ذیل تجارب الامم

ذيل تجارب الأمم

ایڈیٹر

أبو القاسم إمامي

ناشر

سروش، طهران

ایڈیشن

الثانية، 2000 م

مقدمة صاحب الذيل

صفحہ 7

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي أما بعد حمد الله سبحانه والثناء عليه، أهل الحمد والثناء، المفرد بالوحدانية والبقاء الذي لا يحيط به مكان، ولا يغيره زمان، لا إله إلا هو مبدع المكان وموجده، ومحدث الزمان ومنفده، خالق الخلق أطوارا، وجاعل الظلمة والضياء ليلا ونهارا، كتب على الخلائق تقلب الأحوال لأنه لا يحول، وقضى على الأزمنة حكم الزوال لأنه لا يزول. والصلاة على رسوله محمد الذي بعثه بالرسالة، وهدى به من الضلالة، وأنفذ بمعرفته من الجهالة، ودل على نبوته بأفضل الدلالة، واختاره من أشرف البلاد وطنا ودارا، واصطفاه من أكرم العباد حسبا ونجارا، حيث المشعر الحرام والمعشر الكرام، وجعله آخر الأنبياء بعثا فى الدنيا إلى العباد، وأولهم بعثا إلى المعاد، وجعلنا من أمته الذين جعلهم أمة وسطا، وأبان لهم من الإسلام منهجا جددا، ووفقهم فى الدين فتحروا رشدا. فقولهم سديد، وفعلهم رشيد، وهم شهداء على الناس والرسول عليهم شهيد، وعلى آله الذين سبقوا إلى مصاحبته وسعدوا بمرافقته، [3] وشرفوا بمتابعته فى هجرته، وكرموا بإيوائه ونصرته، فهم معالم الهدى، ومصابيح الدجى [1] ، كدرارى النجوم تهدى الساري بنورها، وتقى الغاوي من فتنة الدنيا وغرورها.

والدعاء لخليفته الإمام المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين صاحب العصر المؤيد بالنصر المختار من شجرة طيبة للشرف [2] والعلاء، «أصلها ثابت وفرعها في السماء» 14: 24 [3] شربت من ماء النبوة الطاهرة عيدانها، وتفرعت بالخلافة الظاهرة أفنانها. كما قال جده العباس لبعض أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين: كان رسول الله دوحة نحن أغصانها وأنتم جيرانها، وهو المنصب العظيم، من المحتد الصميم، والبيت الكريم، الذي أول درجاته النبوة والكرامة، وثانيهما [4] الخلافة والإمامة. ولا ثالث لها بعد ذلك إلى القيامة.

توارثها إمام عن امام. وقام بها أمير المؤمنين المقتدى بأمر الله خير قيام.

إن الذي رفع السماء بنى لهم ... بيتا دعائمه أعز وأطول [5]

شد الله عضده بذخر الدين، وولى عهده فى المسلمين، وباخوته الغر الميامين، وجعلها كلمة باقية فى عقبه إلى يوم الدين، [4] وأيد دولته بجلالها الذاب عن حماها، المناضل عن علاها، جمال الملة مغيث الأمة معز الدنيا والدين يمين أمير المؤمنين الملك العادل المحبب إلى القلوب، والركن الشديد المعد لدفع الخطوب، ودبر ملكه بنظامه المبارك فى أيامه، قوام الدين رضى

صفحہ 8

أمير المؤمنين الوزير الظهير، الموفق بحسن التدبير.

وبعد أداء الفروض المقدمة الواجبة، والسنن المؤكدة الراتبة، وقضاء حقوقها المستثبتة الأزلية وسلوك طرقها المستقيمة اللاحبة، فإن أولى ما صنفه المفيد، وعنى بقراءته المستفيد، جمع أخبار الأمم الخالية، وحفظ تواريخ الأزمان الماضية، لأنها أوفى المصنفات فائدة وأكثرها عائدة، وأحسنها أثرا، وأطيبها ثمرا، إذ كان أنفع العلوم ما أدت مقاصده إلى التوحيد، ووقفت موارده على تثبيت قدرة الخالق فى نفوس العبيد، وفى تدبير اختلاف الليل والنهار، وتأمل مجاري الأقدار وتقلب الأدوار، فى توالى الأمم وتعاقبها، وتداول الدول وتناوبها. قال الله تعالى: وتلك الأيام نداولها بين الناس 3: 140 [1] اكبر دليل على وحدانية من ينبتهم ثم يحصدهم [5] ويشقيهم ويسعدهم، وينشئهم ويبيدهم، ويعيدهم، ويحييهم ويميتهم «وهو على جمعهم إذا يشاء قدير» تبارك اسمه وجل ثناؤه، وعظمت قدرته وكثرت آلاؤه، مرجع الخلق والأمر إليه و «بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه» 23: 88 [2] له الحمد كله وبتوفيقه يتضح فى الرشاد سبيله، فلا عبادة إذا أرقى من التوحيد فموقعه من العبادات موقع الرأس من الجسد به اعتداله وبقاؤه، ومحله من الاعتقادات محل الروح من الجسم بها حياته ونماؤه.

ولو لم يكن علم القصص عظيما لما من الله تعالى به على نبيه عليه السلام فقال: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين 12: 3 [3] وقال سبحانه:

صفحہ 9

طسم تلك آيات الكتاب المبين، نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون 28: 1- 3 [1] وقال تعالى: كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا 20: 99 [2] ولو لم يكن فى ذلك الا ما ينتفع به المعتبر من قلة الثقة بالدنيا الفانية، وكثرة الرغبة فى الآخرة الباقية، لكفى ما تنتجه هذه البصيرة من جميل الأفعال، وتحث عليه هذه النتيجة من صالح [6] الأعمال. فكيف وأولى ما يعتمده أولو الأمر وأصحاب الزمان، ومن بأيديهم مقاليد الملك والسلطان، وأوجب ما يتشاغل به من إليهم أزمة الأمور، وعليهم سياسة الجمهور، إدمان النظر فى كتب التاريخ وإحسان التتبع للأخبار، والآثار والتفكر فى حال من مضى من الأخيار والأشرار، ليعلموا ما بقي للمحسن من الصيت الحميد الذي صار له حياة مخلدة بالأجر [3] الذي اكتسبه، وللمسىء من الذكر القبيح الذي جعل صحيفته مسودة بالوزر الذي احتقبه، ويتصفحوا حال الحازم فى حزمه وعقله، والمضيع فى تفريطه وجهله، فيسلكوا من الطرائق أوضحها وأمثلها، ويتقبلوا من الخلائق أشرفها وأفضلها، ويردوا من المشارب أصفاها وأعذبها، ويرعوا من المراتع أمرأها وأخصبها، ويأخذوا من الأمور بأحزمها، ومن التجارب بأحكمها. فمهما يكن من حسنة اقتبسوا منها، ومهما يكن من سيئة ارتدعوا عنها. فالسعيد من انتفع بالأدب فيما دأب غيره فيه من التجارب، والرابح من حظى بالراحة فيما تعب به سواه من المطالب. لأن العقل غريزة فى الإنسان، والتجارب مكتسبة فى الزمان، والرأى [7] لقاح العقل والتجربة نتاجه، والخير مقصد الحجى والاجتهاد منهاجه، ومن أين للإنسان من العمر الطويل، ما يحصل فيه على تجربة الدقيق والجليل. وقيل: العمر قصير

صفحہ 10

والعلم كثير [1] فخذوا من كل شيء أحسنه.

فإذا تأمل المرء سيرة الماضين من الأقوام، جنى مع تقارب الشهور والأيام، ثمرة ما غرسوه على تطاول الدهور والأعوام، وعلم علل الأحوال وفوائدها، وحيل الرجال ومكايدها، وعرف مبادئ الأمور ومصائرها، وقاس عليها أشباهها ونظائرها، وعمل بأنفع ما حبى به من الفهم والعلم، وانتفع بأصوب ما عمل به فى الحرب والسلم، وأقدم على المواطن التي يرتجى فى أمثالها الظفر، وأحجم عن الأماكن التي يتوقى فى أشكالها الحذر، وتسلى بمن تدرع الجلد عند حدوث النوائب، وتأسى بمن توقع الفرج حين ظهور العجائب، وذكر مصير العاقبة إذا أرخت يد الغفلة عنان أشره، ونظر بالبصيرة الثاقبة إذ غطى غرور الدنيا على بصره.

فهذان القسمان يجمعان الدين والدنيا، ويبلغان بصاحبهما الدرجة العليا.

فأما ما فى ذلك من حسن المفاوضة والمذاكرة، وأنس المحادثة والمسامرة، فقد [8] خففت القول فيه لأنه يصغر فى جنب ما قدمت ذكره من القسمين العظيمين، والأمرين الجسيمين. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كل الصيد فى جوف الفرا [2] .

وإننى تأملت كتاب تجارب الأمم وعواقب الهمم، الذي صنفه أبو على أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، فوجدت فوائده غزيرة، ومنافعه كثيرة، وعلمه جما، وبحره خضما. فراقنى تأليفه، وأعجبنى تصنيفه. فرحم الله مصنفه وأجزل فى الآخرة أجره كما طيب فى الدنيا ذكره. فلقد اختار فأحسن الإختيار، ومخض فأتى بزبد الأخبار. وسلك سبيلا وسطا بين التطويل والاختصار. ثم لم يقنع بذلك حتى قرب مسالك الطرق البعيدة، وبرز من أثناء الإختيار ذكر الآراء السديدة، ونبه فيها على، مقامات حميدة، وبين

صفحہ 11

ما جرى فى كل وقت من خدعة ومكيدة. لئلا يبعد من يد المتناول قطف الثمرة اليانعة، ولا يطول على فكر المتأمل وجود الزبدة النافعة. وأحر به ذلك، فإن فضله وإن لم يدرك زمانه باقى النفع بادى الأثر، والروض ينبئ عن فضيلة الغيث وإن ولى أوان المطر. فدعاني وقوف همتى عليه إلى اقتفاء أثره، [9] وسلوك ما سنه فى ورده وصدره. وصلا للسلك الذي بدأ [1] بنظامه، ونيابة عنه فى تشييد ما بناه بعد انقضاء أيامه، وسنة لمن بعدنا يستمر الآتي منها على سيرة الغابر، ويتصل بحبل الأول فيها حبل الآخر، لا تعاطيا منا للمساجلة، ولا تماديا فى المماثلة، لا مجاراة فى المضمار، ولا مساواة فى الإختيار، ولا ما قاله زهير:

هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا

فهيهات كيف الطمع فى اللحاق، وقد شأى المتقدم فى السباق. لا سيما وطرف الفصاحة تحتي كاب، وحد البلاغة فى يدي ناب. فأين المصلى من المجلى. وأين الكهام من الحسام. وأين السنيح من المعلى، وأين العاطل من المحلى. أريها السها وتريني القمر ولكنى أقول ما قاله فى البيت الثاني:

أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا

هذا لعمري أقرب إلى الصواب، وأليق بهذا الباب. فأحسنت القياس وسلمت قصبة السباق وأعطيت القوس باريها، وأنشدت الضالة باغيها. [10]

صفحہ 12

فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... إذا لشفيت النفس قبل التندم

ولكن بكت قبلي فهيج لى البكا ... بكاها فكان الفضل للمتقدم [1]

ثم إن للتصنيف رجالا عنوا بأمره وعاموا فى بحره، وأنسوا بجمع شارده، وتفردوا بنظم فرائده. وصاروا بصدده، واستولوا على أمده. فهم لقسيه براة، وإلى غرضه رماة، وفى طرقه هداة. وقد ربيت فى غير هذا الوكر، وسقيت من غير هذا الدر، وتحليت بغير هذه الصناعة، فان قصرت عن بلوغ معانيه، فاحذوا العذر فى العجز وإن وقع سهمي دون مراميه، فأعذر فالنزع [2] فى القوس لين، فلمن سبقنا فضيلة الجمع والاستكثار. ولنا من يمدهم وسيلة الاختيار والاختصار، وكل مجتهد مصيب، وله من حسن الذكر نصيب.

فسلمت إلى من تقدمنا الفضل فى زمانهم لمحاسن تلك العلوم المشهورة.

ولو أنهم أدركوا زماننا لسلموا الفضل إلينا بمحاسن هذه الدولة المنصورة، دولة الإمام المقتدى بأمر الله، أمير المؤمنين ذى الكرم والفخار، والحلم والوقار، والأخلاق الطاهرة، والأفعال الباهرة، والكرامات العجيبة فى المنشأ والمولد، والدلالات الصحيحة فى المغيب والمشهد. به أنقذ الله الرجاء من أسر اليأس [11] وألقى عليه محبة قلوب من الناس، بعد أن فجعوا بذخيرة الدين، وليس للقائم رضوان الله عليهما، عقيب سواه، ولا للبيت أحد يصلح للعهد فيولاه، فتقطعت النفوس حسرات، وترجعت الأنفاس زفرات. وبكت الملة واستولت الوحشة والغمة، فأتى الحمل الميمون به لتمام، وبدا وجهه المنير فجلا كل ظلام، وسارت البشرى بذكره فى سائر الآفاق، وزهت أعواد المنابر باسمه حتى كادت تعود للإيراق. ثم كلاه فى الفتنة الحادثة أحسن

صفحہ 13

كلاءة بين أعاديه، وألحفه جناحا من الحياطة ستره بين قوادمه وخوافيه.

فكانت قصته كقصة موسى عليه السلام، حين القى صغيرا فى اليم، ونجى [1] كبيرا من الغم. وأعاد القائم بأمر الله رضوان الله عليه إلى مقر سلطانه، وفسح فى مدته وبارك فى زمانه لإتمام عهده وانجاز وعده حتى يسلم الأمر منه على حين السن المستحقة لتسلم أسبابه وتقمص جلبابه. فكان ذخيرة الدين خلفا لنجله، وكان القائم بأمر الله عاد فى تلك النوبة لأجله، فاستحق بنفسه وارثه شرف الخلافة العظيمة، وحوى فى شرخ الشبيبة جميع محاسن الأخلاق الكريمة، وارتقى من المجد ما لا تبلغ الأوهام ذروته، [12] واجتنى من الحلم ما لا تحل الأيام حبوته، وساس الأمور بهمة علية، وسيرة رضية، وخلافة جاءت كالنصر من السماء، ولم يكن مثل ذلك لا مثاله من الخلفاء، وكأنما عناه أبو العتاهية بقوله:

أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها

ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها

فما خلا متقلد للخلافة فى عصر ممن ينازع فى ردائها ويجاذب على عنانها، ويترشح لمحلها ويتطاول لمكانها، إلى أن يستقر الرأى فى قراره، ويجتمع الأمر من أقطاره، الا امام عصرنا المقتدى بأمر الله أمير المؤمنين، فانه تفرد فى عصره بهذا الاستحقاق، واجتمعت الكلمة عليه لوقتها بالاصطلاح والاتفاق. فلم يخطر منازعته بخلد ولا بال، ولو كان الزمان ذا

صفحہ 14

لسان لقال: «هذا صاحبي بلا مراء ولا جدال» ، لا جرم أن سعادته مخصوصة بأوفى كمال، محروسة بإذن الله تعالى عن نقصان وزوال، ودولته محوطة بأكرم ظهير وموال.

وأنى يكون للدول الأولى مثل جلال الدولة بن عضد الدولة الهمام ابن الهمام الملك [13] عضد الدولة المعظم من الأخوال والأعمام، الحامى حوزة الإسلام، الملبي لدعوة الإمام، الذي كرم طرفاه، وعظم شرفاه، ودانت لصولته الأمم، وانكشفت بدولته الظلم، وجرت بنصرته الأقدار، وانفتحت على يديه الفتوح الكبار، أطول الملوك باعا، وأحسنهم فى الدين ذبا ودفاعا.

فهو تاج على جبين الأيام الزاهرة المفتدية [1] . يزيد فى أنوارها، وركن الدولة القاهرة العباسية يدفع عن أقطارها. زاد على أنو شروان بفضله وبمعدلته، وأوفى على بهرام ببأسه ونجدته، وفضل أردشير بتدبيره وسياسته، وساوى الإسكندر بملكه وبسطته. فالشرق والغرب [2] مذعنان لطاعته، والبدو والحاضر منقادان لتباعته كل ذلك ببركات مخالصته لإمامه. وحسن نيته فى محبة أيامه.

وأين كان لتدبير الأقاليم وزم أمورها، وحفظ الممالك وسد [3] ثغورها مثل نظام الملك قوام الدين الذي أعد للخطوب أقرانها، حين عجم بالتجربة عيدانها، وجمع رياسة السيف والقلم، لما كفل بسياسة العرب والعجم، بنقيبة فى الدولة ميمونة، وسريرة فى النصيحة مأمونة، وحزم لا يشان بهفوة، وعزم لا يخان بنبوة، وخلق لا تجد فيه عنفا، ورأى لا [14] ترى فيه ضعفا، وهيبة مع طلعة بشر، وتواضع مع رفعة قدر. فإذا قيل له اتق الله سمع وأطاع، وإذا

صفحہ 15

خوف بالله خاف وارتاع. فأفعاله أفعال العباد، وأخلاقه أخلاق الزهاد، مع انقياد الدنيا له فى الإصدار والإيراد، ونفاذ أمره على الرعايا والأجناد، وجمعه فى منهل العدل بين الظباء والآساد.

فأى دولة تباهي هذه الدولة القاهرة فى مناقبها ومآثرها، وأى أيام تضاهى هذه الأيام الزاهرة فى محاسنها ومفاخرها، وأى قول ينتهى الى حد وصفها وان امتد وطال، وأى بليغ يبلغ أمد فضلها وإن أسهب وقال.

فأعود الآن الى ذكر ما أنا قاصده من الاختيار، متبرئا من عهدة ما أورده من الأخبار، لأنى أتبع فى كتاب التاريخ مسطورها، فأختار بحسب المعرفة عقودها وميسورها. وما عساه يندر من خبر شاذ تلقف من أفواه الرجال، وخلا التاريخ من ذكره إما بخفاء أو نسيان أو إغفال. فإنه يثبت فى بواطنه، وينظم مع قرائنه. وإذا انتهيت، إنشاء الله سبحانه، إلى أخبار زماننا اتسع المجال، وأمكن المقال، وعمدت حينئذ إلى ما شاهدناه وخبرناه فأخبرت به على وجهه وذكرته مجتهدا فى التحرى وبحسب الإمكان الذي لا أقدر على سواه، [15] وبقدر الوسع الذي لا يكلف الله نفسا إلا إياه.

وأول ما أبدأ به الآن فى كتابي، هو آخر ما ختم أبو على مسكويه [1] رحمه الله، به كتابه فى سنة تسع وستين وثلاثمائة، والله تعالى ولى حسن التوفيق، والهادي فى جميع المقاصد إلى سواء الطريق، وبه أعوذ من الخطل، واعتصم من الزلل، وإياه أسأل خاتمة جميلة، بالمغفرة كفيلة. إنه غفور رحيم.

(انتهت المقدمة)

صفحہ 16