فأبو هريرة ﵁ كتم الأحاديث التي فيها الفتن، والأحاديث التي في بني أمية، ونحو ذلك من الأحاديث، ككتمه لأسماء الأُغَيْلمة السُّفهاء الذين يكون هلاك الأمة على أيديهم؛ فقد قال ﵁ سمحت الصادق المصدوق يقول: "هلكةُ أُمتي على يدَي غِلْمَةٍ من قريش" ... ثم قال أبو هريرة: "لو شئت أن أقول بني فلان، بني فلان لفعلت" (١). وفي رواية: "إن شئْت أن أُسَمِّيَهُمْ، وبني فلان، وبني فلان" (٢).
"فأبو هريرة ﵁ كتم الوعاء الآخر الذي حفظه من رسول الله ﷺ، ولم يبثه، بل حفظ لسانه وكفه من إشاعته؛ درءًا للمفسدة وخشية الفتنة، علمًا بأنه قال هذا الكلام في زمن معاوية ﵁، ومعاوية قد اجتمع الناس عليه بعد فرقة وقتال، معلوم في التاريخ ما حصل فيه، فأبو هريرة كتم الوعاء الآخر، ولم يبثه في ذلك الزمن، وكتم - أيضًا- بعض الأحاديث الأخرى التي ليست من الأحكام الشرعية؛ كل ذلك لأجل ألَّا تكون فتنة بين الناس، فهو ﵁ لم يقل: إن رواية الحديث وقوله حق، ولا يجوز كتمان العلم، لم يقل ذلك؛ لأن كتم العلم في مثل ذلك الوقت -وقت الفتن- الذي تكلم فيه أبو هريرة لا بُدَّ منه؛ جلبًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة، لكيلا يتفرق الناس شذَر مذَر بعد أن اجتمعوا في عام الجماعة على معاوية بن أبي سفيان ﵁. وصنيع أبي هريرة هذا يدل على حكمته وحصافته وفطنته ﵁؛ حيث حفظ لسانه زمن الفتنة بُغية اجتماع الأمة وعدم افتراقها" (٣).
(١) رواه البخاريّ (١٣/ ١١) رقم (٧٠٥٨)، ومسلم (٤/ ٢٢٣٦) رقم (٢٩١٧).
(٢) رواه البخاري (٦/ ٧٠٨) رقم (٣٦٠٥).
(٣) "موقف المسلم من الفتن" للحازمي ص (٤٢٨، ٤٢٩).
1 / 61
المقدمة
تحذير النبي ﷺ أمته من الفتن
الفتن واقعة لا محالة
الحذر من الشر باب من أبواب الخير
من طبائع الفتن
نور الفطنة ييدد ظلمات الفتنة
العلماء سفينة نوح
الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالس العلماء
والجاهلون لأهل العلم أعداء
ومن أسباب النجاة من الفتن: التثبت من الأخبار
مواجهة الفتنة بالعمل الصالح
الدعاء والتضرع في الفتن
التعوذ بالله تعالى من الفتن
حكم تمني الموت في الفتنة
ذكر أدلة السنة على جواز تمني الموت إذا خاف على دينه من الفتن