Art and Its Schools in Arabic Poetry
الفن ومذاهبه في الشعر العربي
ناشر
دار المعارف بمصر
ایڈیشن
الثانية عشرة
•
علاقے
مصر
المقدمة
مقدمة الطبعة الرابعة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الرابعة:
لقيتْ هذه الدراسة من تشجيع الباحثين المشكور ما دفعني إلى أن أنميها في طبعتها الثانية بما أضفتُ إليها من مواد جديدة، وهي مواد لا تغير شيئًا في النظرية التي قامت عليها، وهي أن شعرنا العربي تطور مع الزمن في مذاهب ثلاثة: مذاهب الصَّنعة والتصنيع والتصنُّع. بل هي تدعمها وتوثق مقدماتها ونتائجها.
وبنفس هذه الغاية رجعتُ أنظر في فصول الكتاب حين أخذت في إعداده للطبع مرة رابعة أريد أن أستوفي معانيه وحقائق مذاهبه بقدر ما أستطيع، وأنا في أثناء ذلك تارة أنقِّح ما سبق أن كتبت، وتارة أضيف زيادات جديدة، كما أضيف بعض الأمثلة والشواهد لغرض تمام التوضيح وكمال البيان.
ورأيت أن أعيد كتابة الفصل الثالث من الكتاب الأول الخاص بالصنعة والتصنيع وتقابلهما في القرنين الثاني والثالث للهجرة، حتي أبسط الحديث في العلاقات الجديدة المادية والمعنوية التي أثرت تأثيرًا واسعًا في الشعر العباسي وهي كثيرة: منها ما يتصل بالسياسة والدعوة العباسية، ومنها ما يتصل بالجنس ونزعاته. ومنها ما يتصل بالحضارة والتراث الثقافي الأجنبي الذي انتقل إلى العربية، ومنها ما يتصل باللغة وما جَدَّ فيها من أسلوب المولدين، وهو أسلوب مبسط شفاف ليس فيه إغراب ولا ابتذال، أسلوب يقوم على الألفاظ الواسطة التي لا تهبط إلى لغة الدهماء والعامة ولا ترتفع إلى لغة الإعراب الحوشيَّة، مع الجزالة والرصانة حينًا. وحينًا مع العذوبة والرشاقة والحلاوة. وهو أسلوب ينهض نهوضًا رائعًا بكل ما أتيح للعقل العباسي من ذخائر الفكر ولطائف الذهن
1 / 5
وبدائع الخيال والتصوير، مع تمثيل المجتمع بكل ما كان يخوض فيه.
ومن أهم ما يميز هذا الأسلوب أنه لا تنقطع فيه الصلة بين القديم والجديد، فهو يحتفظ بخير ما في القديم من ألفاظ، وكل ما يدخله عليها إنما هو التهذيب والتصفية والترويق، وأيضًا فإنه يحتفظ بخير ما في القديم من معانٍ وصور، وهو يشفع ذلك بدقائق الفكر العباسي الجديد واستنباطاته الخفية ومحاسن خياله الحديث وتصويراته المونقة البارعة.
وبذلك تطور الشعر في العصر العباسي تطورًا مثمرًا، تتوثق فيه العلل والأسباب بين القديم والجديد توثقًا نحسُّ فيه ضربًا من المحافظة المنتجة الحية، كما نحس فيه ضربًا من التحول مع العصر وكل ما يداخله من ألوان الحضارة والترف وآثار الثقافة والفكر العميق. وقد يتغلب عنصر التحول على عنصر المحافظة عند بعض الشعراء، وقد يشوبون ذلك بضرب من الثورة على القدماء؛ غير أن هذا لا يخرج بالشعر العباسي -حتي عند هؤلاء الثائرين- على أصوله التقليدية؛ فالقديم يزاوج فيه الجديد مزاوجة تتيح له الخلوص من العقم والجمود، كما تتيح له التطور الحي في التعبير والتفكير والتصوير.
وقد حاولت في هذه الطبعة أن أوضح هذا التطور للشعر العباسي، ودرست أعلامه الأولين الذين مهدوه وثبتوه، وهم بشار وأبو نواس وأبو العتاهية ومسلم بن الوليد؛ حتي يستبين ازدهار مذهب الصنعة على أيديهم وما نشأ من مذهب التصنيع الجديد، ومن أجل ذلك كله أعدت كتابة فصل الصنعة والتصنيع، وكل ما زدته أو أضفته إنما هو في سبيل استكمال معاني هذه الدراسة الأدبية ومذاهبها الفنية. والله الهادي إلى سواء السبيل.
القاهرة في ١٥ مارس سنة ١٩٦٠ شوقي ضيف.
1 / 6
مقدمة الطبعة الأولى:
حاولت في هذا الكتاب أن أضع للشعر العربي مذاهب فنية تفسر تطوره في عصوره وأقاليمه المختلفة، وقد صادفني مشكلتان أساسيتان، وهما: كيف أرتب هذا الركام الهائل من الشعر والشعراء الذي يمتد من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث؟ ثم أي المصطلحات أتخذها للدلالة على مذاهب الشعراء ومناهجهم الفنية؟ ورأيت أن أنحاز عن هذا الخليط المضطرب من الألفاظ الغربية التي نقلها بعض نقادنا المحدثين من مثل "كلاسيك" و"رومانتيك" ونحوهما؛ فإن من الصعب أن نحمل أدبنا على مذاهب الأدب الغربي، وهو لا يمت إليه بوشائج تاريخية ولا فنية، وذهبت أبحث في الشعر العربي وموجاته المتعاقبة؛ فلم أجد فيه تجديدًا واسعًا، بل رأيته يستمر في أغلب جوانبه بصورة واحدة؛ فدائمًا مديح وهجاء وفخر ووصف وغزل. وجعلني ذلك ألتفت إلى حقيقة مهمة، وهي أن التطور في شعرنا العربي إنما كان في الصناعة نفسها، أي في الفن الخالص وما يرتبط به من مصطلحات وتقاليد. حينئذ رأيت أن أضع له مذاهب على أساس صناعته والفن فيه.
ونظرت في النقد العربي القديم، فإذا النقاد يقسمون الشعراء قسمين كبيرين: قسمًا سموه أصحاب الطبع، وقسمًا سموه أصحاب الصنعة. أما الأولون فهم الذين يسيرون وفق عمود الشعر الموروث، فلا ينمقون ولا يتأنقون ولا يتكلفون ولا يُغْربون. وأما الأخيرون فهم الذين كانوا ينحرفون عن هذا العمود إلى التنميق والتأنق، أو إلى الإغراب والتكلف. ورأيت أن هذا التقسيم لا يقوم على أساس صحيح، وما الطبع والمطبوعون في الشعر والفن؟ إن كل شعر متأثر بجهد حاضر وموروث أكثر من تأثره بما يسميه نقادنا باسم الطبع.
1 / 7
وهل هناك شعر لا يعمد فيه صاحبه إلى بعض تقاليد في أساليبه وموضوعاته ومعانيه؟ إن من يرجع إلى العصر الجاهلي يجد الشعر خاضعًا لتقاليد ورسوم كثيرة يتوارثها الشعراء؛ سواء في ألفاظه ومعانيه، أم في أوزانه وقوافيه، بحيث لا يستطيع مطلقًا أن يذعن لفكرة الطبع وما يُطوى فيها من أن الشعر فطرة وإلهام؛ فقد كان الجاهليون يصنعون شعرهم صناعة ويعملونه عملًا، وهم في أثناء هذه الصناعة والعمل يخضعون لمصطلحات ورسوم كثيرة.
ونحن لا ننكر أن الشعر في الأصل موهبة؛ غير أن هذه الموهبة لا تلبث أن تتحول عند صاحبها إلى ممارسة ودراسة طويلة لتقاليد ومصطلحات موروثة في تاريخ الفن، وهو يتقيد بهذه التقاليد والمصطلحات فيما يصنعه ويعمله تقيدًا شديدًا. وكان العرب القدماء أنفسهم يسمون شعرهم صناعة، ويصفونه بأوصاف الصناعات، وكذلك كان الشأن عند اليونان وعند الأمم الحديثة جميعًا؛ ومن أجل ذلك كان النقاد في الأمم الغربية يقرنون الشعر إلى النحت والتصوير والرقص والموسيقى؛ فمثله مثل هذه الأعمال الفنية يقوم على جهد وكدح. وهذا كله دفعني إلى أن أرفض فكرة تقسيم الشعراء إلى أصحاب طبع وأصحاب صنعة، حتى في العصر الجاهلي، إذ كان الشعراء جميعًا أصحاب صنعة وجهد وتكلف؛ فقد حدثنا الرواة أن منهم من كان ينظم القصيدة في حول كامل. وليس من شك في أن من يتابع الشاعر الجاهلي يحس إحساسًا واضحًا بأنه كان يقبل على صناعته إقبال الصانع على حرفته؛ فهو يوفر فيها رسومًا وتقاليد كثيرة، وهذا نفسه هو الذي جعلني أتخذ كلمة الصنعة التي استخدمها النقاد القدماء للدلالة على أول مذهب يقابلنا في الشعر العربي، واتخذت زهيرًا رمزًا لهذا المذهب، ووصفت فنه في شعره ووضحت ما يرتبط به في صناعته من قواعد وتقاليد. واستمرت صورة هذا المذهب عند زهير مسيطرة مع ضعف بهذه الصورة من الفن والصناعة الشعرَ الغنائِيَّ الخالص الذي كان يصحب بالعزف والضرب على الأدوات الموسيقية من العصر الجاهلي إلى العصر
1 / 8
العباسي، فإن أصحابه لا يخرون به -عادة- إلى زخرف وتنميق.
ولما انتقلت إلى العصر العباسي وجدت صناعة الشعر التقليدي شعر المديح والهجاء ترقى وتتحضر؛ فقد دارت عجلة الزمن، وانتقل صانع الشعر من البادية إلى المدينة، ودخلت في الشعر العربي في أثناء ذلك عناصر جديدة من الحضارة والجنس والثقافة، وكان المذهب القديم مذهب زهير أو مذهب الصنعة والصانعين قائمًا؛ بينما ظهر بجانبه مذهب جديد كان يعتمد على الزخرف والزينة؛ فالشعر -في رأي أصحابه- حَلْيٌ وترصيع وبديع. ومَثَّلَ هذا المذهب الجيد في القرنين الثالث والثالث مسلم بن الوليد، ثم أبو تمام وابن المعتز؛ بينما مَثَّلَ المذهب القديم بشار وأبو نواس ثم البحتري وابن الرومي. ولما خرجت إلى القرن الرابع رأيت مذهبًا جديدًا يعم فن الشعر وصناعته، وهو مذهب كان يقوم على إعادة الصور المطروقة والمعاني الموروثة بأساليب من اللف والدوران وإتيان المعنى من بعيد، ثم يحاول الشاعر بعد ذلك أن يضيف تعقيدًا إلى أساليب الزخرفة والتنميق السابقة أو يضيف تعبيرات وتراكيب شاذة من نحو غريب، أو تشيع، أو تصوف، أو تفلسف، وما لبث أبو العلاء أن أوفى بهذا المذهب إلى غايته من التعقيد الشديد في لغته وأوزانه وما كان يتصنع له من لوازم مختلفة عرضنا لها في موضعها من هذا الكتاب.
تردَّدتُ ماذا أسمي هذين المذهبين العباسيين بالقياس إلى مذهب الصنعة القديم؟ وأخيرًا رأيت أن أسميهما على التعاقب باسم مذهبي التَّصنيع والتصنُّع. والتصنيع في اللغة الزخرف والتنميق. أما التصنع فهو التطرف في التكلف وما ينطوي في ذلك من تعمّل وتعقيد، وكان قد بدا لي أن أسمي هذه المذاهب على الترتيب بأسماء الصنعة والزخرف والتعقيد؛ ولكني آثرت التسمية الأولى لأن تشابك الألفاظ فيها يدل على حقيقة دقيقة، وهي أن المذاهب الفنية في صناعة الشعر العربي لا يفترق بعضها عن بعض مفارق واسعة في المعاني والموضوعات والأوزان والقوافي؛ إنما تستقر مفارقها في الصياغة والأسلوب.
هذه هي المراحل التي مر بها الفن أو مرت بها الصناعة في شعرنا العربي.
1 / 9
فقد بدأ بمذهب الصنعة، ثم انتقل إلى مذهب التصنيع، ثم انتهى أخيرًا إلى مذهب التصنع. وجَمد الشعراء عند هذه المذاهب ولم يتجاوزوها إلى مذهب جديد. وكأنما جفَّت منابع القوة الدافعة التي كانت تُحدث المذاهب في الشعر والفن. وبحثت هذه المذاهب في الأندلس ومصر؛ فإذا شخصية مصر أتم وضوحًا في تاريخ الشعر العربي من شخصية الأندلس على نحو ما سيراه القارئ في فصلها الخاص.
وأنا لا أنكر أنه صادفني جوانبُ ماكرة خلال تأليف هذا الكتاب لاتساع الموضوع وتشعبه؛ فقد حاولت أن أرسم صورة واضحة لمذاهب الشعر العربي من أقدم عصوره إلى العصر الحديث، واضطرني ذلك إلى استخدام طائفة من المصطلحات اتخذتها لتؤدي وصف هذه المذاهب، وهي موضوعة في ثنايا الكتاب بين أقواس صغيرة.
وهذه الدراسة المستفيضة لفن الشعر وصناعته عند العرب، ولما مر به من أطوار وأحداث في عصوره وأقاليمه المختلفة جعلتني أتصل بمراجع كثيرة من دواوين الشعراء وما كتبه نقاد العرب عن فن الشعر عندهم وصناعته، وكذلك رجعت إلى كل ما وجدته يتصل بالشعر والشعراء من كتب أدب عامة أو كتب تاريخية وجغرافية، ورجعت أيضًا إلى طائفة من كتب المستشرقين وكتب النقد الأدبي الحديثة عند الغربيين. وإني لأعترف بأن كتبنا القديمة غنية غنى وافرًا بالنصوص التي تفسر ظروف الحياة الفنية تفسيرًا وافيًا. وأنا لا أزعم أني كشفت عن جميع جوانب الفن والصناعة في مذاهب الشعر العربي ومناهجه؛ وإنما حاولت ذلك ودللت عليه، غير منكر ما قد يكون في هذا البحث الجديد من إثارة إبهام أو غموض. وعلى الله قصد السبيل.
القاهرة في ١٧ من أبريل سنة ١٩٤٣ شوقي ضيف
1 / 10
الكتاب الأول: الصنعة والتصنيع
الفصل الأول: الصنعة في الشعر القديم
الشعر صناعة
...
الكتاب الأول: الصنعة والتصنيع
الفصل الأول: الصنعة في الشعر القديم
الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه
الحطيئة
١- الشعر صناعة:
الشعر ليس عملًا سهلًا ساذجًا كما يعتقد كثير من الناس؛ بل هو عمل معقد غاية التعقيد، هو صناعة تجتمع لها في كل لغة طائفة من المصطلحات والتقاليد، ما يزال النقاد منذ أرسططاليس يحاولون أن يصفوها بما يقيمون عليها من مراصد ومقاييس، وقد يكون من الغريب أن نجعل الشعر صناعة، ولكنه الواقع، فكلمة شاعر عند اليونان القدماء معناها صانع١؛ ولذلك كنا نراهم يقرنون في أبحاثهم الشعر إلى الصناعات والفنون الجميلة من نحت وتصوير ورقص وموسيقى.
وكلمة شاعر عندنا في اللغة العربية تقترب من معناها في اليونانية، فالشاعر معناها العالم والشعر معناه العلم٢، والعلم -كما هو معروف- يدخل في باب الصنائع. وتناثر في أشعار العرب القدماء؛ ما يدل على أنهم كانوا يحسنون بأن الشعر ضرب من الصناعات؛ فقد جعلوه كبرود العَصْب٣ وكالحلل والمعاطف والديباج والوَشْي وأشباه ذلك٤. فهو -في رأيهم- يشبه صناعة الثياب، فيه الملون وغير الملون، فيه الوشي وغير الوشي، بل إننا لنراهم يسمونه صناعة، فقد رَوَى الجاحظ أن عمر بن الخطاب قال: "خير صناعات
١ J.M.D Meikle John، English literature. P٢.
٢ انظر مادة شعر في لسان العرب.
٣ برود العصب: برود يمانية.
٤ البيان والتبيين: "طبعة مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر" ١/ ٢٢٢.
1 / 13
العرب أبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته"١؛ فالشعر في رأي العرب -كما هو في رأي اليونان- صناعة، وهي صناعة معقدة تخضع لقواعد دقيقة صارمة في دقتها بحيث لا ينحرف عنها صناع الشعر إلا ليضيفوا إليها قواعد أخرى ما تزال تنمو مع نمو الشعر وتتطور مع تطوره.
١ البيان والتبيين: ٢/ ١٠١.
٢- صناعة الشعر الجاهلي:
من يرجع إلى صناعة الشعر العربي في أقدم "نماذجه" يرى صعوبة هذه الصناعة، وأنها ليس عملًا غُفْلًا؛ بل هي عمل موسوم بتقاليد ومصطلحات كثيرة.
وتلك آثار الشعر الجاهلي تتوفر فيها قيود ومراسيم متنوعة، ولعل ذلك ما جعل "جويدي" يقول: "إن قصائد القرن السادس الميلادي الجديرة بالإعجاب تنبئ بأنها ثمرة صناعة طويلة"١؛ فإن ما فيها من كثرة القواعد والأصول في لغتها ونحوها وتراكيبها وأوزانها يجعل الباحث يؤمن بأنه لم تستوِ لها تلك الصورة الجاهلية إلا بعد جهود عنيفة بذلها الشعراء في صناعتها. وفي دراسة "موسيقى" الشعر الجاهلي ما يفسر بعض هذه الجهود، فالقصيدة تتألف من وحدات موسيقية يسمونها الأبيات، وهي تبلغ عادة أربعين بيتًا، وقد تزيد إلى مائة، وقد تنقص إلى عشرة، ويلتزم الشاعر في جميع هذه الأبيات وزنًا واحدًا يرتبط بنغماته وألحانه في "النموذج الفني" كله، كما يلتزم حرفًا واحدًا يتحد في نهاية هذه الأبيات يسمى الرَّويّ، ولا يكتفي بذلك بل ما يزال يوفر جهودًا ويلتزم أصولًا، من الصعب أن نلخص هنا جوانبها؛ فإن علمًا خاصًّا بل علمين يقومان على دراستها وبحث نُظمها، ونقصد علمي العروض والقافية.
وهذه الجهود والأصول الصوتية الخاصة في "النماذج الجاهلية" ليست كل شيء في صناعتها؛ فهناك أصول أخرى تستمد من "التصوير" إذ الشعر الجاهلي -كما وصلتنا نماذجه- لا يعتمد أصحابه على "فن الموسيقى" فقط وما يحدثون
١ Cuidi، L'araveie Anteislamique، p.٤١.
1 / 14
فيه من قواعد والتزامات دقيقة؛ بل هم يعتمدون على فن آخر، لعله أكثر تعقيدًا وهو "فن التصوير" ولعله ذلك ما جعل "جب" يقول: إن أدب العرب أدب رومانتيكي١؛ فهو في أقدم نماذجه يغلب عليه الخيال و"التصوير". ومن يرجع إلى نماذج امرئ القيس وهو من أقم الشعراء الجاهليين٢ سيلاحظ أنه يُعْنَى بالتصوير في شعره كأنه "التصوير" غاية في نفسه؛ فالأفكار تتلاحق في صفوف من التشبيهات، حتى تستتم هذا الفن من "التصوير" وكأنما القصائد برود يمانية؛ ففيها ألوان نقوش ورسوم على صور وأشكال كثيرة. وغير امرئ القيس من الجاهليين مثله، يعنى بالتصوير في شرعه عناية بالغة، كأنه أصل مهم من أصول صناعتهم، ونحن نسوق لقارئ قطعة من مطولته في وصف فرسه ليرى دليل رأينا؛ إذ يقول:
وقد أغتدي، والطيرُ في وُكُناتها ... بمنجردٍ قَيْد الأوابد هيكل٣
مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطَّه السيل من عَلِ
كُميتٍ يَزِلُّ اللِّبد عن حال مَتْنِهِ ... كما زلت الصفواء بالمتنزَّلِ٤
على الذَّبْل جَيَّاشٍ، كأنَّ اهتزامه ... إذا جاش فيه حمية غَلْيُ مِرْجَلِ٥
مِسَحٍّ إذا ما السابحاتُ على الوَنَى ... أَثَرْنَ الغُبار بالكديد الْمُركَّلِ٦
يَزِلّ الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثَقَّلِ٧
١ تراث الإسلام ترجمة لجنة الجامعيين ١/ ١٥٤.
٢ ولد امرؤ القيس حوالي عام ٥٠٠م وتوفي حوالي عام ٥٤٠م انظر،Caussin Deperceval، Essai sur l;histoire des araves، ١١، ٣٠٣-٣٢٢.
٣ أغتدي: من الغدو وهو السير مع طلوع الشمس، وكناتها: أوكارها، المنجرد: الفرس قصير الشعر، وهو من صفات الخيل الكريمة، والأوابد: الوحوش النافرة، هيكل: ضخم.
٤ كميت: أحمر اللون، يزل: يسقط، حال المتن: موضع اللبد من ظهر الفرس، والصفواء: الصخرة الملساء، والمتنزل: الموضع المنحدر.
٥ الذبل: الضمور، جياش: شديد الاضطراب والحركة، والاهتزام: صوت جوفه عند الجري، الحمى: الغلي، المرجل: القدر.
٦ مسح: كثير الجري، السابحات: الخيل السريعة، الونى: التعب، الكديد: الأرض الصلبة، المركل: الذي أثرت فيه الحوافر. يقول: إنه يسبقها حين تجري معه ولا يصيبه ما يصيبها من إعياء وتعب؛ بل يشتد جريه.
٧ الخف: الخفيف، صهواته: موضع اللبد. ويلوي بأثواب العنيف المثقل: يريد أنه يكاد يصرعه ويسقطه هو الآخر.
1 / 15
درير كخُذروف الوليد أَمَرَّه ... تتابع كفيه بخيط موَصَّل١
له أَيْطَلَا ظَبْيٍ، وساقا نَعَامة ... وإرخاء سرحان، وتقريب تَتْفُلِ٢
كأَنَّ على المتنين منه إذا انتحى ... مَدَاكَ عَرُوس أَوْ صَرايَة حَنْظَل٣
كأنّ دماءَ الهاديات بِنَحْرِهِ ... عصارةُ حِنَّاءٍ بشَيْب مُرَجَّلِ٤
فقد تراكمت التشبيهات في هذا الوصف وظهر فيها ضرب من التركيز والإيجاز، وارجع إلى قوله في البيت الأول: "قَيْد الأوابد" فقد كان القدماء يعجبون بهذه الكلمة إذ عبرت في إيجاز بالغ عن سرعة الفرس وحدته في الجري والنشاط؛ فهو قيد الأوابد كلما أرادها قَيَّدها، ولم تستطع إفلاتًا منه ولا فرارًا. وهذا الإيجاز البالغ يدل على مجهود عنيف كان يقوم به امرؤ القيس حتى يُلقي عن شعره كل إطناب فيه. ونحن لا نرتاب في أنه تعب تعبًا شديدًا قبل أن يجد هذه الكلمة الدقيقة التي تعبر عن تلك الصورة الواسعة. وحقًّا إن مثل تلك الكلمة لا يباع في الأسواق؛ بل لا بد للشاعر من مهارة خاصة حتى يستطيع أن يوفق إلى الكلمة التي ينشدها، وتلك مقدرة الشعراء الممتازين التي بها يتفاضلون. ويستمر امرؤ القيس في وصف هذا القيد؛ فإذا هو كالصخر في صلابته، وإذا شيء لا يستطيع أن يثب عليه لسرعته؛ بل كل شيء ينزلق عنه كما تنزلق الصخرة عن المطر أو كما ينزلق عنها من يريد شأوها. وهو يغلي ويجيش لازدياد عَدْوه وتوقد نشاطه. هو فرس سريع لا تقف سرعته عند حد معقول؛ فهو يصبُّ العَدْوَ صَبًّا، لا يثير نقعًا ولا غبارًا، وما أشبهه بالخروف في شدة دورانه وسرعة حركاته وهو يدور في يد الصبية دورانًا يُسْمَعُ له حفيف شديد.
١ درير: سريع، وخذروف الوليد: دوارة يلعب بها الصبيان، أمره: دوره وحركه، خيط موصل: وصلت أجزاؤه بعضها ببعض.
٢ أيطلا الظبي: خاصرتاه، وإرخاء السرحان: جري الذئب، والتتفل: الثعلب، وتقريبه: جريه قفزًا ووثبًا.
٣ انتحى: جدّ في سيره، والمداك: حجر يسحق عليه الطيب، وجعله مداك عروس لأنها تستعمله كثيرًا، فيشتد بريقه ولمعانه، والصراية: الحنظلة الصفراء البراقة.
٤ الهاديات: أوائل الوحش. شبه حمرة دم الوحش بصدر هذا الفرس بحمرة الخضاب على الشيب. مرجل. مسرح.
1 / 16