الوجيز في علم التجويد

الوجيز في علم التجويد

الوجيز في علم التجويد
مقدمة
معنى التجويد لغة واصطلاحا، وحكمه، وموضوعه، وفضله، وغايته.
التجويد:
لغة: التحسين. تقول: جودت الشيء إذا حسنته.
واصطلاحا: إعطاء كل حرف حقه ومستحقه.
وحق الحرف: إخراجه من مخرجه متصفا بصفاته الذاتية اللازمة له، كالجهر، والشدة، والاستعلاء، والغنة، وغيرها، فإن هذه الصفات المذكورة وغيرها من الصفات اللازمة لا تنفك عن الحرف.
ومستحقه: صفاته العارضة الناشئة عن الصفات اللازمة، كالتفخيم فإنه ناشئ عن الاستعلاء، وكالترقيق فإنه ناشئ عن الاستفال.
حكمه: العلم به فرض كفاية، والعمل به فرض عين على كل مسلم ومسلمة.
وقد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا (١) أي: جوده تجويدا، وقد جاء عن علي -كرم الله وجهه- في قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا أنه قال: "الترتيل هو تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف"، وقد أكد الله الأمر بالمصدر اهتماما به وتعظيما لشأنه.
فكان النبي ﷺ يعلم أصحابه القرآن كما تلقاه من جبريل، ولقنهم إياه مجودًا مرتلا ووصل إلينا -أيضا- بهذه الكيفية المخصوصة.
وقد جاء عنه ﷺ أحاديث كثيرة تدل على وجوب تجويد القرآن، منها ما روى عن ابن مسعود عن علي -رضى الله عنهما- قال: " إن رسول الله ﷺ يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما عُلِّم" (٢) .
وأما الإجماع: فقد اجتمعت الأمة المعصومة من الخطأ على وجوب التجويد من زمن النبي ﷺ إلى زماننا، ولم يختلف فيه عن أحد منهم، وهذا من أقوى الحجج.
موضوعه: الكلمات القرآنية.
فضله: أنه من أشرف العلوم لتعلقه بأشرف الكتب وأجلها.
غايته: صون اللسان عن اللحن في كتاب الله -تعالى-.
والمراد باللحن هنا الخطأ، والميل عن الصواب، وهو قسمان: جلي، وخفي.

(١) سورة المزمل: الآية (٤)
(٢) رواه الحاكم في المستدرك جـ٢ ص٢٢٣، ٢٢٤ وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. ورواه الإمام أحمد في المسند جـ١ ص٤١٩ بلفظ (كما أقرئ) وحسن إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة جـ٤ ص ٢٨.

1 / 1

فالجلي: هو خطأ يطرأ على الألفاظ؛ فيخل بعرف القراءة، سواء أخل بالمعنى أم لم يخل، فضم تاء لفظ أَنْعَمْتَ في قوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (١) يعتبر خطأ مخلا بالمعنى؛ لأن التاء حينئذ أصبحت ضميرًا للمتكلم مع أنها في الآية الكريمة مفتوحة وهي ضمير للمخاطب.
ورفع هاء لفظ الجلالة في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ (٢) يعتبر خطأ غير مخل بالمعنى، وإنما سمى جليًا؛ لأنه ظاهر يشترك القراء وغيرهم في معرفته.
حكم اللحن الجلي: اللحن الجلي بنوعيه حرام إجماعًا.
والخفي: هو خطأ يطرأ على الألفاظ؛ فيخل بالعرف، ولا يخل بالمعنى كترك الغنة، وقصر الممدود، ومد المقصور.
وإنما سمى خفيًا لاختصاص علماء هذا الفن بمعرفته.
حكم اللحن الخفي: الصحيح أن اللحن الخفي حرام كذلك.
مراتب القراءة
للقراءة ثلاث مراتب:
الأولى: الترتيل: وهو القراءة بتؤدة واطمئنان، وإخراج كل حرف من مخرجه، مع إعطائه حقه ومستحقه، مع تدبر المعاني وتفهمها.
الثانية: الحدر: وهو سرعة القراءة مع مراعاة القواعد التجويدية.
الثالثة: التدوير: وهو مرتبة متوسطة بين الترتيل والحدر، وهذه المراتب الثلاث مجموعة في البيت الآتي: حدر وتدوير وترتيل ترى
جميعها مراتبا لمن قرا (٣)
الاستعاذة
صيغتها:
الصيغة المختارة "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" موافقة لآية "النحل" وهي قوله جل وعلا فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٤)
ويجوز الزيادة على هذه الصيغة، أو النقص عنها، أو الإتيان بصيغة أخرى مغايرة مما صح عند أئمة القراءة.
فمما ورد في الزيادة: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم".
ومما ورد في النقص: "أعوذ بالله من الشيطان" فقط.
محلها:

(١) سورة الفاتحة: الآية (٧) .
(٢) سورة الفاتحة: الآية (٢) .
(٣) فضيلة الشيخ إبراهيم شحاتة السمنودي: لآلئ البيان في تجويد القرآن، ص٢٢.
(٤) الآية (٩٨) .

1 / 2

الاستعاذة: إنما تكون قبل القراءة، وهذا هو الصحيح، وقيل: بعدها لظاهر الآية، وهو ضعيف لأن تقدير الآية: فإذا أردت القراءة فاستعذ كما في قوله تعالى: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا (١) أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة.
حكمها:
هي مستحبة عند الأكثر، وقيل: واجبة.
حالاتها:
لها ست حالات: حالتان يجهر بها فيهما، وأربع حالات يسر بها فيها، فيجهر بها القارئ إذا كان هناك من يسمعه، أو في ابتداء الدرس، ويسر بها إذا أسر قراءته، أو كان في الصلاة، أو كان خاليا سواء أقرأ سرا أم جهرا، أو كان يقرأ وسط جماعة يتدارسون القرآن، ولم يكن هو المبتدئ بالقراءة.
ملاحظة:
إذا قطع القارئ القراءة لعارض ضروري كسعال، أو لكلام يتعلق بالقراءة لم يعد التعوذ بخلاف ما إذا قطعها إعراضا عنها، أو لكلام أجنبي ولو ردًا لسلام فإنه يعيده.
البسملة:
إذا ابتدأت بأول سورة من سور القرآن الكريم فلا بد من الإتيان بالبسملة ما عدا أول "براءة"، وتسمى سورة "التوبة" -أيضا.
وإذا ابتدأت بأول سورة "التوبة" فيمتنع الإتيان بالبسملة؛ وذلك لنزول هذه السورة بالسيف.
وإذا ابتدأت بما بعد أوائل السور ولو بكلمة فأنت مخير بين الإتيان بالبسملة وبين عدم الإتيان بها.
وهل "براءة" كذلك؟ جوَّز بعضهم الإتيان بالبسملة وتركها كغيرها من السور، ومنع الجعبري (٢) البسملة في أي جزء من أجزائها تبعًا لأولها.
أوجه كل من الاستعاذة والبسملة

(١) سورة المائدة: الآية (٦) .
(٢) الجعبري: شيخ القراء برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري. ولد بجعبر (بفتح الجيم وسكون العين) قلعة على الفرات بين بالس والرقة قرب صفين سنة ٦٤٠هـ، كان إماما في القراءات عارفا بالفقه والعربية صاحب المصنفات الكثيرة في القراءات. شرح الشاطبية والرائية، وله نحو مائة كتاب أكثرها مختصر منها: شرح الشاطبية المسمى كنز المعاني، نزهة البررة في قراءات الأئمة العشرة، خميلة أرباب المقاصد في رسم المصحف.. توفي ﵀ بمدينة الخليل ﵇ سنة ٧٣٢هـ. [ابن كثير: البداية والنهاية جـ١٤ ص١٦٧.١٦٨\ ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء جـ١ ص٢١ رقم ٨٤] .

1 / 3

للاستعاذة أربعة أوجه في بدء كل سورة، ما عدا "براءة":
الأول: قطع الجميع، أي: قطع الاستعاذة عن البسملة، والبسملة عن أول السورة.
الثاني: قطع الاستعاذة مع وصل البسملة بأول السورة.
الثالث: وصل الاستعاذة بالبسملة واقفًا عليها مبتدئًا بأول السورة.
الرابع: وصل الجميع.
وأما في أول براءة فلك وجهان فقط، وهما:
١. قطع الاستعاذة عن أول السورة.
٢. وصل الاستعاذة بأول السورة، وقد علمت مما تقدم أن البسملة ممتنعة أول "التوبة".
وأما إذا ابتدأت بأجزاء السور أي: بما بعد أولها ولو بكلمة، فللاستعاذة ستة أوجه؛ لأنك مخير بين البسملة وبين عدمها.
فإذا أتيت بالبسملة جاز لك الأوجه الأربعة السابقة.
وإذا لم تأت بها جاز لك الوجهان الجائزان في أول "التوبة".
وللبسملة بين السورتين ثلاثة أوجه:
الأول: قطع الجميع.
الثاني: قطع آخر السورة عن البسملة مع وصل البسملة بأول السورة.
الثالث: وصل الجميع.
وأما وصل آخر السورة بالبسملة مع الوقف عليها فلا يجوز؛ لأن البسملة جعلت لأوائل السور لا لأواخرها.
وهذه الأوجه الثلاثة جائزة بين كل سورتين، سواء أكانتا مرتبتين أم غير مرتبتين.
ويستثنى من ذلك بين الأنفال والتوبة، فإن بينهما لجميع القراء ثلاثة أوجه وهي: الوقف، والسكت، والوصل بدون بسملة. وبين الأنفال وبين التوبة
قف واسكتن وصل بلا بسملة (١)
باب مخارج الحروف
هذا الباب من أهم أبواب علم التجويد، وكذا باب صفات الحروف اللازمة الذي سنتكلم عنه فيما بعد -إن شاء الله-، فمن أتقن هذين البابين نطق بأفصح اللغات، وهي لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم على قلب سيد المرسلين محمد ﷺ.
وقبل ذكر عدد مخارج الحروف يجدر بنا أن نعرف كلا من المخرج والحرف لغة واصطلاحًا فنقول:
المخرج لغة: محل الخروج.
واصطلاحًا: محل خروج الحرف.
الحرف لغة: الطرف.
واصطلاحا: صوت اعتمد على مخرج محقق أي: على جزء معين من أجزاء الحلق، أو اللسان، أو الشفتين، أو الخيشوم، أو اعتمد على مخرج مقدر وهو الجوف.
والمراد بالحرف هنا حرف الهجاء لا حرف المعنى المذكور في كتب العربية.

(١) فضيلة الشيخ إبراهيم شحاتة السمنودي: لآلئ البيان في تجويد القرآن، ص٢٣.

1 / 4

عدد مخارج الحروف
للعلماء في عدد مخارج الحروف ثلاثة مذاهب:
١. فذهب الخليل بن أحمد (١) وأكثر النحويين، وأكثر القراء، ومنهم
ابن الجزري (٢) إلى أنها سبعة عشر مخرجًا، وهذا هو المختار.

(١) هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي، ويقال الفرهودي الأزدي شيخ النحاة، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل، واضع علم العروض، ويقال إنه لم يسم أحد بعد النبي ﷺ بأحمد سوى أبيه. ولد الخليل سنة مائة من الهجرة وتوفي بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور. [ابن كثير: البداية والنهاية، جـ١٠، ص١٦٦\ ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء، جـ١، ص٢٧٥ رقم ١٢٤٢] .
(٢) هو محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري، يكنى أبا الخير، بلغ الذروة في علوم التجويد وفنون القراءات حتى صار فيها الإمام الذي لا يدرك شأوه ولا يشق غباره. صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، ولم ينسج على منوالها، ألف في القراءات كتاب النشر في القراءات العشر ومختصرة التقريب وتحبير التيسير في القراءات العشر وكتاب غاية النهاية في طبقات القراء، وألف غير ذلك في التفسير والحديث والفقه والعربية ونظم كثيرا في العلوم ونظم غاية المهرة في الزيادة على العشرة ونظم طيبة النشر في القراءات العشر ونظم متن الدرة في القراءات الثلاث المتممة للعشرة، والجوهرة في النحو، والمقدمة فيما على قارئ القرآن أن يعلمه. توفي سنة ٨٣٣هـ بشيراز ودفن بدار القرآن التي أنشاها. [ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء جـ٢، ص٢٤٧ وما بعدها رقم ٣٤٣٣] .

1 / 5

٢. وذهب سيبوبه (١) ومن تبعه، ومنهم الشاطبي (٢) إلى أنها ستة عشر مخرجًا.

(١) هو عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر المعروف بسيبويه إمام النحاة. ومعنى سيبويه رائحة التفاح، لزم الخليل بن أحمد فبرع في النحو، ودخل بغداد وناظر الكسائي، وقد صنف في النحو كتابا (الكتاب) لا يلحق شأوه وشرحه أئمة النحاة من بعده فانغمروا في لجج بحره واستخرجوا من درره ولم يبلغوا إلى قعره، توفي وعمره ثنتان وثلاثون سنة ١٨٠هـ. [ابن كثير: البداية والنهاية، جـ١٠، ص ١٨٢، ١٨٣ ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء، جـ١، ص٦٠٢ رقم ٢٤٥٩] .
(٢) هو القاسم بن فيره - بكسر الفاء بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم راء مشددة مضمومة بعدها هاء ومعناه بلغة عجم الأندلس الحديد - ابن خلف بن أحمد أبو القاسم وأبو محمد الشاطبي الرعيني الضرير، أحد الأعلام الكبار والمشتهرين في الأقطار. كان إماما كبيرا أعجوبة في الذكاء، كثير الفنون، آية من آيات الله، غاية في القراءات، خافظا للحديث، بصيرا بالعربية، إماما في اللغة، رأسا في الأدب مع الزهد والولاية والعبادة والانقطاع والكشف شافعي المذهب مواظبا على السنة، ورحل فاستوطن قاهرة مصر، وأقرأ بها القرآن وبها صنف الشاطبية في القراءات السبع فلم يسبق إليها ولا يلحق فيها، وفيها من الرموز كنوز لا يهتدى إليها إلا كل ناقد بصير. ولد سنة ٥٣٨هـ بشاطبة في الأندلس وتوفي ﵀ سنة ٥٩٠هـ ودفن بمصر. [ابن كثير: البداية والنهاية، جـ١٣، ص١١\ ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء، جـ٢، ص٢٠ وما بعدها رقم ٢٦٠٠] .

1 / 6

٣. وذهب قطرب (١) والجرمي (٢) والفراء (٣) إلى أنها أربعة عشر مخرجا.
فمن جعلها سبعة عشر مخرجًا جعل في الجوف مخرجًا واحدا، وفي الحلق ثلاثة، وفي اللسان عشرة، وفي الشفتين اثنين، وفي الخيشوم واحدا.
ومن جعلها ستة عشر أسقط الجوف، ووزع حروفه وهي حروف المد الثلاثة على بعض المخارج، فجعل الألف من أقصى الحلق مع الهمزة، والياء من وسط اللسان مع غير المدية، والواو من الشفتين مع غير المدية.
ومن جعلها أربعة عشر أسقط مخرج الجوف كسيبويه، وجعل مخارج اللسان ثمانية، بجعل مخرج اللام والنون والراء مخرجًا واحدا.
ونحن نتبع المذهب الأول الذي اختاره ابن الجزري.

(١) هو محمد بن المستنير أبو علي المعروف بقطرب النحوي اللغوي، أحد العلماء بالنحو واللغة، أخذ عن سيبويه وعن جماعة من العلماء البصريين ويقال إن سيبويه لقبه قطريا لمباكرته له في الأسحار قال له: ما انت إلا قطرب ليل، والقطرب دويبه تدب ولا تفتر، نزل قطرب بغداد ومات سنة ست ومائتين. وكان له شعر أجود من شعر العلماء على قلته، وله من الكتب المصنفة معاني القرآن، المثلث في اللغة، العلل في النحو، غريب الحديث، الرد على الملحدين في تشابه القرآن. [الوزير ابن يوسف القفطي: إنباء الرواة على أنباء النحاة، جـ٣، ص٢١٩، رقم ٧١٨] .
(٢) الجرمي: بفتح الجيم هو أبو عمر صالح بن إسحاق البصري، قدم بغداد وناظر بها الفراء. وصنف كتبا منها: الفرخ - يعني فرخ كتاب سيبويه - وكان فقيها فاضلا نحويا بارعا عالما باللغة حافظا لها، دينا ورعا حسن المذهب. توفي سنة ٢٢٥هـ. [ابن كثير: البداية والنهاية، جـ١٠، ص٣٠٦\ ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء جـ١، ص٣٣٢ رقم ١٤٤٤] .
(٣) هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منصور الكوفي المشهور بشيخ النحاة واللغويين والقراء، وكان يقال له أمير المؤمنين في النحو، وقيل: لولا الفراء لما كانت عربية لأنه خلصها وضبطها، وتوفي سنة ٢٠٧هـ. [ابن كثير: البداية والنهاية، جـ١٠، ص٢٧٢، ٢٧٣\ ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء، جـ٢، ص٣٧١، رقم ٣٨٤٢] .

1 / 7

وهذه المخارج السبعة عشر تسمى المخارج الخاصة يجمعها خمسة مخارج تسمى المخارج العامة وهي: الجوف، والحلق، واللسان، والشفتان، والخيشوم.
وإذا أردت أن تعرف مخرج أي حرف فسكنه أو شدده وهو الأظهر متصفًا بصفاته، وأدخل عليه همزة الوصل، وأصغ إليه فحيث انقطع الصوت كان مخرجه المحقق، وحيث يمكن انقطاع الصوت في الجملة كان مخرجه المقدر.
وقد رتب العلماء مخارج الحروف باعتبار الهواء الخارج من داخل الرئة متصعدًا إلى الفم، فيقدمون في الذكر ما هو أقرب إلى ما يلي الصدر، ثم الذي يليه وهكذا حتى ينتهوا إلى مقدم الفم.
ولنشرع في بيانها مرتبة كذلك فنقول:
المخرج الأول: الجوف، وهو الخلاء الداخل في الفم والحلق ويخرج منه أحرف المد الثلاثة، وهي الواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، والألف، ولا تكون إلا ساكنة، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا.
وتسمى هذه الأحرف بالجوفية لخروجها من الجوف، والهوائية لانتهائها بانتهاء الهواء.
الثاني: أقصى الحلق، أي: أبعده مما يلي الصدر، ويخرج منه حرفان، الهمزة فالهاء، فالفاء هنا للترتيب.
فأقصى الحلق مخرج كلي منقسم إلى مخرجين جزئيين متقاربين، يخرج من أولهما مما يلي الصدر الهمزة، ومن ثانيهما الهاء.
الثالث: وسط الحلق، ويخرج منه العين فالحاء المهملتان.
فوسط الحلق كذلك مخرج كلي منقسم إلى مخرجين جزئيين متقاربين، ويخرج من أولهما العين، ومن ثانيهما الحاء.
الرابع: أدنى الحلق، أي: أقربه مما يلي الفم. ويخرج منه الغين فالخاء
فأدني الحلق -أيضًا- مخرج كلي منقسم إلى مخرجين جزئيين متقاربين، يخرج من أولهما الغين، ومن ثانيهما الخاء.
ويعلم مما تقدم أن في الحلق ثلاثة مخارج كلية، وكل مخرج منها فيه مخرجان جزئيان متقاربان، وكل مخرج يخرج منه حرف، وتسمى هذه الأحرف الستة حلقية لخروجها من الحلق.
الخامس: أقصى اللسان، أي: أبعده مما يلي الحلق، وما يحاذيه من الحنك الأعلى، ويخرج منه القاف.
السادس: أقصى اللسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى تحت مخرج القاف، ويخرج منه الكاف.

1 / 8

هذا، وإنما لم نجعل أقصى اللسان مخرجًا كليًا منقسما إلى مخرجين جزئيين كأقصى الحلق؛ لأن أقصى اللسان فيه طول، وبين موضعي القاف والكاف بعد بخلاف أقصى الحلق.
ويقال لهذين الحرفين لهويان نسبة إلى اللهاة، وهي لحمة مشتبكة بآخر اللسان.
السابع: وسط اللسان وما يحاذيه من الحنك الأعلى، ويخرج منه ثلاثة أحرف: الجيم فالشين فالياء غير المدية.
وتسمى هذه الأحرف الثلاثة شجرية؛ لخروجها من شجر الفم، أي: منفتحه.
الثامن: إحدى حافتي اللسان، وما يحاذيها من الأضراس العليا، ويخرج منه الضاد المعجمة، وخروجها من الجهة اليسرى أسهل، وأكثر استعمالا ومن اليمنى أصعب وأقل استعمالا ومن الجانبين معا أعز وأعسر، وقد قيل في تحديد الحافة إن أولها مما يلي الحلق ما يحاذي وسط اللسان بعيد مخرج الياء، وآخرها ما يحاذي آخر الطواحن من جهة خارج الفم.
التاسع: ما بين حافتي اللسان معا بعد مخرج الضاد، وما يحاذيهما من اللثة أي: لحمة الأسنان العليا، وهي لثة الضاحكين والنابين والرباعيتين، والثنيتين العليين، ويخرج منه اللام، وقيل خروجها من الجهة اليمنى أمكن عكس الضاد.
العاشر: طرف اللسان وما يحاذيه من لثة الأسنان العليا تحت مخرج اللام قليلا ويخرج منه النون.
الحادي عشر: طرف اللسان مع ظهره مما يلي رأسه، ويخرج منه الراء، وهي أدخل إلى ظهر اللسان من النون.
وتسمى هذه الأحرف الثلاثة التي هي اللام والنون والراء ذلقية لخروجها من ذلق اللسان أي: طرفه.
الثاني عشر: طرف اللسان مع أصل الثنيتين العلييين، ويخرج منه الطاء فالدال المهملتان، فالتاء المثناة الفوقية، وتسمى هذه الأحرف نطعية لخروجها من نطع الفم، أي: جلدة غاره.
الثالث عشر: طرف اللسان فويق الثنيتين السفليين. ويخرج منه الصاد، فالسين، فالزاي.
ويقال لهذه الثلاثة أسلية لخروجها من أسلة اللسان، أي: ما دق منه.
الرابع عشر: طرف اللسان مع طرفي الثنيتين العلييين، ويخرج منه الظاء، فالذال، فالثاء، ويقال لهذه الثلاثة لثوية، لخروجها من قرب اللثة.
الخامس عشر: بطن الشفة السفلي مع طرفي الثنيتين العلييين، ويخرج منه الفاء.

1 / 9

السادس عشر: الشفتان معًا، ويخرج منهما الباء الموحدة فالميم، فالواو غير المدية بيد أن الواو بانفتاحهما قليلا والباء والميم بانطباقهما، وانطباقهما مع الباء أقوى من انطباقهما مع الميم.
وهذه الأحرف الأربعة، أعنى الفاء، والباء، والميم، والواو تسمى شفوية لخروجها من الشفة، وإن كان بمشاركة غيرها في الفاء.
السابع عشر: الخيشوم، وهو أقصى الأنف، ويخرج منه حرفا الغنة، وهما النون والميم في حالة إخفائهما أو إدغامهما بغنة، فيتحولان عن مخرجهما الأصلي إلى الخيشوم في هاتين الحالتين، ويخرجان منه فقط، أما في حالة تشديدهما مثل: إن، وثم، فيخرجان من مخرجهما الأصلي السابق الذي هو طرف اللسان بالنسبة للنون، والشفتان بالنسبة للميم مع خروجهما من الخيشوم. وأما في حالة تحريكهما، أو إسكانهما مظهرتين فإنهما يخرجان من مخرجهما الأصلي فقط، فلهما ثلاث حالات.
بيان أسنان الفم للحاجة إلى معرفتها
هي في أكثر الأشخاص اثنتان وثلاثون:
منها الثنايا: وهي الأسنان الأربع المتقدمة، اثنتان فوق، واثنتان تحت.
فالرباعيات: بفتح الراء، وتخفيف الياء، وهي أربع كذلك خلف الثنايا، اثنتان فوق، واثنتان تحت -أيضًا-.
فالأنياب: وهي -أيضًا- أربع خلف الرباعيات.
فالأضراس: وهي عشرون ضرسًا، عشرة في الفك الأعلى، خمسة بالجانب الأيمن، وخمسة بالجانب الأيسر، وعشرة في الفك الأسفل كذلك، وهذه الأضراس مقسمة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الضواحك: وهي أربعة تلي الأنياب
الثاني: الطواحن: وهي اثنا عشر تلي الضواحك، ستة فوق في كل جانب ثلاثة، وستة تحت كذلك.
الثالث: النواجذ: وهي أربعة بعد الطواحن، اثنتان فوق، واثنتان تحت، ويسمى الناجذ ضرس الحلم، وضرس العقل، وقد نظمها بعضهم فقال: للإنسان أسنان ثنايا رباعيه
وأنياب كل كالضواحك أربع
طواحن ضعف الست أربعة أخر
نواجذ فاعلمها إذ العلم أرفع
باب صفات الحروف اللازمة
اعلم أن المخارج للحروف بمثابة الموازين تعرف بها مقاديرها، والصفات بمثابة الناقد الذي يميز الجيد من الرديء.

1 / 10