الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم
[الخطبة]
الحمد لله على كل حال، كما يستوعب مزايا الإفضال، ويستجلب خواص الإقبال، ويتسبب بالافتتاح به ختم كل أمر ذي بال، والشكر لمنشئ النعم المنزه عن المثال، على حسب ما يقتضيه شواهد النوال، والصلاة والسلام على من بيده مفتاح الجنان ومصباح الجنان (¬1)، وكشف طرق الحق بأوضح بيان، اللسن الذي بلسانه تلخيص خير الأديان، وببيانه إيضاح أفضل ملل الإنسان، محمد المبعوث من أشرف قبائل بني عدنان وعلى آله وأصحابه الذين كان الدنيا عندهم أخصر من كل مختصر، وكانوا ما كانوا فيها غرباء بل كالمحتضر، فوصلوا بالفصل عن لذاتها إلى عيشة أبدية أطيب، وفازوا بكمال الانقطاع عنها لكمال الاتصال (¬2) إلى حياة سرمدية أعذب، اللهم اجعل أوجز صلاة عليهم أطول من كل مطنب، واجعلهم في قلوب المؤمنين محبوبين لا يساوي حبهم حب كل أحب.
(وبعد) فيقول المفتقر إلى الله الغني، إبراهيم بن محمد بن عربشاه الإسفراييني، إن أفضل ما يتمسك به في تحصيل الكمال، وأمثل ما يتوسل به إلى نيل خير الآمال، وأعز ما يعتصم به للترقي إلى ذروة الجلال، قول على آل النبي خير آل: لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال، وكيف لا وهو قاطع ربقة التقليد، الذي ابتلى صاحبه بأضيق تقييد، وبعد عن الحق الصريح غاية التبعيد، ولولا التقليد لما حرم عن معرفة الحق واحد من الجاهلين، ولما سمع منهم ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، من شاء ربه أن يكون العالم المتقن، وفقه بفقه الحكمة ضالة المؤمن، وجعله ملتزما أن يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، ولا يفرق في مقام الانتفاع بين البحر والجدول والنهر، وعرفه أن الخطأ من لوازم البشر، وأنه لا يكون بغير الوحي في مقعد محض الصدق ومستقر.
صفحہ 133
ولا أظنك مرتابا في الصبح إن كنت بصيرا، عارفا بكريمه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، الحمد لله الذي هدانا لهذا في عنفوان أواني حتى ما رضيت بالتقليد أحدا، وما قنعت إلا بالتحقيق معتمدا؛ إلى أن جنيت من هذه الجنة ما جنيت، فلجمع كثير منه في شرح التلخيص هذا سعيت، وبأوضح تقرير وأملح تحرير أمليت، ولسالكي مناهج الحق بعين التحقيق أهديت، ولم أخف أن أشرح كتابا قد صرفت غاية همته في شرح كل باب فيه من الأبواب، جم غفير من فحول أصحاب العقول، وقوم عظيم من عظماء أرباب الألباب، سيما العالم الرباني، أستاذ الفضلاء العلامة التفتازاني (¬1)، والمحقق الحقاني، قدوة العلماء الشريف الجرجاني (¬2)، روح الله روحهما، ورزقنا غبوقهما وصبوحهما؛ كيف وقبض الصمد، لا يحيط به قبض أحد، وليس له حد، ولا يعرف له أمد؛ ولذلك ترى معي من بعدهم من مواهبه في هذا الكتاب ما يكاد يتحير فيه نواظر بصائر أرباب الذكاء؛ حيث زاد أي زيادة على ما امتلأ به أنهار المتأخرين وأجلة القدماء، فجاء بحمد الله تعالى عقدا مشتملا على فرائد اللآلى، لكل لفظ منه لفظ درر المعاني الغوالي، في أردان أذهان أذكياء الفضلاء الأعالي، وفي كل حرف منه للقلب العالي فرح في اصطياد أصناف المعالي، وكل نقطة منه لقطة نفيسة لأرباب الهمم العوالي، ظواهره مظاهر أزهار التحقيق، وبواطنه مواطن إثمار التدقيق، فلا غرو أن تجهد في اكتسابها بفكر عميق. يا ناظرا إلى قلة بضاعتي، وقصور باعتي؛ لا تكن مستبعدا لهذا النشو والنماء، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فنسأل (¬3) من الله أن يجعله معينا للطلبة في فهم دقائق كتابه، وظهيرا للأجلة في علم حقائق خطابه، وذخرا لهذا العاجز الذليل، يوم لا ينفع مال ولا بنون، وعملا مبرورا له أجر غير ممنون، إنه المنعم لكافة البرايا بعامة # العطايا، وخاصة الصفايا.
صفحہ 134
(قال) المصنف- رحمه الله: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله) الحمد: هو الثناء على الجميل الصادر بالاختيار على ما له الاشتهار، أو الصادر عن المختار، نعمة كانت أو غيرها، والشكر هو الإتيان بما يفيد التعظيم على النعمة، سواء كان ثناء أو غيره، فبينهما عموم من وجه؛ حيث يجتمعان في ثناء للنعمة، ويفارق الأول الثاني في ثناء على الفضيلة، ويفارقه الثاني فيما سوى الثناء مما يفعل بالأركان والجنان؛ لإفادة التعظيم للمنان. إذا تمهد هذا فنقول: افتتح كتابه هذا بالبسملة التي الافتتاح بها أجل افتتاح باسم الله المتعال، ثم بالحمد البالغ أعلى درجات الكمال، من القول الدال على أنه تعالى مالك لجميع المحامد بالاستقلال، فحمد غيره كالعارية على نحو موجباته من الفضائل والأفضال، إذ الكل منه وإليه، وليس لغيره إلا مظهرية لما بين يديه؛ اقتداء بالكلام المجيد للعلام الحميد، وهربا عما جاء به السنة المشهورة لتاركهما من الوعيد، وأداء لحق شيء من النعم التي يذكرها هذا المختصر استبقاء للعتيد، واستيفاء للمزيد.
صفحہ 135
واختار قوله الحمد لله موافقا للمنزل على قوله: الشكر لله، برب الناس (¬1)؛ تحسينا للبيان ببديع الاقتباس، وتبيينا لاختصاصهما؛ إذ اختصاص الحمد لاختصاص موجبه يوجب اختصاص الشكر من غير الانعكاس، واختاره على المدح تنبيها على أنه تعالى هو الفاعل المختار على ما عليه أرباب الملل الأخيار، ولا يشكل الحمد على صفاته تعالى لأنها مستندة إلى المختار، وأن ليست بالاختيار، أو منزلة منزلة الاختياري؛ لاستقلال الذات فيها من غير مدخلية شيء من الأغيار، ونصب الكتابة علامة على افتتاحة باقية على مديد من صفحة الدهر الغير (¬2) المتناهي، إذ التيمن باسم الله، والافتتاح بحمده أجل منقبة بها الرجل يباهي، وبأجلة أئمة الدين واليقين يضاهي، ومع كون تلك الكتابة تلك العلامة على الحمد الحميد، شكر عظيم لا يخفى على شاكر رشيد؛ لأنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، وتمجيد الكريم الملهم، وجعلهما جزءا من # الكتاب، الذي هو العبارات المفيدة للمقاصد المكتوبة بين الدفتين، على ما هو المختار، أو هو نقوش الكتابة على احتمال ما، إتماما للاقتداء بالكلام، وإيماء للذكي الفهام، إن الحمد والبسملة أيضا كسائر ما بين الدفتين، في إيجاب الحمد، فيعجز كل ذي منة عن أداء محامده، بل شمة، ولا يريبك في ما ألفيت مما ألقيت عليك أنه مبني على جعل اللام في الحمد لام الاستغراق، وقد جعله العلامة الزمخشري (¬1) علامة تعريف الجنس ولا يوثق به؛ لأنه صرح بأن في هذا النظم دلالة على اختصاص الحمد به تعالى، فهو لا يتحاشى عن إفادة الاختصاص وإن يتحاش، فبناء على قاعدة الاعتزال من أن العباد هم الخالقون لأفعالهم؛ فالحمد على أفعالهم ليس حمدا له تعالى، ونحن- معاشر أهل السنة- ونخالفهم بناء على أن لا مؤثر إلا الله (¬2)، فالمحامد ترجع إليه ولا تتعلق في الحقيقة بما سواه، على أنه قيل: إنما جعل التعريف للجنس دون الاستغراق من موجبات القرائن كما سيتحقق في بحث التعريف للجنس دون الاستغراق؛ إما لبيان أن مدلول اللام هو الجنس، والاستغراق من موجبات القرائن كما سيتحقق في بحث التعريف، وإما لاختيار إثبات اختصاص الأفراد بجعل اختصاص الجنس كناية عنه لأنه أبلغ.
وما قدمناه لك من أن جملة الحمد قول دال على مالكيته تعالى بجميع المحامد، لا ينافي سلوك طريق الكناية وليس بالصريح في اختيار التصريح.
(والله) كالرحمن، مختص بواجب الوجود، لم يطلقا على غيره فيما بين المتدينين وغيرهم، إلا أن الله اسم هو قسم من العلم، والرحمن صفة، وقد اشتهر الذات في ضمن اسم الله بالاتصاف بجميع صفات الكمال، كالحاتم بالجود في ضمن هذا الاسم؛ فهو يدل على جميع الصفات على سبيل الإجمال؛ ففي ذكره للحمد (¬3) مزيد الإكمال؛ فلهذا اختير من بين الأسماء الحسنى المأثورة، فإن شيئا منها لا دلالة له عليه، والمتصف بجميع صفات الكمال، وما له من النظائر # والأمثال، كالكامل من كل وجه ليست من الأسماء المأثورة، على أنه لو قيل:
صفحہ 136
الحمد للخالق أو الرازق أو غير ذلك؛ لأوهم أن علية ثبوت جميع المحامد له هي الصفة المخصوصة. قال الشارح المحقق: (قال) الحمد لله تنبيها على الاستحقاق الذاتي، أي الاستحقاق الغير المختص بوصف دون وصف، ثم تعرض للإنعام بعد الدلالة على استحقاق الذات تنبيها على تحقق الاستحقاقين، وفيه نظر؛ لأن التنبيه على الاستحقاق الذاتي لا يحصل بتعليق الحمد باسم العلم؛ لأنه لا يدل على علية الوصف، ولو سلم فاستحقاق جميع المحامد أو اختصاص جنس الحمد به لا يكون باعتبار كل وصف، حتى لا يختص الاستحقاق بوصف دون وصف، بل ذلك الاستحقاق بالنظر إلى جميع الأوصاف، وإنما الاستحقاق الذاتي لثبوت جنس الحمد ، فإنه ثابت بالنظر إلى أي وصف كان. على أن تعليق الحمد بلفظ الله لو أفاد الاستحقاق الذاتي إنما يفيده لأن كل وصف له يوجب استحقاق الحمد، فيفيد الاستحقاق الوصفي أيضا، فلا يستدعي التنبيه عليه ذكر الوصف الخاص. وأيضا ليس تعليق الحمد بالذات كتعليقه بالإنعام على ما يدل عليه كلامه، فإن العلية المستفادة من التعليق باسم الذات هو علية الوصف لثبوت الحمد لله، والعلية المستفادة من التعليق بالإنعام علية الإنعام لإنشاء الحمد؛ إذ لو كان علة لثبوت الحمد له تعالى لكان المعنى أن جميع المحامد ثابتة لله تعالى لأجل الإنعام، ولا يخفى عدم صحته؛ وتحقيق ذلك أن العلل المذكورة بعد الإنشاءات وقد تكون علة للإنشاء، وقد تكون علة لما تعلق به الإنشاء، فعلى الأول إنشاء معلل، وعلى الثاني إنشاء معلل، وعلى الأول: قوله: على ما أنعم، من جملة المحمود به، وعلى الثاني: خارج عنه محمود عليه، وبهذا ظهر أنه لا تنافي بين جعل الإنعام علة للحمد وجعله غير مختص بوصف دون وصف، فنقول تعرض للإنعام لأن الداعي إلى الحمد تأليف هذا المختصر الذي هو من آثار الإنعام، وقدم الحمد لأنه مسند إليه في الحال، وعامل في قوله لله في الأصل؛ لأن أصله حمد الله، وهو من المصادر السادة مسد الأفعال، عدل إلى الرفع للدلالة على الدوام والثبات، فمرتبته التقدم حالا ومآلا وليكون اقتباسا على ما مر.
صفحہ 137
وأما تأخير الله في الكلام القديم؛ فليتصل بما ذكره بعده مما يتعلق به، قال الشارح: وقدم الحمد لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به، وإن كان ذكر الله أهم في نفسه، وأورد عليه أن الحمد مجموع قول القائل: الحمد لله، ولا اختصاص بالحمد لكلمة الحمد، بل جزأ الجملة متساوية النسبة إلى الحمد، ويمكن أن يدفع بأن للحمد اختصاصا غير الجزئية باعتبار صدق مفهومه على هذا الحد. (على ما أنعم) تعليل لإنشاء الحمد، و (على) تعليلية كما في قوله تعالى: ولتكبروا الله على ما هداكم (¬1) أي لما هداكم، و (ما) حرفية مصدرية لا اسمية موصولة، أو موصوفة إما لفظا فلاحتياج الاسمية إلى تقدير العائد في المعطوف بتكلف، أي:
وعلم به من البيان ما لم نعلم، فيكون من البيان بيان ما لم نعلم، ويكون ما علم به عبارة عما يتوقف عليه التعليم من الشعور وغيره، أو: وعلمه من البيان وقت عدم العلم بأن يكون ما لم نعلم مصدرا حينيا، لا للاحتياج في المعطوف هو عليه إلى التقدير كما ذكره الشارح المحقق؛ لأن احتياج أنعم إلى التقدير أو التنزيل منزلة اللازم لا يندفع بجعل ما مصدرية، وما ذكره الشارح أيضا في التقدير في المعطوف متعذر لكون (ما لم نعلم) مفعوله، وجعله بدلا من الضمير- تعسف؛ وكذا جعله خبر مبتدأ محذوف أو مفعول أعني فمذهول عما ذكرناه.
وإما معنى؛ فلأن الحمد على ما قام بالمنعم أمكن من الحمد على ما يتعلق به ما قام به من نفس النعم إما لأن دعوة النعمة إلى حمد المنعم لارتباطها به بواسطة الإنعام، بخلاف الإنعام، فإنه مرتبط به بنفسه، وإما لأنه أدخل في الإخلاص لأن النظر في النعمة على وصوله إلى العبد بخلاف الإنعام، فإن النظر فيه على إحضار كمال المحمود، ولتجريد النظر عن شوب الالتفات إلى ما يصل إليه، والمبالغة في قصر النظر على الكمال لم يتعرض للمنعم به.
ثم بعد الحمد على الإنعام أراد الحمد على ما هو مدار الحمد من البيان تنبيها على أن الحمد أيضا مما يوجب الحمد، لما يشتمل عليه من جلائل النعم؛ فلا يكون الخروج عن عهدته مقدورا، فعطف على أنعم ما اندرج تحته فقال:
صفحہ 138
(وعلم من البيان ما لم نعلم) بطريق عطف الخاص على العام؛ تنبيها على فضله # على ما عداه من الإنعام، وأراد بما لم نعلم: ما لم نعلم بوجه من الوجوه، وذلك التعليم لا يتأتى إلا من الله، فإن المعلم إنما يعلم بوجه ما ما نعلم بوجه آخر، فلا يكون ذكره تطويلا، وقيل: إن المراد ما لم نكن نعلم، أخذا من قوله تعالى:
وعلمك ما لم تكن تعلم (¬1) أي ما لم نف جوابا ما نعلم به ، ودفع التطويل لا يتم بمجرد إثبات فائدة رعاية السجع كما قيل، أو فائدة صنعة الطباق ورعاية تناسب الاشتقاق، لأن هذه محسنات بديعية، ولا بد لدفع التطويل مما يدخل في أصل البلاغة.
وقوله: (من البيان بيان لما لم نعلم) قدم عليه لرعاية السجع وفيه ترك رعاية جانب المعنى لرعاية جانب اللفظ إذ حق البيان أن يتأخر عن المبهم ليتمكن بالبيان في النفس فضل تمكن، ولا يرد أن رعاية السجع لا تقتضي تقديم البيان، إذ يمكن بأن يقال: وما لم نعلم من البيان علم؛ لأن فيه أيضا تأخير الفعل على خلاف الأصل، وإيهام أن ما لم نعلم هو المحمود عليه، ولا يخفى حسن البيان وما فيه من براعة الاستهلال، ثم أتى بالصلاة تكميلا للشكر؛ إذ ورد في الشرع من لم يشكر الناس لم يشكر الله، واقتفاء لما علمنا الله من جعل ذكره مقارنا لذكر نبيه في كلمة التوحيد، فقارن بين حمد الله وصلاة نبيه وإظهارا لحاجة النبي إليه، مع أنه أفضل المخلوقات، ومظهر خوارق العادات، صيانة عن وقوع هذه الأمة فيما وقع فيه النصارى، فقال: (والصلاة) وهي من الله الرحمة، وكلمة (على) متعلقة بالنزول؛ أي الرحمة نازلة.
(على سيدنا) أي سيد خير الأمم أو البشر أو المخلوقات، وعلى كل تقدير يفيد سيادته المبالغة في الحامدية، وهو أحمد لجميع المخلوقات (محمد) أي من حمد كثيرا، اشتق له من الحمد اسمان: أحدهما يفيد المبالغة في المحمودية والآخر المبالغة في الحامدية، وهو أحمد، واشتهر من بين الاسمين الأول أكثر اشتهار، وخص به كلمة التوحيد لأنه أنسب بما له من مقام المحبوبية، ووصفه بقوله:
صفحہ 139
(خير من نطق بالصواب) على المذهب الراجح من تفضيل خواص البشر على خواص الملك، والمراد بالصواب ضد الخطأ فإما أن يراد به الصواب في التكلم # وعدم الخطأ فيه فصاحة وبلاغة وهو أنسب بالمقام، وإما أن يراد به مطابقة النطق، وبراءته عن الكذب، وفيه مسألة عصمة النبي عن الكذب، واختار الوصف به؛ لأنه مما وصف الله به الملائكة المقربين؛ حيث قال: وقال صوابا (¬1) ثم فضله ثانيا على الأنبياء صريحا بقوله: (وأفضل من أوتي الحكمة وفصل الخطاب) يحتمل العطف على (أوتي الحكمة) فيكون جملة فعلية، كما يحتمل العطف على الحكمة عطف مفرد على مفرد، وهو الحكمة، ولم يتحاش من حديث «لا تفضلوني على موسى» (¬2) ومن حديث «لا تفضلوني على يونس بن متى» (¬3)؛ لأن المذهب أنه أفضل الأنبياء، وكل نهي ورد في الأحاديث عن تفضيله مؤول تكلف يطلب تأويله في شروح كتب الحديث، واختار الإبقاء على من له الحكمة ومن جاء بالحكمة تنبيها على أنه من عند الله لا من عند نفسه، وترك الفاعل لأنه متعين.
(والحكمة): العدل والعلم والنبوة على ما في القاموس، وفسرها الكشاف بعلم الشرائع (وفصل الخطاب) بمعنى الخطاب الفاصل بين ما قصد به وغيره بكمال وضوحه فيما قصد به، أو الخطاب المفصول المتميز عن غيره لذلك، أو الخطاب الفاصل بين الحق والباطل، والخطاب المفصول المتميز عن غيره بحيث لا يشتبه بكلام البشر لإعجازه، فيكون إشارة إلى المعجزة الباقية بعد الإشارة إلى النبوة في وجه، جمعا بين المدلول والدليل في وجه، وبين العلم وحسن التعليم والتبليغ في وجه.
(وعلى) أعاد كلمة (على) ردا على الشيعة أن جمع الآل مع الرسول في الصلاة بكلمة (على) لا يجوز، ويجب ترك الفصل بينه وبين آله.
صفحہ 140
(آله) أصله: أهل بدليل أهيل، خص استعماله في الأشراف، ومن له خطر، بمعنى أنه لا يستعمل إلا في من هو أهل الأشراف، بحسب الدين أو الدنيا. قال صاحب الكشاف: ينافي تصغيره اختصاصه بالأشراف، وكأنه يريد # أنه بعد الاختصاص لم يصغر لمنافاته بحسب الوضع للتحقير، وما روي عن الكسائي (¬1) أنه سمع أعرابيا يقول أهل وأهيل وآل وأويل كان قبل التخصيص، فأهيل ليس تصغيرا إلا للأهل؛ لا للآل فما اعترض به من أن الشرف بحسب ما أضيف إليه لا ينافي التحقير بحسب نفسه، وأن التصغير يكون للتعظيم، وما يمكن أن يورد من أن التصغير المنقول لا يصح أن يكون قبل التخصيص مندفع؛ لأنه تنبيه على عدم تصغير الآل بعد التخصيص، وبيان سره على أن التصغير يكون لتحقير الشيء في مفهومه ما صغر به، فالرجيل تحقير في الرجولية، فتصغير الآل يكون لتحقيره في الألية، فلا يناسب في لفظ يقصد به شرف الألية، ويجيء الآل بمعنى الأتباع، فلو حمل على أهل بيت النبي فالصلاة عليه وعلى الأصحاب لأداء حقوقهم علينا؛ لأنهم وسائط بيننا وبين الرسول، كما أن الرسول واسطة بيننا وبين الله تعالى، ولو أريد به الاتباع يكون اقتداء به عليه السلام في الدعاء للأمة فإن أمر أمته كان جل همته، ويكون ذكر الأصحاب المشتمل على أهل البيت تخصيصا بعد التعميم لشرفهم.
(الأطهار) نفى الجوهري كون الأفعال جمع فاعل، فلذا قال: المثل المشهور من قولهم أحياءها أبناءها أي جماعة جنوا على الدار يهدمها هم الذين بنوها- أظنه تحريف جناتها بناتها (¬2)، فلذا قيل: جمع طهر مصدرا مستعملا في الطاهر مبالغة، لكن يتجه عليه أنه ينافي ما في الكشاف أن الحرض في قوله تعالى:
حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (¬3) يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لكونه مصدرا، وفي القاموس: طهر كنصر وكرم فهو طاهر وطهر وطهير والجمع أطهار.
(وصاحبته) هو في الأصل مصدر كالصحابة بالكسر يستعملان في الرفقاء، والمراد أصحاب الرسول، وهم الذين طالت صحبتهم مع النبي مسلمين، وقيل:
شرط الرواية، وقيل: هم مسلمون رأوا النبي صلى الله عليه وسلم.
صفحہ 141
(الأخيار) في القاموس جمع خير مخففا أو مشددا، على وزن سيد بمعنى كثير الخير، أو جمع خير مشددا بمعنى كثير الخير في الدين والصلاح، والمخفف في الجمال وأثر الحسن، وكأنه بهذا الاعتبار، قال الشارح: جمع خير بالتشديد فإن المناسب هو المدح بالدين والصلاح لا بالحسن والجمال، وليس جمع خير اسم تفضيل، وإن كان يلائم وصف الأصحاب به ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (¬1)؛ لأن خيرا لا يتغير في التأنيث والجمع والتثنية على ما في الصحاح، وقال في القاموس: إذا أردت التفضيل تقول فلان خير الناس وفلانة خير الناس.
(أما) لتفصيل مجمل سابق، مع التأكيد لمضمون الجزاء، وقد يستعمل لمجرد التأكيد، كذا في الرضى، فهي هنا للتأكيد، وتصحيح التفصيل هنا بتمحلات في التقدير خال عن التحصيل (بعد) أي بعد الحمد والصلاة، هذا هو المشهور في هذا المقام، ونظائره، والحق بعد البسملة والحمد والصلاة، والمقصود منه تذكير ابتداء تأليفه بهذه الأمور المتبركة ليكون مع التبرك والتيمن آن الشروع غير ذاهل عنها، فيزيد في التيمن والتبرك والفصل لأن ما سبق إنشاءات وما سيأتي إخبارات وتحقيق كلمة أما وبعد أغناك عنه قطع مسالك معرفتهما وإعراب علم آخر عنه، فلا يناسب قصد نحوهما هنا.
(فلما كان) لما: لوقوع أمر لوقوع غيره، بحيث يكون وقوع الثاني مع الأول معية المسبب مع السبب المقتضي؛ فيلزم من ذلك اتحاد زمانهما، وهل الزمان مدلوله، فيكون اسما كمتى؟ ذهب إليه ابن السراج وأبو علي، وابن جني (¬2)، وجماعة، ورده ابن خروف لصحة «لما أسلم دخل الجنة» وأجيب بأنه مبني على المبالغة، وكلام سيبويه محتمل حيث قال: لما: لوقوع أمر لوقوع غيره، وإنما يكون مثل (لو) فإنه يحتمل القصد إلى أنه مثل لو في المضي أو في عدم العمل، والقصد إلى أنه حرف، وهذا مسلك يصعب فيه القطع، وإن جزم الشارح بكونه # اسما وجعل كونه حرفا وهما، وبالجملة يليه ماض محقق أو مقدر لفظا ومعنى.
صفحہ 142