الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية
الاتجاهات الحديثة في تخطيط المناهج الدراسية في ضوء التوجيهات الإسلامية
ناشر
دار الفكر العربي
اصناف
•contemporary issues
علاقے
مصر
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ... أما بعد:
فإن الفوز في السباق المعاصر بين الأمم يعتمد على قدرتها على تربية أبنائها تربية تنبع من عقيدتها وقيمها وتقي أبناءها من التلوث الفكري، وتتيح لهم حرية التفكير والتعبير والتطبيق في حدود النظم والقيم المرعية، وتستثمر أساليب العصر وتقانته في إطلاق طاقاتهم الإبداعية، وتكون أجيالا لا تقنع باستعياب المعاصر فقط، ولكنها تتطلع أيضًا إلى المستقبل لتسهم في صنعه.
ولقد آن الأوان لأن ننهل نحن المسلمين من تراثنا، ونكف عن اعتبار الفكر الأجنبي المصدر الأفضل لمسيرتنا التربوية؛ لأن هذا فيه ظلم للنفس شديد. فالأولى لنا أن ندرس تراثنا التربوي دراسة علمية ننطلق منها إلى إيجاد سياسة تعليمية خاصة بنا، ومناهج تستجيب لطموحاتنا وتحقق أهدافنا وتستجيب لآمالنا.
نحن في حاجة -أيضًا- إلى وقفة مع مناهجنا الدراسية بعد أن وصل الحال في أمتنا إلى ما وصلت إليه من تخلف. وقفة نتجه فيها بصدق وعزم إلى المحافظة على هويتنا مع الأخذ بأسباب التقدم المعاصر. فنربي أبناءنا تربية إسلامية ونعلم أبناءنا لغتنا وتاريخنا وتراثنا وإسهامنا في الحضارة الإنسانية، وقفة نستعد فيها بالعلم والتقانة للإنطلاق الحضاري. فلم يحدث في التاريخ أن انطلق طير بأجنحة طير آخر، ولا نهضت أمة تجاهلت جذورها وتعلقت بفروع أمم أخرى.
ونقطة الانطلاق إلى هذه الوقفة، من وجهة نظر المؤلف، أن نخطط مناهجنا بناء على عقيدتنا وشريعتنا الإسلامية مع الأخذ بالمعاصر النافع مهما كان مصدره، والعمل الجاد على مواكبة التقدم العلمي والثقافي المعاصر. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يوجه كل متخصص في مجال معين -وبخاصة العلوم الاجتماعية- هذا المجال، توجيهًا إسلاميا، وإذا كان بعضنا غير مؤهل التأهيل الكافي لهذه المهمة، فلا بأس من الاستعانة -بعد الله- بالزملاء المتخصصين في العلوم الشرعية على إنجازها.
فهم ونحن جنود في ميدان تنشئة أجيال الأمة الإسلامية، ولا بأس من أن نتشاور بل نتتلمذ على بعضنا البعض. وكم طلب المؤلف من إخوته المتخصصين في العلوم الشرعية قراءة ما كان يكتب، فقرءوا -جزاهم الله خيرًا- برحابة
صدر وطيب خاطر، وشاورهم فأشاروا بسعادة، وناقشهم فكانوا سعداء بالاتفاق سعادتهم بالاختلاف. ولذلك فإن لهم من المؤلف جزيل الشكر والامتنان.
1 / 5
ويعتبر المؤلف كتابه هذا -إضافة إلى كتابيه: "أساسيات المنهج الدراسي ومهماته" و"تطوير المناهج الدراسية"، محاولة صادقة على طريق توجيه المناهج الدراسية توجيهًا إسلاميا. فقد حاول المؤلف بناء ما ورد في هذه الكتب على تعاليم الدين الحنيف.
وبالنسبة لهذا الكتاب: قدم المؤلف في الباب الأول تعريفًا جديدًا لكل من التخطيط التربوي وتخطيط المناهج الدراسية، مراعيًا فيهما التوجيه الإسلامي للمناهج الدراسية، إضافة إلى أهم تطبيقات التخطيط التربوي المتعلقة بالمناهج.
وقدم في الباب الثاني اقتراحًا غير مسبوق بالأسس العامة لتخطيط المناهج، فتناول التربية الإسلامية في الفصل الثالث، وخصائص العلم وفق التصور الإسلامي في الفصل الرابع، والتوجيه الإسلامي للعلوم في الفصل الخامس والاتجاهات التربوية الحديثة في المناهج الدراسية في الفصل السادس، باعتبارها جميعًا أسسا عامة لتخطيط المناهج الدراسية.
وقدم المؤلف في الباب الثالث مصادر المنهج الدراسي وفق التوجيه الإسلامي:
فاستخلص من القرآن الكريم والسنة المطهرة خصائص المتعلم، ووظيفته في الحياة الدنيا في الفصل السابع، كما استخلص خصائص المجتمع في الفصل الثامن. وفي الفصل التاسع قدم الثقافة العلمية والتقانية باعتبارها من مصادر خبرات المنهج الدراسي، إضافة إلى المجال الدراسي نفسه.
وعالج في الباب الرابع الخطوات الإجرائية لتخطيط المنهج الدراسي على أساس المفهوم والأسس العامة والمصادر التي سبق تحديدها في الأبواب الثلاثة السابقة، كما حدد معوقات هذا التخطيط. ففي الفصل العاشر، تناول إعداد المنهج الدراسي، وفي الفصل الحادي عشر تناول تطبيق هذا المنهج. وفي الفصل الثاني عشر تناول المعوقات التي يمكن أن تواجه تخطيط المناهج الدراسية.
ويشير المؤلف إلى أنه قد يبدو تشابه بين ما جاء في الفصلين السابع والثامن في هذا الكتاب، والفصلين الثالث والرابع -على الترتيب- من كتابه "أساسيات المنهج الدراسي ومهماته". إلا أن هذا التشابه في العناوين المعبرة عن الخصائص فقط. إذ إن التركيز في هذا الكتاب على اشتقاق خصائص كل من المتعلم والمجتمع من المصادر الأساسية للدين الحنيف، أما التركيز في الكتاب الآخر فعلى مهمات المناهج الدراسية في إيجاد هذه الخصائص وترسيخها لدى المتعلم.
1 / 6
كما يشير المؤلف إلى وجود تشابه بين الفصلين الحادي عشر والثاني عشر من هذا الكتاب، والفصلين السادس والسابع على الترتيب من كتابه "تطوير المناهج الدراسية". ويرجع هذا التشابه إلى التقارب الكبير بين خطوات تطبيق المنهج المطور وخطوات تطبيق المنهج الجديد، وأن معوقات عملية التطوير هي نفسها -تقريبًا- معوقات عملية تخطيط المنهج الجديد.
والمؤلف يتوقع من إخوانه أن يعينوه -بعد الله ﷾ على تصويب ما هو في حاجة إلى تصويب، وتحسين ما هو في حاجة إلى ذلك في هذا الكتاب. ولهم منه -سلفًا- جزيل الشكر وخالص الدعاء.
والشكر والتقدير لكل من أعطاني من وقته وجهده أثناء إعداد مادة هذا الكتاب، وأخص بالذكر والشكر والامتنان زوجتي -أطال الله في عمرها- فقد قرأت مرارًا ونقدت وصوبت في إخلاص ودأب وحرص، أسهم في تجويد هذا الكتاب شكلًا ومضمونًا. أما ولداي فقد جادا بالوقت الذي ينبغي أن أخصصه لهما ليمكناني من الانتهاء من تأليف هذا الكتاب. فلهما مني جزيل شكري وخالص دعواتي بتوفيق الله.
كما أشكر وأقدر زملائي المتخصصين في العلوم الشرعية الذين لم يبخلوا بآرائهم ومشورتهم، والشكر والتقدير ممدود لكل من أعانني -بعد الله- على إنجاز هذا الكتاب.
وأولًا وآخرًا، الحمد لله والثناء عليه، ﷾، أن هداني إلى فكرة هذا الكتاب، ومنحني الصبر والجلد على تنفيذها، في أكثر من عشر سنين دأبًا، متتلمذا على القرآن الكريم والسنة المطهرة، ومطلعًا على آراء الكاتبين المنشورة، ومشاورا للزملاء المتخصصين في العلوم الشرعية وغيرهم، والكتابة -تراكميا- حتى وصلت إلى الإحساس بإمكان نشر ما كتبت.
وأسأله ﷾ أن يجعل هذا الجهد خالصا لوجهه، وأن يثقل به ميزان حسناتي يوم القيامة، إنه نعم المولى ونعم النصير.
تحريرا في ١٤١٧هـ-١٩٩٧م.
المؤلف
1 / 7
الفهرس العام:
٥ المقدمة
الباب الأول:
١٥ مفهوم تخطيط المناهج الدراسية وأهم مجالاته
١٧ مقدمة الباب الأول
الفصل الأول: مفهوم تخطيط المناهج الدراسية
٢٣ مقدمة الفصل الأول
٢٤ أولًا: مفهوم التخطيط، على وجه العموم
٢٤ ثانيًا: مفهوم التخطيط للتدريس وأهميته بالنسبة للمعلمين
٢٩ ثالثًا: مفهوم تخطيط المنهج الدراسي
٤٢ خاتمة الفصل الأول
٤٣ أهم مصادر الفصل الأول
الفصل الثاني: أهم مجالات التخطيط المتعلقة بالمناهج الدراسية
٤٧ مقدمة الفصل الثاني
٤٨ أولًا: التخطيط للتربية الميدانية
٥٣ ثانيًا: التخطيط لبداية ناجحة في التدريس
٥٥ ثالثًا: التخطيط للتدريس فصلًا أو عاما دراسيا
٥٦ رابعًا: التخطيط لتدريس وحدة أو موضوع
٥٧ خامسًا: التخطيط للعمل اليومي
٥٨ سادسًا: التخطيط لتدريس الدرس
٧٦ سابعًا: التخطيط لحسن استثمار الفروق الفردية بين المتعلمين
1 / 9
٨٩ خاتمة الفصل الثاني
٩٠ أهم مصادر الفصل الثاني
٩٢ خاتمة الباب الأول
الباب الثاني: الأسس العامة لتخطيط المنهج الدراسي
٩٧ مقدمة الباب الثاني
الفصل الثالث: أهم خصائص التربية الإسلامية
١٠١ مقدمة الفصل الثالث
١٠٢ أولًا: ربانية المصدر، عالمية الغاية، شاملة الأثر
١٠٧ ثانيًا: ثابتة أصولها مرنة تطبيقاتها
١١٣ ثالثًا: تستهدف الحياتين: الدنيا والآخرة، في توازن واعتدال
١٢٠ رابعًا: تحث المسلم على العمل بقدر طاقته
١٣٤ خاتمة الفصل الثالث
١٢٥ أهم مصادر الفصل الثالث
الفصل الرابع: أهم خصائص العلم وفق التوجيه الإسلامي
١٢٩ مقدمة الفصل الرابع
١٣١ أولًا: العلم فريضة على كل مسلم
١٣٥ ثانيًا: العلم كله من عند الله، ولا ينفذ
١٣٨ ثالثًا: غاية العلم هي تطبيق منهج الله في الحياة
١٤١ رابعًا: العلم يحيط بجميع متطلبات الحياة
١٤٦ خامسًا: تتوافق فيه حقائق الكون مع حقائق الوحي
١٥٠ سادسًا: العلم يرفع قدر طلابه عند الله، ﷾
١٥٣ خاتمة الفصل الرابع
١٥٤ أهم مصادر الفصل الرابع
1 / 10
الفصل الخامس: التوجيه الإسلامي للعلوم
١٥٧ مقدمة الفصل الخامس
١٥٩ أولًا: دوافع التوجيه الإسلامي للعلوم
١٦٢ ثانيًا: مفهوم التوجيه الإسلامي للعلوم والمصطلح المناسب للتعبير عنه
١٦٨ ثالثًا: أسس التوجيه الإسلامي للعلوم ومنهجه
١٧٥ خاتمة الفصل الخامس
١٧٦ أهم مصادر الفصل الخامس
الفصل السادس: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة
١٨١ مقدمة الفصل السادس
١٨٢ أولًا: أهم ملامح التطورات العالمية المعاصرة
١٨٣ ثانيًا: أهم الاتجاهات التربوية المعاصرة
١٨٤ أ- في سياسة التعليم
١٨٧ ب- في تربية المعلم
٢٠٠ جـ- في المناهج الدراسية
٢١٢ خاتمة الفصل السادس
٢١٣ أهم مصادر الفصل السادس
٢١٥ خاتمة الباب الثاني
الباب الثالث: مصادر خبرات المنهج الدراسي
٢٢١ مقدمة الباب الثالث
الفصل السابع: أهم خصائص المتعلم
٢٢٥ مقدمة الفصل السابع
٢٢٦ أولًا: أهم جوانب طبيعة المتعلم
1 / 11
٢٣٤ ثالثا: أهم جوانب شخصية المتعلم
٢٤٩ ثالثًا: وظيفة المتعلم
٢٥٨ رابعًا: أهم خصائص نمو المتعلم
٢٦٧ خاتمة الفصل السابع
٢٦٨ أهم مصادر الفصل السابع
الفص الثامن: أهم خصائص المجتمع المسلم
٢٧٣ مقدمة الفصل الثامن
٢٧٤ أولًا: ترسيخ عقيدة التوحيد
٢٧٦ ثانيًا: الحكم بما أنزل الله على أساس الأخذ بالشورى، والالتزام بالعدل
٢٨١ ثالثًا: الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
٢٨٦ رابعًا: تكوين الأسرة المسلمة
٢٩٧ خامسًا: تحقيق كل من التضامن الإسلامي والتكافل الاجتماعي بين المسلمين
٣٠٧ سادسًا: متابعة الاجتهاد لتقديم حلول لما لم يرد فيه نص
٣١٠ سابعًا: بث روح الجهاد في سبيل الله
٣١٤ ثامنا: حسن استثمار المصادر البشرية والطبيعية بالمجتمع، والعمل على الارتقاء بالحياة فيه
٣١٩ خاتمة الفصل الثامن
٣٢٠ أهم مصادر الفصل الثامن
الفصل التاسع: أهم خصائص المجال الدراسي والثقافة العلمية والتقنية
٣٢٥ مقدمة الفصل التاسع
٣٢٥ أولًا: المجال الدراسي
٣٢٥ أ- أساسياته وتسلسله
٣٣١ ب- التطورات الحديثة فيه
٣٣٣ جـ- تطبيقاته
1 / 12
٣٣٦ د- التوجيه الإسلامي له
٣٣٨ هـ- إسهامات العلماء المسلمين فيه
٣٤٠ ثانيًا: الثقافة العلمية والتقنية
٣٤٨ خاتمة الفصل التاسع
٣٤٩ أهم مصادر الفصل التاسع
٣٥٠ خاتمة الباب الثالث
الباب الرابع: أهم خطوات تخطيط المنهج الدراسي ومعوقاته
٣٥٥ مقدمة الباب الرابع
الفصل العاشر: أهم خطوات إعداد المنهج الدراسي
٣٦١ مقدمة الفصل العاشر
٣٦٢ أولًا: الإعداد للمهمة
٣٧٠ ثانيًا: أهم أسس إعداد أهداف المنهج الدراسي
٣٧٦ ثالثًا: أهم أسس إعداد محتوى المنهج الدراسي
٤٠٢ رابعًا: أهم أسس إعداد طرائق التدريس
٤٠٤ خامسًا: أهم أسس إعداد تقانة التعليم
٤٠٦ سادسًا: أهم أسس إعداد المناشط
٤٠٨ سابعًا: أهم أسس الإعداد لتقويم مخرجات المنهج الدراسي وأدواته
٤٠٩ ثامنًا: تقوم المنهج الذي تم إعداده
٤١٠ خاتمة الفصل العاشر
٤١١ أهم مصادر الفصل العاشر
الفصل الحادي عشر: أهم خطوات تطبيق المنهج الدراسي
٤١٧ مقدمة الفصل الحادي عشر
٤١٧ أولًا: التخطيط للتطبيق الميداني
1 / 13
٤٢٢ ثانيًا: إعداد متطلبات تطبيق المنهج الدراسي الجديد
٤٢٦ ثالثًا: تدريب المشاركين في تطبيق المنهج الدراسي الجديد
٤٢٨ رابعًا: بث الشعور بالحاجة إلى إعداد منهج دراسي جديد والتوعية بمتطلباته ومشكلاته
٤٣٠ خامسًا: تجريب المنهج الدراسي الجديد
٤٣٣ سادسًا: تعميم المنهج الدارسي الجديد ومتابعته بالتقويم والتطوير
٤٣٧ خاتمة الفصل الحادي عشر
٤٣٨ أهم مصادر الفصل الحادي عشر
الفصل الثاني عشر: أهم معوقات تخطيط المنهج الدراسي
٤٤٣ مقدمة الفصل الثاني عشر
٤٤٤ أولًا: معوقات خاصة بطبيعة التخطيط التربوي
٤٤٥ ثانيًا: معوقات خاصة بالقصور في الجوانب الفنية لعملية تخطيط المنهج الدراسي
٤٤٨ ثالثًا: معقوقات خاصة بالقائمين بعملية التخطيط
٤٥١ رابعًا: معوقات خاصة بالنواحي الإدارية
٤٥٥ خامسًا: معوقات خاصة بالمجتمع
٤٥٨ سادسًا: معوقات سياسية
٤٥٩ سابعًا: معوقات خاصة بالظروف الطارئة
٤٦٠ ثامنًا: معوقات في الاعتمادات المالية
٤٦٢ خاتمة الفصل الثاني عشر
٤٦٣ أهم مصادر الفصل الثاني عشر
٤٦٥ خاتمة الباب الرابع
٤٦٧ خاتمة الكتاب
1 / 14
الباب الأول: مفهوم تخطيط المناهج الدراسية وأهم مجالاته المتعلقة بها
مقدمة الباب الأول:
التخطيط على اختلاف أنواعه ومجالاته سمة عصرية بحيث صار يغشي حياتنا كلها، بل أصبح مفتاح التقدم والرفاه، ولم يعد ممكنا تحقيق أي هدف دون تخطيط مسبق لذلك.
كما أصبح الوفاء بحاجات المجتمعات والارتقاء بالحياة فيها، واستشراف مسيرتها المستقبلية يعقد -بالدرجة الأولى- على الاستقصاء والتخطيط. فالزيادة في أعداد السكان وما يتطلبه هذا من مواكبة في خدمات التعليم والصحة، وزيادة فرص العمل في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات، والوفاء بمتطلبات العصر من حيث سرعة الاتصال والانتقال والعمل على الاقتصاد في الجهد والترشيد في الإنفاق، والتنافس بين مختلف الدول للفوز في حلبة السباق العلمي والتقني، وفي الإنتاج الكمي والتحكم في نوعيته، وفي غزو الفضاء واستثماره. كل هذا وغيره لا يمكن أن يتم بالكفاية المطلوبة، دون تخطيط مسبق على أسس علمية.
وكذلك الحال بالنسبة للأفراد. فعلى سبيل المثال، لا يمكن أن يوجه رب الأسرة ميزانيته توجيها سليما دون أن يعتمد على التخطيط، ولا يمكن أن يدخل طبيب إلى حجرة العمليات دون إعداد صورة كاملة عن المريض، من حيث حالة قلبه وفصيلة دمه، والأمراض التي أصيب بها وغير ذلك ما يمكن أن يؤثر على مجريات العملية بصورة أو بأخرى، ودون استحضار خطوات العملية في ذهنه وفق أسس الجراحة السليمة، ودون تحضير الأجهزة والأدوات والآلات التي سوف يستخدمها. ولا يمكن أن يبني مهندس جسرًا دون دراسة الأحمال التي سوف تمر من فوقه، وتحمل التربة التي سوف ترتكز قواعده عليها، وأنسب المواد التي سوف تستخدم في بنائه، إضافة إلى تخطيط كامل لتنفيذ عملية البناء وفق الأسس المرعية.
هكذا الأمر بالنسبة لزملائنا الموجهين التربويين والمختصين في المناهج والمدرسين، وأبنائنا الطلاب وغيرهم من العاملين في ميدان التدريس. فلا يمكن أن ينجح أحدهما في عمله دون التزود بمعلومات كافية عن أساليب التخطيط التي تساعده على تنفيذ عمله بصورة سليمة، وعلى تجويده بصورة كفية.
وعلى وجه العموم، لم يعش الإنسان على هذه الأرض قط بدون هدف. فعندما كانت تنحصر أهدافه يومًا في الوفاء بحاجاته الأساسية، من مأكل ومشرب وملبس فإنه كان يتخذ من التدابير ما يساعده على الوفاء بهذه الحاجات، وعندما كان يفكر في اختيار التدابير، ويفاضل بينها كان يقوم بعملية تخطيط، وحين كان ينفذ التدابير فإنه ينفذ الخطة التي أعدها.
1 / 17