ونشأته، وسيره في طريق النمو والازدهار، حتى أينع وأثمر، واستتبع ذلك ذكر بعض رواده الأوائل، وجلة واضعيه الأماثل.
وأوضحت كيف نشأ المذهبان المعروفان لدى علماء النحو؛ وهما: المذهب البصري، والمذهب الكوفي، وأهم الفروق بينهما.
وقد أقبلت على وضع هذا المؤلف بعد أن سمح وقتي بتفرغي إليه، وقصر جهدي عليه، ومراجعة المصادر المختلفة التي تعين على توضيحه، وتساعد على إظهار مكنون أسراره، وقصدت بعملي هذا خدمة ذلك السفر العظيم، والتقرب إلى الله -الذي تعنو له الوجوه- بتيسير وفهم لغة كتابه الكريم.
وقد أسميته: "ضياء السالك إلى أوضح المسالك" سائلًا الله -جلت قدرته- أن يضيء به الطريق لقارئه، وينير السبيل أمام المطلع عليه، إنه سميع مجيب.
المؤلف
1 / 4
ترجمة ابن هشام:
هو الإمام العلامة النحوي المشهور: أبو محمد عبد الله "جمال الدين" بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري، ولد بالقاهرة في ذي القعدة من عام ٧٠٨ "ثمان وسبعمائة من الهجرة النبوية"، الموافق ١٣٠٩ ميلادية.
وقد اشتغل منذ نشأته بالعربية، وتوافر على دراستها حتى أتقنها وبرز فيها، وقرأ على ابن السراج، وسمع من أبي حيان ديوان زهير بن أبي سلمى ولم يلازمه، وحضر دروس الشيخ تاج الدين التبريزي، وتفقه على مذهب الشافعي ثم تحنبل.
وقد فاق الأقران بل الشيوخ، وبز من تقدمه، وأعيا من أتى بعده، وتصدر للدرس، فنفع الطلاب وأفادهم كثيرًا، وأقبل الناس عليه من كل صوب، وكان كثير المخالفة لأبي حيان، شديد الانحراف عنه، هذا إلى صلاحه وورعه وشدة تواضعه. قال عنه شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: "لقد انفرد ابن هشام بالفوائد الغريبة، والمباحث الدقيقة، والاستدراكات العجيبة، والتحقيق البالغ، والاطلاع المفرط، والاقتدار على التصرف في الكلام، والملكة التي كان يتمكن بها من التعبير عن مقصوده بما يريد؛ مسهبًا وموجزا، مع التواضع والبر، والشفقة ودماثة الخلق، ورقة القلب".
وحسبك هذه الشهادة -الجامعة لأنواع الفضائل- من إمام جليل كابن حجر.
1 / 5
وقال عنه المؤرخ العلامة ابن خلدون: "ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية، يقال له ابن هشام، أنحى من سيبويه".
وذكره مرة أخرى بقوله: "إن ابن هشام على علم جم يشهد بعلو قدره في صناعة النحو: وكان ينحو في طريقته منحى أهل الموصل الذين اقتفوا أثر ابن جني، واتبعوا مصطلح تعاليمه، فأتى من ذلك بشيء عجيب يدل على قوة ملكته واطلاعه".
وقد صنف ابن هشام كثيرًا من الكتب النافعة التي تلوح منها أمارات التحقيق، وطول الباع في البحث والتدقيق، منها: "مغني اللبيب عن كتب الأعاجيب" وهو مشهور متداول، ومرجع هام للدارسين، وعليه شروح كثيرة. و"الروضة الأدبية في شواهد علوم العربية" وهو شرح لشواهد "اللمع لابن جني" وكتاب "رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة" في أربع مجلدات ... وغير ذلك. ومن كتبه المتداولة الآن: "شذور الذهب في معرفة كلام العرب"، و"قطر الندى وبل الصدى" وهما يدرسان في بعض المعاهد. و"شرح الجامع الصغير". وله عدة حواش على الألفية والتسهيل. وشرح قصيدتي: "بانت سعاد" و"البردة". أما "أوضح المسالك" الذي نحن بصدد التعليق عليه، فقد ذاع صيته، وانتشر في الآفاق ذكره، وهو مرجع هام في نحو اللغة العربية.
وكان ﵀ خبيرًا بالشعر ونظمه. ومن شعره قوله:
ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ... ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل
ومن لا يذل النفس في طلب العلا ... يسيرا يعش دهرا طويلا أخا ذل
وتوفي ﵀ ليلة الجمعة، الخامس من ذي القعدة سنة ٧٦١ "إحدى وستين وسبعمائة هجرية"، الموافقة ١٦٣٠ ميلادية. ودفن عند باب النصر بالقاهرة، وقبره معروف هنالك إلى الآن. ﵀ وأسبغ على جدثه المغفرة والرضوان.
وقد رثاه كثير من الشعراء، ومنهم ابن نباتة المصري بقوله:
سقى ابن هشام في الثرى نوء رحمة ... يجر على مثواه ذيل غمام
سأروي له في سيرة المدح مسندا ... فما زلت أروي سيرة ابن هشام
1 / 6
كلمة إجمالية عن نشأة النحو:
العرب وسيادة قريش:
١- كان يسكن الجزيرة العربية شعبان عظيمان من شعوب الأمة العربية هما: العدنانيون، وكانوا يسكنون الحجاز بمكة وما والاها، ومنهم قريش. والقحطانيون، وكانت منازلهم باليمن. وكانت لغة الشعبين عربية فصيحة، غير أنهما يختلفان في مدلول بعض الألفاظ واللهجات، كما كان لكل من الشعبين لهجات تختلف باختلاف القبائل.
٢- وكان لقريش السيادة في الجاهلية، بسبب ما آل إليها من السقاية١ والرفادة٢ والحجابة٣ والسدانة٤ في البيت الحرام. وكانت مكة مزارًا يحج إليها العرب جميعًا كل عام، وتقام فيها الأسواق التي كان من أشهرها: عكاظ٥، ومجنة٦، وذي المجاز٧، والتي كان يحضرها الناس للتجارة، كما يحضرها الخطباء والشعراء من شتى الجهات؛ للتفاخر والتهاجي والتباري في الخطابة والشعر، ويحكم بينهم الحكام، والسعيد من حكم له بالسبق. فاجتمع
١ هي: سقاية الحجاج.
٢ ما كانت تخرجه قريش من المال لتشتري به طعامًا للحجيج.
٣ القيام على خدمة البيت. والحاجب: البواب، ووظيفته الحجابة.
٤ خدمة الكعبة المشرفة، يقال: سدن أي: خدم الكعبة.
٥ سوق بين نخلة والطائف، شهدها الرسول ﷺ وبقيت حتى نصف القرن الثاني من الهجرة.
٦ موضع قرب مكة، وقد تكسر ميمها.
٧ سوق كانت على فرسخ من عرفة.
1 / 7
لقريش من ذلك كله زاد لغوي واسع، أضافته إلى لغتها الأصلية بعد أن تخيرت أعذبه جرسًا، وأخفه وقعًا، وأبلغه معنى. فأصبحت لغتها أغنى اللغات العربية، وأشملها، وأعذبها، وأقدرها على تصوير المعاني المختلفة. وتسابق الخطباء والشعراء في استعمال لغة قريش، ونقلوا كثيرا منها إلى قبائلهم، فانتشرت في الجزيرة العربية وسادت. فكان ذلك تمهيدًا وتهيئة لجو ملائم للرسالة المحمدية، ونزول القرآن الكريم بتلك اللغة المنتقاة.
٣- وكان العرب في هذه الآونة، يتكلمون العربية الصحيحة بالسليقة على اختلاف قبائلهم ولهجاتهم، وكانوا قليلي الاتصال بمن حولهم من الأعاجم، فكان بين الفرس وعرب الجزيرة، والروم وعرب الشام شيء من الاتصال، يدخل بعض هؤلاء الجزيرة العربية، ويتعلمون اللغة، وينطقونها تقليدًا.
ظهور اللحن:
١- ولما جاء الإسلام وانتشر خارج الجزيرة العربية، اضطر العرب للاختلاط بغيرهم، وزاد اتصالهم بالأعاجم في سائر الأمصار، وتبادلوا معهم التجارة والمنافع؛ فأخذ الفساد يدب في تلك السليقة العربية، وظهر اللحن بين بعض العرب -علاوة على الدخلاء من الأعاجم- وساعد على ذلك أن اللغة العربية لغة مُعْربة، سرعان ما يتسرب إليها اللحن والفساد.
٢- وقد ظهر اللحن في عهد الرسول ﵇ فقد روي أن رجلًا لحن بحضرته، فقال: "أرشدوا أخاكم فقد ضل". ومر عمر بن الخطاب على نفر يتمرنون على رمي السهام فوجدهم لا يحسنون، فأنبهم، فقالوا له: إنا قوم متعلمين، فأفزعه ذلك وقال: والله لخطؤكم في لسانكم أشد على من خطئكم في رميكم. وروي أن كاتبًا لأبي موسى الأشعري -وكان واليًا لسيدنا عمر على البصرة- كتب رسالة على لسان أبي موسى إلى سيدنا عمر: من أبو موسى الأشعري إلى....، فلما اطلع عمر عليها كتب إلى أبي موسى: عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطًا.
٣- وقد شاع اللحن بين أوساط الناس، وجرى على ألسنة العجم المستعربين فهال ذلك أولي الأمر، وخافوا أن يتسرب إلى القرآن الكريم والحديث الشريف، فأسرع المفكرون والعلماء إلى وضع قواعد يهتدى بها؛ لحفظ اللغة من هذا الخطر الداهم. وقد هداهم تفكيرهم إلى وضع علمي النحو واللغة.
1 / 8
وضع النحو:
١- اختلفت الروايات عن المتقدمين فيمن أشار بوضع النحو، ومن ابتدأ وضعه. وكثر الحديث في ذلك؛ فمن قائل: إن علي بن أبي طالب أول من وضع النحو، وأنه دفع إلى أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة ٦٧ هجرية بصحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كله اسم وفعل وحرف ... إلخ. وأمره بتكميله. ومن قائل: إن أبا الأسود هو الذي ابتدأ هذا العمل بإشارة عمر ﵁ وقيل بإشارة زياد بن أبيه -وكان أبو الأسود معلم أولاده- وهو والي العراق وقتئذ، وقد لحظ انتشار اللحن. ويرى فريق أن أبا الأسود هو الذي بدأ ذلك بنفسه حين قالت له ابنته: يا أبت ما أحسن السماء! فقال نجومها. فقالت له: لم أرد شيء منها أحسن؟ إنما تعجبت من حسنها. فقال لها: قولي إذن: ما أحسن السماء! ثم دفعه ذلك إلى التفكير في وضع النحو، وابتدأ بباب التعجب.
٢- ومهما قيل، فمن المؤكد -بعد البحث- أن أبا الأسود هو الذي بدأ هذا العمل، سواء كان بإشارة علي، أم عمر، أم زياد، أم بتفكيره هو، وأنه لم يبدأ بما قيل من تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، ولا بوضع باب التعجب أو غيره، فإن التأليف لم يكن معروفًا عند العرب، كما أن كلمة النحو كلمة دقيقة مبتكرة لا تأتي عفوا، والمنطق والعقل يوحيان بالتدرج في مثل هذا العمل المبتكر، والأقرب -كما قيل- أن أبا الأسود بدأ بوضع نقط فوق الحروف؛
1 / 9
لتقوم مقام الشكل الذي نعرفه اليوم، وبعض الضوابط التي تحفظ من الخطأ في كتاب الله، ثم تدرج العمل بعد.
٣- وقد كان أبو الأسود من القراء، لبقا ذكيا، حاضر البديهة، كما كان شاعرًا مفلقا. ولعل الذي هداه إلى ذلك أنه خالط الأعاجم في العراق مدة طويلة، وكانت اللغة السريانية -وهي شقيقة اللغة العربية؛ لأن كلتيهما لغة سامية- منتشرة في شمال العراق، ولها نحو فيه اصطلاحات وتقاسيم، وقد يكون أبو الأسود استفاد من ذلك، هو ومن عاصره وشاركه هذا العمل، ومن أتى بعده ممن عنوا بهذا العلم، ووضعوا أصوله وقواعده.
٤- وقد عاصر أبا الأسود، وأخذ عنه، وتدارس معه مسائل النحو كثيرون من العلماء؛ منهم: نصر بن عاصم الليثي المتوفى سنة ٨٩ هجرية، أول من سبب النحو وفتق فيه القياس؛ حتى نسب بعضهم إليه أول وضعه. وعبد الرحمن بن هرمز، أول من نقل النحو إلى المدينة وتكلم فيه، وتوفي سنة ١١٧ هـ، ودفن بالمدينة. ومنهم: يحيى بن يعمر المتوفى سنة ١٢٩هـ، والذي بسط النحو وعين بعض أبوابه، وكان أظهر عمل هؤلاء أن أثاروا بعض مسائل مختلفة من النحو حول آيات من القرآن الكريم، وأبيات من الشعر العربي.
٥- وقد أخذ عن معاصري أبي الأسود أو تلاميذه كثيرون؛ منهم عبد الله بن إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ١١٧هـ، أول من مد القياس وشرح العلل. وأبو عمرو بن العلاء، أوسع الناس علمًا بكلام العرب ولغتها وغريبها، ثم عيسى بن عمرو الثقفي المتوفى سنة ١٤٩هـ، الذي تتلمذ عليه الخليل بن أحمد، وقد جمع ما أثاره أسلافه من المسائل المتفرقة، وقيل إنه ألف كتابين سمى أحدهما "الإكمال" والآخر "الجامع"، وقد قال فيهما الخليل:
بطل النحو جميعا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك "إكمال" وهذا "جامع" ... فهما للناس شمس وقمر
1 / 10
ويقال: إن الجامع هو كتاب سيبويه، أضيف إليه كثير مما تلقاه عن الخليل بن أحمد وبعض أساتذته وعلماء عصره، وكل هؤلاء بصريون. وقد ظهر في زمنهم بالكوفة كثير من علمائها، منهم: معاذ الهراء أستاذ الكسائي، إمام الكوفيين في النحو واللغة. والرؤاسي أستاذ الفراء، وهو أول من ألف في النحو من الكوفيين، وكتابه يسمى "الفيصل".
٦- ثم جاء الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥ هجرية، فعكف على دراسة هذا العلم، وأخذ يخترع ويستنبط الأصول من الفروع، وكان له الفصل الأول في إرساء قواعده ومسائله، ولم يؤلف في ذلك كتابا، وإنما أوحى بعلمه ونتائج بحوثه إلى تلميذه "سيبويه" المتوفى سنة ١٨٠هـ، فجمع ذلك وضم إليه كثيرًا من أقوال علماء عصره، ومن سبقهم، وما سمعه بنفسه عن العرب، ورتبه وبوبه وبسطه على النحو الذي نعرفه الآن، وألف فيه كتابه المعروف، وقد حاز هذا الكتاب ثقة العلماء بعده، وتناولوه بالشرح والإيضاح، وأصبح لفظ "الكتاب" إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى كتاب سيبويه. والواقع أن ما ألف بعده مبني عليه ومستمد منه، ولا يزال المرجع في كثير من مسائل النحو إلى الآن.
1 / 11
مصادر النحو والصرف:
١- اعتمد العلماء الأقدمون فيما جمعوه من المسائل والقواعد النحوية والصرفية على ما جمع من علوم اللغة والأدب؛ تلك العلوم التي كان من أهم مصادرها: القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر العربي الموثوق بصحته، وعربية قائليه.
٢- كما اعتمدوا على مشافهة العرب والرحلة إليهم، حيث يقيمون في بواديهم النائية، أو الحواضر التي نزحوا إليها. وبذلوا في تتبع النصوص المختلفة المتنوعة جهدًا مضنيًا، وتحملوا كثيرًا من مشاق السفر والرحلة، وخشونة العيش؛ للاختلاط بالعرب. ثم أخذوا يستعرضون الجزئيات المختلفة التي جمعوها، ويضعون لها الكليات، وأعملوا ذهنهم في استخراج القواعد المضبوطة الجامعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
٣- وبرغم ما أنفقوا من جهد ووقت ومال، وتحملوا من عناء ومشقة، جاءت القواعد التي وضعوها نتيجة استقراء ناقص؛ لأنه من المحال استيعاب جميع ما ورد عن العرب. يضاف إلى هذا: أن القبائل العربية لم تكن في مستوى واحد من الفصاحة، ولا من السلامة من اللحن؛ بسبب اختلاطها بغيرها من الأعاجم، وقرب بعضها من الحضر. ولذلك كان العلماء يتحرزون عند جمع اللغة، ويفضلون بعض القبائل على بعض، وأكثر القبائل العربية التي نقل عنها، وأخذت العربية الصحيحة منها هم: قيس، وتميم، وأسد، وهذيل، وبعض قبائل كنانة، وبعض الطائيين. واستبعدت قبائل: حمير، ولخم، وجذام، وقضاعة، وغسان، وإياد، وثقيف، وبني حنيفة، وعبد قيس؛ وذلك بسبب تسرب الخطأ إليهم، لقربهم من الأعاجم، ومخالطتهم لهم.
٤- وقد حمل ذلك العلماء واضطرهم إلى القياس النحوي في بعض المسائل، فأصبحت القواعد التي وضعت بعد الاستقراء والقياس الصحيح، هي المقياس لعلم النحو والصرف، وأهدر ما عدا ذلك من المصادر.
1 / 12