الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع

الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع

ناشر

دار الهدي النبوي،مصر / المنصورة،ودار الففضيلة،الرياض

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٢٥هـ/٢٠٠٤م

پبلشر کا مقام

المملكة العربية السعودية

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١) .

١- هذه خطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يستفتح بها خطبه، رواها الإمام أحمد في المسند (١/٣٩٢ – ٢٩٣)، وأبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥)، وابن ماجة (١٨٩٢)، وأخرج بعضها الإمام مسلم في صحيحه (٨٦٧) و(٨٦٨)، وللشيخ الألباني رسالة مطبوعة في إثبات صحتها عن النبي ﷺ وقد صححها كذلك في صحيح أبي داود (٨٦٠)، وصحيح ابن ماجة (١٥٣٥)، وتخريج مشكاة المصابيح (٢١٤٩) .

1 / 3

وبعد:
فقد انتشرت بين الناس بدع كثيرة في دين الله تعالى، واستبدلوها بسنن النبي ﷺ، حتى كادت معالم السنة تندثر، وأصبح الباطل حقا، والحق باطلا. وأضحت البدعة سنة، والسنة بدعة.
ومن صور العبادات التي انتشرت بين عامة المسلمين، ظاهرة الذكر الجماعي، في المساجد والبيوت، والمنتديات، وغيرها، وذلك في كثير من البلدان الإسلامية، حتى عمت بها البلوى.
كما يوجد في بعض البلاد الإسلامية من يعتقد أن الدعاء بعد الصلوات المفروضة بشكل جماعي من مستحبات الصلاة. وهم يعتبرونها مثل الراتبة (١) والتي تصلى بعد الفريضة، أو أكثر منها، ويحرصون عليها أشد الحرص، ويواظبون عليها. فإذا لم يدع لهم الإمام بعد الصلاة ولم يجتمع معهم على الذكر بصورة جماعية، رأوا أن صلاتهم ناقصة، وأساءوا الظن به، واتهموه بأنواع من التهم، ولما كان الذكر عبادة لله تعالى، والعبادات توقيفية لا مجال للابتداع فيها، أو للاستحسان. من أجل هذا كان لا بد من بيان حكم هذا العمل،

١- انظر: تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي (١/٢٤٦) .

1 / 4

والكلام عليه، وذلك كما سيأتي إن شاء الله في مباحث هذا الكتاب.
ولما كان بيان (السنة) والذب عنها، ورد البدعة من أوجب الواجبات على العلماء، وطلبة العلم، والدعاة إلى الله تعالى. ولما كانت ظاهرة الذكر الجماعي مما عمّت به البلوى. وشاع بين العامة في كثير من البلدان، واختلف فيه الناس بين مانع منه، ومجوز له. وقد بحثت عمن ألّف في هذا الموضوع خصوصا، بحيث يستوعبه من جميع جوانبه، ويبين السنة فيه – لكني لم أقف على كتاب في هذا الموضوع. لذلك رأيت مستعينا بالله تعالى أن يكون موضوع هذا البحث هو بيان مدى مشروعية الذكر الجماعي، هل يجوز أم لا؟ وقد جمعت أقوال المانعين منه وأدلتهم، والمجيزين له وأدلتهم، في محاولة لاستيعاب هذا الموضوع، والوقوف على مدى مشروعية هذا الفعل. وأسميت هذا البحث "الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع".
خطة البحث:
اشتمل البحث على: خطبة الحاجة، ومقدمة، وتمهيد، وستة مباحث، وخاتمة.
فأما المقدمة: فهي في أسباب اختيار الموضوع، مع بيان خطة البحث. وكذلك التنبيه على اعتقاد بعض العامة في بعض البلدان وجوب الذكر الجماعي بعد الصلاة وغيرها، وذلك كمدخل للبحث.
وأما التمهيد: فهو حول بيان منزلة الذكر كعبادة عظيمة، وتوضيح أن العبادات توقيفية لا مجال فيها للرأي ولا للاستحسان.

1 / 5

وأما المبحث الأول: فهو في تعريف الذكر الجماعي.
والمبحث الثاني: حول نشأة بدعة الذكر الجماعي.
والمبحث الثالث: حجج المجوزين للذكر الجماعي وأدلتهم.
والمبحث الرابع: حجج المانعين من الذكر الجماعي وأدلتهم.
والمبحث الخامس: في حكم الذكر الجماعي.
والمبحث السادس: حول مفاسد الذكر الجماعي.
والخاتمة: في بيان خلاصة البحث ونتائجه.
والله أسأل أن يرزقنا الإخلاص والتوفيق، والسداد، وأن يجنبنا الخطأ والزلل والزيغ، وأن يتقبل منا هذا العمل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بقلم:
د. محمد بن عبد الرحمن الخميس

1 / 6

تمهيد
مشروعية الذكر ووجوب الاتباع في العبادة
من المعلوم أن الذكر من أفضل العبادات، وهو مأمور به شرعا كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١، ٤٢] .
فالمسلم مطالب بذكر الله تعالى في كل وقت، بقلبه، وبلسانه، وبجوارحه، وهذا الذكر من أعظم مظاهر وبراهين التعلق بالله تعالى، ولا سيما أذكار ما بعد الصّلاة، وطرفي النهار، والأذكار عند العوارض والأسباب، فإن الذكر عبادة ترفع درجات صاحبها عند الله، وينال بها الأجر العظيم دون مشقة أو تعب وجهد.
لكن ينبغي للمسلم أن يكون في ذكره لله تعالى ملتزما بحدود الشريعة ونصوصها، وهدي النبي ﷺ، وصحابته وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وذلك لأن الاتباع شرط لصحة العمل، وقبوله عند الله تعالى، كما قال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) أي باطل مردود على صاحبه.
ومما هو معلوم أن العبادات – ومنها الذكر- كلها توقيفيّة، أي: لا

١- أخرجه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة.

1 / 7

مجال فيها للاجتهاد، بل لا بد من لزوم سنة النبي ﷺ وشريعته فيها، لأنها شرع من عند الله تعالى، فلا يجوز التقرب إلى الله بتشريع شيء لم يشرعه الله تعالى، وإلا كان هذا اعتداء على حق الله تعالى في التشريع، ومنازعة لله تعالى في حكمه، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] .
قال السعدي في تفسير هذه الآية: " ... ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ من الشرك والبدع وتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله ونحو ذلك، مما اقتضته أهواؤهم، من أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد، ويتقربوا به إليه. فالأصل: الحجر على كل أحد أن يشرع شيئا ما جاء عن الله تعالى ولا عن رسوله ... " اهـ. (١)
فلا ينبغي، بل ولا يجوز التقرب إلى الله تعالى إلا بما شرع، وبما بين على لسان رسوله ﷺ. ومن هنا كان لزاما على المسلم أن يلزم السنة في كل عباداته، وألاّ يحيد عنها قيد أنملة، وإلا أحبط عمله وأبطله إذا كان مخالفا هدي رسول الله صلى الله وسلم في العمل.
ولهذا فإن المسلم ينبغي له ألا يحدث في ذكره لله شيئا مخالفا لما كان عليه رسول الله ﷺ هو وأصحابه، وإلا كان مبتدعا في الدين،

١- انظر: تفسير السعدي المسمى (تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن) (٦/ ٦٠٩)، ط مؤسسة السعيدية بالرياض.

1 / 11

محدثا في العبادة ما ليس منها.
ومهما استحسن الإنسان بعقله شيئا في العبادة، فإنه – أي الاستحسان- ليس دليلا على مشروعية تلك العبادة، بل إن هذا الاستحسان قد يكون مصادما لحكم الله تعالى، فلا ينبغي أبدا أن يتعبد لله تعالى إلى بما شرع الله على لسان رسوله ﷺ.

1 / 12

المبحث الأول: تعريف الذكر الجماعي
الذكر الجماعي يتركب من كلمتين، وإليك بيان معنى كل منهما:
أولا: (الذّكر): بالكسر: الشيء الذي يجري على اللسان (١)، وتارة يقصد به الحفظ للشيء.
قال الراغب في المفردات: "الذكر: تارة يقال ويراد به: هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارا باحترازه، والذكر يقال اعتبارا باستحضاره. وتارة يقال لحضور الشيء القلب أو القول. ولذلك قيل منهما ضربان: ذكر عن نسيان. وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ" (٢) .
وأما معنى الذكر في الشرع فهو كل قول سيق للثناء والدعاء. أي ما تعبّدنا الشارع بلفظ منّا يتعلق بتعظيم الله، والثناء عليه، بأسمائه وصفاته، وتمجيده وتوحيده، وشكره وتعظيمه، أو بتلاوة كتابه، أو بمسألته ودعائه. (٣)
ثانيا: معنى (الجماعي): هو ما ينطق به المجتمعون للذكر بصوت

١- القاموس المحيط (٥٠٧)، لسان العرب لابن منظور (٥/ ٤٨) .
٢- مفردات الراغب (٣٢٨) .
٣- انظر: الموسوعة الفقهية (٢١/ ٢٢٠)، والفتوحات الربانية (١/ ١٨) .

1 / 10

واحد، يوافق فيه بعضهم بعضًا (١) .
والمقصود بكلامنا وقولنا: الذكر الجماعي هو ما يفعله بعض الناس من الاجتماع أدبار الصلوات المكتوبة، أو في غيرها من الأوقات والأحوال ليرددوا بصوت جماعي أذكارًا وأدعية وأورادا وراء شخص معين، أو دون قائد، لكنهم يأتون بهذه الأذكار في صيغة جماعية ومن صوت واحد، فهذا هو المقصود من وراء هذا البحث.

١- الموسوعة الفقهية (٢١/ ٢٥٢) .

1 / 11

المبحث الثاني: نشأة الذكر الجماعي
كان مبتدأ نشأة الذكر الجماعي وظهوره في زمن الصحابة ﵃ كما سيأتي ذلك مفصلًا في المبحث الرابع إن شاء الله، وقد أنكر الصحابة هذه البدعة لما ظهرت وقد قلّ انتشار هذه الظاهرة، وخبت بسبب إنكار السلف لها. ثم لمّا كان زمن المأمون، أمر بنشر تلك الظاهرة. فقد كتب إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير بعد الصلوات الخمس. فقد ذكر الطبري في تاريخه في أحداث عام ٢١٦ هـ ما نصّه: "وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا، فبدؤوا بذلك في مسجد المدينة، والرصافة، يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، من هذه السنة" (١) وجاء في تاريخ ابن كثير: "وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد، يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقب الصلوات الخمس" (٢) .
فكان هذا مبتدأ عودة ظاهرة الذكر الجماعي وبقوة، بسبب مناصرة السلطان لها. ومن المعلوم أن السلطان إذا ناصر أمرا، أو قولا ما، ونشره بالقوة بين الناس، فلابد

١- تاريخ الأمم والملوك (١٠/ ٢٨١) .
٢- البداية والنهاية (١٠/ ٢٨٢) .

1 / 12