التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

ایڈیٹر

شرح الجزائري

ایڈیشن

نسخة مخطوطة

سلطنتیں اور عہد
افشاری سلطنت

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي اللهم إنا نحمدك حمدا يكون لنا وسيلة إليك وذريعة للزلفى لديك وذخيرة ليوم العرض بين يديك ونشكرك شكرا نستوجب به الفواضل من نعمك ونستوهب النوافل من كرمك ونسألك أن تصلي وتسلم على رسلك وأنبيائك وأمنائك وأوليائك سيما حبيبك نبي الرحمة ومعلم الكتاب والحكمة المبعوث باكمال الدين واتمام النعمة الصادع بشرايع الأحكام العادلة الداعي إلى مكارم الأخلاق و محاسن الخصال الفاضلة وعلى أهل بيته الأخيار الأطهار وخلفائه الراشدين الأبرار وصحابته المرضيين الأخيار ما تعاقب الليل والنهار وتعاورت الظلم والأنوار وأن تشرح صدورنا بحاق الحق وتهدينا للتي هي أقوم وأحق وتثبتنا على الهدى وتثبطنا عن الردى وتوفقنا لتطهير السر عما سواك وتوقفنا في منشعبات الأهواء على ما فيه رضاك وتعيذنا من كل ما نبوء بإثمه وننوء وتعصمنا من شرور أنفسنا الأمارة بالسوء إنك سميع مجيب وبعد فيقول المعترف بذنبه المفتقر إلى رحمة ربه المفرط في الجهالة المضيع عمره في البطالة عبد الله بن نور الدين بن نعمة الله الموسوي غفر الله بفضله ذنوبه وستر عوراته وعيوبه هذا أيها الأخ الوفي والصديق الصفي والحبر الملي والخليل الجليل العلي أعلى الله قدرك ورفع ذكرك وأصلح أعمالك وحقق آمالك وكثر في الأولياء أمثالك ما توجهت إليه همتك وتوفرت عليه نهمك وتكثر له طلبك وانحصر فيه إربك وعكفت عليه قديما ووليت وجهك شطره مستديما من تعليقة خفيفة على كتاب النخبة للعالم العامل والمرشد الكامل المولى محمد محسن الكاشاني تغمده الله بغفرانه وأسكنه بحبوحة جنانه وجيزة النظم غير كبيرة الحجم تبين عن رموزها وتدل على كنوزها و تفصل مجملاتها وتحل مشكلاتها مقتصدة عن الاخلال والاملال ممتزجة بها امتزاج الماء الزلال بالخمر الحلال موسومة بالتحفة السنية في شرح النخبة المحسنية وقد كان تصدى لهذا المرام والدي العلامة الإمام أعلى الله مقامه في دار السلام فشرح منها بضعة في مجلد يسير وعاقه عن انهائه عوائق الدهر العسير وأرجو من الله أن يسعدني لتمامه التوفيق ببركات الأنفاس الأخ الشفيق المقصود اسعافه بهذا التعليق واعتمدت فيه غالبا في ايضاح العبارات وافصاح الإشارات على ما وقع إلي من كلام المصنف في سائر كتبه وفوائده لأنه أعلم بمقاصده وكذا في نقل الاجماعات والأقوال ونقد الأخبار بحسب الرجال إلا فيما بان لي نادرا رجحان خلافه بعد إجالة النظر في أطرافه فليشبع في مواطن الاختلاف البخت و التنفير لتحقيق الحال وتخليص البر من الشعير وبالله أستمد وأستعين إنه نعم المولى ونعم المعين قال المصنف شرح الله صدره وأضاء في سماء الرضوان بدره بسم الله الرحمن الرحيم الباء للاستعانة أو للملابسة وربما يرجح الأول بأنه أقرب إلى تمام الانقطاع لاشعاره بأن الأمر لا يتأتى إلا بمعونته والثاني بأنه أدخل في التعظيم فإن التلبس باسمه (تع) تيمنا وتبركا أجل من جعله آلة لتبعية الآلة وابتذالها وفيه أن التلبس لا يدل على الوجه المذكور بوجه مع أنه كثيرا ما يكون على وجه التبعية والاستعانة في ذلك بالمقام مشترك فإن ذكره (تع) مما يتبرك به كيف كان والاستعانة به لا ينافي ذلك بل يؤكده على أن الاستعانة بشئ ملزومة بملابسته ولا عكس وفي الحديث بسم الله أي أستعين في أموري كلها بالله وكيف كان فلك اضمار المتعلق خاصا وعاما أي أصنف أو أبدأ ويرجح الأول بأن ما يدل على الاستعانة بالاسم الأقدس في مطلق الفعل أولى مما هو صريح في التقييد بابتدائه والثاني باقتضائه العمل بحديث الابتداء لفظا ومعنى و فوات الامتثال اللفظي في الخاص وهو كما ترى وفعلا واسما ويرجح الأول بزيادة التقدير على الثاني ومقدما ومؤخرا ويرجح الأول بأنه الأصل والثاني بما فيه من تقديم ما هو إلا حق به واقتضائه القصر وأما الحديث فيمكن حمله على بيان حاصل المعنى لا المتعلق المقدر في نظم الكلام وقيل الباء للالصاق والمعنى أبدأ في الكتاب باسم الله وهو أوفق بحديث الابتداء مضافا إلى اشعاره بأن اسمه (تع) أهم أجزاء المقصود إلا أنه غير مطرد والاسم ما دل على المسمى وورد أنه سئل الرضا (ع) عن الاسم ما هو فقال صفة لموصوف وحذفت ألفه خطأ لكثرة الاستعمال المناسبة للتخفيف والاستعانة إنما هي بالمسمى وأقحم الاسم تأدبا وتعظيما له ولكونه أوفق بالرد على القائلين باسم اللات والعزى وعن الرضا (ع) معنى قول القائل بسم الله اسم نفسي بسمة من سمات العبادة قيل ما السمة قال العلامة والله اسم لهذا المعبود الحق الذي دعا إليه الأنبياء وفي الحديث أنه أعظم اسم من أسمائه (تع) لا ينبغي أن يتسمى به غيره وفي حديث آخر أنه مشتق من إله والرحمن والرحيم صفتان من رحم كعلم أو حسن منقولا مع زيادة مبالغة في الأول مدلولا عليها بزيادة المباني ومن ثم خص به سبحانه حتى صار علما أو كالعلم لأنه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها ومن ثم حسن توسطه بين الاسم والصفة المحضين ونزل منزلة الاسم في استعماله غير تابع نحو الرحمن علم القرآن وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن وعودل به الاسم مخيرا بينهما في الدعاء في قوله (تع) ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ويعرب

صفحہ 1

في البسملة ونحوها بدلا وما بعده نعت له لا لاسم الجلالة إذ لا يتقدم البدل على النعت وأما تسمية مسيلمة رحمن اليمامة وقول شاعرهم فيه وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا فمن باب التعنت في الكفر والخروج عن قانون اللغة كما قيل وفي الحديث الرحمن اسم خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام بصفة خاصة وفي حديث آخر الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة وفي الدعاء المأثور يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة وفيهما إيماء إلى معنى العموم والخصوص فيهما فإن الرحمة في الدنيا تعم الصالح والطالح بخلافها في الآخرة وبما تلوناه ظهر لك في الجواب عن السؤال بأنه لم قدم الرحمن مع أن تقديم غير الأبلغ فيقال عالم نحر يرد جواد فياض وجهان وقيل إن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأصولها فتعقيبه بالرحيم من قبيل التتميم ليشمل ما خرج منها وفيه أنه غير مرتبط بالسؤال وإنما يصلح وجها للجمع بينهما ومن ثم لو عكس الترتيب لكان الشمول المطلوب حاصلا أيضا وربما يقرر بوجه آخر وهو أن الملحوظ أولا في باب التعظيم والثناء هو عظايم النعماء وجلائل الآلاء وما عداها يجري مجرى التتمة والرديف وهو أقرب إلى السداد وأسلم من الايراد وأما ما في بعض الأدعية يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما و يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا فمن باب التوسع أو لاختلاف الاعتبارات الحمد لله انشاء للحمد وهو الثناء على ذي علم بكماله بالجملة الاسمية الدالة على الاستمرار والدوام لأنه أبلغ في المرام و أليق بالمقام واللام الأولى جنسية أو استغراقية والثانية اختصاصية تفيد القصر على المشهور والموصول في قوله الذي أوضح بأئمة الهدى بصلته ومتعلقاتها نعت أتى به للمدح مع ما فيه من بسط الكلام حيث الاطناب مطلوب والتبرك بذكرهم (ع) والتنبيه من أول الأمر على أن موضوع الكتاب إنما هو من علوم أهل البيت صلوات الله عليهم ففي الحديث كل علم لم يخرج من هذا البيت فهو باطل والباء للآلة والإضافة لامية إما لملابسة الآلية كما في ثوب الزينة أو السببية كما في سفينة النجاة أو الفاعلية كما في ذباب العسل وطوى المضاف إليه للتعميم أو هو المذكور تجوزا ايذانا بأن الحق يدور معهم حيث داروا والجار في قوله من أهل بيت النبوة للنبيين أو للتبعيض متعلق بمحذوف وفي قوله عن دينه القويم بفعل الإيضاح لتضمنه رفع الإبهام عن الموضح ودين الله المعتدل هو الاسلام الذي ارتضاه الله دينا لهذه الأمة المرحومة بتبليغ النبي المختار صلى الله عليه وآله والناس يومئذ خابطون في الجهالة تائهون في العمة والضلالة فاليهود في نكدهم ومساويهم والنصارى في توسعهم ومخازيهم والمجوس في سرفهم وتعظيمهم النيران والهنود في حيرتهم وعبادتهم الثيران والعرب في جلافة طباعهم ورداءة أوضاعهم والعجم في ترفهم واتباعهم الشهوات وعكوفهم على الأباطيل واللهوات فندبهم جزاه الله خير ما جزى نبيا عن أمته إلى الصواب والسداد ونظم لهم أمور المعاش والمعاد ودعاهم عن الميول الباطلة والأهواء الزائغة إلى العدل والصلاح والرشاد بحيث إن كل عاقل لبيب رزق حظا من الانصاف إذا أمعن النظر في كليات قواعد الملل والنواميس التي يتدين بها يضطر من نفسه إلى الاذعان بأن أشرفها وأعدلها وأقربها إلى النجاة وأكملها وأحقها بالقبول وأمثلها حتى أن الملاحدة المنكرين للنبوات المعتقدين في الأنبياء أنهم حكماء راسخين معترفون بأن الصادع به كان أكمل الحكماء وأقومهم نفسا وأوسعهم نظرا وأدقهم فكرا وأصوبهم رأيا وأرسخهم حكمة وأحسنهم سياسة وأعلمهم بمصالح الخلق في دهره وفي الدهور المتطاولة الغابرة لما يرونه بالنظر الكلي من رزانة قوانين الاسلام واتقان الشرع الأقدس ونظامه الأكمل الأتم وصلاحه الأوفى الأعم وإحاطته بجميع ما لا بد منه مما له مدخل في سعادة الدين والدنيا بحيث لا يكاد يفرض أمر من الأمور الكلية والجزئية كائنا ما كان إلا وشملته أحكام الشريعة الواسعة البيضاء على الوجه اللائق وله فيها حد لا يسوغ التعدي عنه والتخطي إلى ما سواه بما فيها من السماحة والسهولة واليسر والخلوص عن الحرج والإصر والعسر ومن ثم من الله على عباده في غير موضع من كتابه بأن هداهم للاسلام وجعلهم أمة وسطا وحيث إن الشريعة المحمدية باقية مستمرة بامتداد زمان التكليف اقتضت الحكمة البالغة الإلهية والرحمة الواسعة السبحانية أن يقوم بالأمر بعد انقضاء عهد النبوة من يتم به الحجة في كل عصر على أهله يبين لهم من أحكام الدين ما أبهم عليهم ويفصل لهم من العلوم والمعارف التي ورثها عن النبي ما يحتاجون إليه مما لم يبلغهم عنه أو بلغهم اجمالا ولم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله وهو الخليفة الحق والإمام المطلق فصارت الأئمة (ع) وسائط في ايضاح الدين وهداية المهتدين كما أن الآلة واسطة بها يعالج الفاعل فعله ومن ثم يسند الفعل إلى الفاعل تارة ويدخل الباء على اسم الآلة إن ذكر فيقال رأيته بعيني وإلى الآلة أخرى فيقال رأته عيني ومساق الكلام على الوجهين على وجه وأبلج أي أوضح بأنوار آثارهم وهي الأخبار المتضمنة لحكاية أقوالهم أو أفعالهم أو تقريراتهم والإضافة الأولى إما بيانية كما في لجين الماء أو من الاستعارة المكنية المخيلة أو لامية كالثانية فالثاني لا غير وهو من أحسن التشبيهات ففي الحديث النبوي أن على كل صواب ويقرب منه القول في قوله في ظلمات البدع والأهواء والبدع جمع بدعة بكسر الباء وهي في اللغة اسم من ابتدع الأمر إذا ابتداه وأحدثه كالرفعة والخلفة من الارتفاع والاختلاف وفي الشرع قيل هي احداث ما لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وعن أمير المؤمنين (ع) في معاني الأخبار أن السنة ما سن رسول الله والبدعة ما أحدث بعده وإليه نظر العلامة في نهاية الأصول من قسمها إلى الأقسام الخمسة قال العلامة في نهاية الأصول والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قول الشريعة فإن دخلت في قواعد الايجاب فهي واجبة كالاشتغال بعلوم العربية التي بها يفهم كلام الله وكلام رسوله وتدوين الحديث والكلام في الجرح والتعديل لأن حفظ الشريعة واجب ولا يتأتى إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب أو في قواعد التحريم فمحرمة مثل مذاهب القدرية والمرجئة والمجسمة والرد على هؤلاء من البدع الواجبة أو الندب فمندوبة كاحداث الربط والمدارس وكل احسان لم يعهد في العصر الأول أو الكراهة فمكروهة كزخرفة المساجد

صفحہ 2

وتزويق المصاحف أو الإباحة فمباحة كالتوسع في اللذيذ من المآكل والملابس والمساكن وتوسيع الأكمام ونحوها وقيل إن اسم البدعة لا يطلق إلا على ما هو محرم من هذه الأقسام وهو الموافق للأصل وفي الحديث المستفيض كل بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار وقد كثر في الأدعية المأثورة الاستعاذة من البدع وسؤال التوفيق لمجانبتها والأهواء جمع هوى بالقصر وهي ميل النفس إلى ما تشتهيه من حق أو باطل ثم غلب استعماله في الثاني لأنه الغالب بحيث لا ينصرف الذهن عند الاطلاق إلا إليه وعليه قوله (تع) ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله وقوله سبحانه أرأيت من اتخذ إلهه هواه وقول أمير المؤمنين (ع) إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان اتباع الهوى وطول الأمل ولأجل هذا التشديد العظيم الواقع في أمر البدع والأهواء حسن تشبيهها بالظلمات أو ذواتها لجامع السببية في الضلال عن السبيل المقيم والجار في قوله عن صراطه المستقيم متعلق بفعل الابلاج كما في الفقرة الأولى والصراط المستقيم هو حاق الحق والعدل المطلق وذلك أن النفس الانسانية واقعة في جميع أحوالها بين رذائل متخالفة متعاندة واقعة على طرفي الزيادة والنقصان وذمايم بينها كمال التنافي حاصلة على طرفي الافراط والتفريط كلما تباعد الانسان عن أحدهما تقارب إلى الآخر ولا مخلص منها إلا بالاقتصاد التام وملازمة الوسط الحقيقي الذي هو غاية البعد عن الطرفين ونهاية الانفكاك الممكن عنهما ففي اعمال القوة الشهوية يكون ملازما للعفة التي هي التوسط بين افراط الفجور وتفريط الخمود وفي القوة الغضبية للشجاعة المتوسطة بين التهور والجبن وفي القوة الفكرية للحكمة المتوسطة بين الجربزة والبلاهة والمراد بها هنا ما يقارب الفطنة وحسن الانتقال منا المبادي إلى الغايات وهذه هي أصول الفضائل المحصلة للعدالة الظاهرة فالعفيف لا فاجر ولا خامد والشجاع لا متهور ولا جبان والحكيم لا جربز ولا إبله وهكذا يختار التوسط والأمر بين الأمرين في سائر الأخلاق والأعمال المنشعبة عن الأصول المذكورة ففي المعاشرة التواضع المتوسط بين التكبر والتخاسس والبشاشة بين التزمت والدعابة والحلم بين الطيش والمهانة والمروة بين الآنفة والدنائة وفي الاكتساب السعي الجميل بين الحرص والكسل وفي المعيشة التقدير بين التبذير والتقتير وفي البذل السخاوة بين الاسراف والبخل وفي الأكل والشرب والنوم والكلام وغير ذلك لا يخرج عن الاعتدال والاقتصاد حتى في العبادة يكون ملازما للرفق خارجا عن مرتبة الإضاعة غير بالغ حد الايغال الذي هو الاكثار منها بحيث يعقب الملال وانتهاك البدن ومن ثم كره صوم الدهر بل وفي مودة ذي القربى يكون مقتصدا ومتقصرا على مرتبة الولاية متجاوزا عن تفريط النصب متقاصرا عن افراط الغلق والتفويض فهذه هي الطريقة المثلى الموصلة إلى الرفيق الأعلى وفي الحديث الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير واستقام وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة وفي حديث آخر الصراط أدق من الشعر واحد من السيف وذلك أن الوسط الحقيقي بين الأمور المتنافية كمال التنافي يكون في غاية الغموض والبعد عن الادراك لأنه أشبه شئ بالخط الهندسي الفاصل بين الظل والشمس الذي لا عرض له أصلا ولأجل ذلك لا تؤمن غائلته ولا يبعد أن يكون هذا الصراط في الدنيا هو الجسر المدود على متن جهنم الذي يمر عليه المؤمنون إلى الجنة في النشأة الآخرة وما ورد من أن منهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم مثل عدو الفرس ومنهم من يمشي حبوا ومنهم من يمر عليه متعلقا فتأخذ النار منه شيئا وتترك شيئا إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة مسببا عن اختلافهم الشديد في مراتب القرب من العدل الحقيقي والبعد عنه وتفاوتهم في قلة الالتفات إلى الميول الطبيعية و كثرته وهذا كله مبين في كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل البيت صلى الله عليه وآله ومن ثم ورد في تفسير البطون تفسير البطون الصراط المستقيم بالقرآن وبالإمام وعقب الحمد بانشاء الصلاة والسلام على محمد وآله قضى لحقوقهم وتبركا بذكرهم (ع) المعصومين من الذنوب بالاجماع والسهو والنسيان على المشهور ما دامت الصلاة والتسليم وهي أبد الأبدين كما في بعض الأدعية المأثورة صلاة يصعد أولها ولا ينفد أخرها وفعل الدوام تام لا يحتاج إلى الخبر كما في قوله (تع) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض و بعد الحمد والصلاة السلام فيقول خادم العلوم الدينية وهي العلوم الثلاثة الأخروية التي يأتي بيانها وهي المسماة بالفقه في الصدر السالف وخدمتها عبارة عن الاشتغال بها ونشرها وترويجها وكثيرا ما يصف المصنف وهو محمد بن مرتضى الملقب بمحسن أحسن الله إليه نفسه بهذا الوصف يتمدح به و يتبجح ومن ثم قدمه على الاسم مع أنه بحسب المعنى نعت حقه التأخير اهتماما به وشوقا إليه وحق له ذلك فإنه لم يجتهد أحد من علماء المائة الحادية عشر اجتهاده في ذا الباب وقد بلغ في كثرة التصانيف المختصرة والمطولة وتلخيص المعاني وتقريبها إلى الأفهام والتوفيق بين العقل والشرع وتسهيل الأمر على الناظرين مبلغا لم يسبقه إليه سابق ولا يشق غباره لاحق وفي التسمية على الوجه المذكور إشارة إلى أن الاسم في هذه المركبات التي شاعت التسمية بها في هذه الأعصار المتأخرة إنما هو الجزء الأول لا غير فالتركيب تقييدي خلافا لمن جعله مجموع الجزئين واعتبر التركيب مزجيا وبيان مقالته إن الله (تع) خلق الانسان في أحسن تقويم وجعله في الأرض خليفة وخصه بالتكريم وآتاه الحكمة وفصل الخطاب ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب وقد ورد عن الصادقين صلى الله عليه وآله تفسير الحكمة بوجوه متقاربة يعمها جميعا ما قيل إنها خروج النفس إلى كمالها الممكن في قوتيها العلمية والعملية معا فهي مركبة من جزئين علم هو تصور حقايق الموجودات والتصديق بأحكامها وما يتبع ذلك وعمل هو ممارسة الحركات الإرادية ومزاولة الصناعات الاختيارية لاخراج ما في القوة إلى الفعل على وجه يؤدي إلى صلاح المعاش والمعاد وينقسم الجزء العلمي بحسب المعلومات إلى قسمين لأنها إما أن يتوقف وجودها على الحركات الإرادية الانسانية أو لا ويسمى الأول حكمة

صفحہ 3

عملية لتعلقها بالعمل والثاني حكمة نظرية تسمية للنوع بوصف جنسه وتنقسم الحكمة النظرية في معلوماتها أيضا بحسب مفارقتها للمادة مطلقا وملابستها لها في الوجود فقط أو فيه وفي التعقل جميعا أقساما ثلاثة فالعلم بما يفارق المادة فيهما هو الإلهي وبما يلابسها في الوجود دون التعقل هو الرياضي وبما يلابسها فيهما هو الطبيعي ويبحث في الأول عن المجردات كالواجب وصفاته والعقول والنفوس ويتبعه الكلام في النبوة والإمامة والمعاد وعن الأمور العامة كالوجود والعدم والحدوث والقدم والوحدة والكثرة ونحوها وربما يخص العلم بالمجردات باسم الإلهي ويسمى العلم بالأمور العامة بالفلسفة الأولى ويطلق على المجموع علم ما بعد الطبيعة وفي الثاني عن المقادير وهو الهندسة وعن الأعداد وهو الحساب وعن أوضاع الأجرام العلوية وهو الهيئة عن النسب التأليفية وهو الموسيقى وفي الثالث عن مبادي المتغيرات كالزمان والمكان والحركة والسكون وعن الأجسام البسيطة والمركبة وتبذل الصور على المواد وعلل حدوث الحوادث ونحوها وربما ينوع أنواعا ويخص كل منها باسم تقليلا للانتشار وتسهيلا للضبط كما يسمى البحث عن البسائط العلوية والسفلية بعلم السماء والعالم وعن الأركان والعناصر وتوارد الصور على المادة المشتركة بالكون والفساد وعن كائنات الجو كالرعد والبرق والمطر وثواني النجوم كالشهب والنيازك وبعض الأرضيات كالزلزلة والخسف بالآثار العلوية وعن المركبات التامة وكيفية تركيبها وما يتعلق بذلك بعلم المعادن والنبات والحيوان والنفس ومن فروع القسم الرياضي المناظر والجبر والمقابلة وجر الأثقال ونحوها ومن فروع الطبيعي الطب وأحكام النجوم والفلاحة وأما الحكمة العملية فتنقسم بحسب المأخذ إلى قسمين ما يؤخذ من العقل من دون توقف على غيره وما يؤخذ من الشرع والأول إما أن تكون مصلحته المقصودة بالذات مقصورة على العامل بخصوصه وهو علم الأخلاق أو عليه وعلى من يختص به أتم اختصاص كالمشارك له في المنزل مثل الزوجة والولد والخادم وهو تدبير المنزل أو يعم غيرهم ممن يساكنهم في المدينة أو يجاورهم فيها وهو السياسات المدنية فهذه الأقسام مما يستقل به العقول الكاملة وقد ورد في جميع ذلك عن الشارع الحكيم مما يصدق حكم العقل وينبه عليه ويؤكده ويزيده وضوحا ما يقطع العذر والحاجة إلى الأقسام الثلاثة ماسة جدا أما الأول فلأن القوى النفسانية التي هي مبادي الأفعال الاختيارية و الحركات الإرادية متخالفة متدافعة جدا كما سبق وعائقة عن الوصول إلى مرتبة الكمال الانساني بل ناكبة بذويها إلى أسفل سافلين فإن الافراط في الشهوة مثلا ملحق لصاحبها بمرتبة البهائم التي همها شهواتها وفي الغضب بمرتبة السباع التي همها الغلبة والافتراس والتفريط فيهما بمرتبة الجمادات الفاقدة لقوة التوليد والانتصار بل البهيمة والسبع والجماد خير منه في هذه الحيثية لأنها لم تفوت على أنفسها كمالا فترتيب هذه الدواعي المتعاضدة على وجه يتحقق بينها المسالمة وتصدر أفعالها منتظمة من أهم المهمات والعلم بكيفية هذا الترتيب وتضعيف القوى منها وتقوية الضعيف بحيث تتعادل وتتساوى من أشرف العلوم وأما الأخيرين فلأن الانسان لا بد له من زوجة بها يدافع سلطان الشهوة ويستعمل القوة المولدة ويستعين بها على بعض أموره وحينئذ يحصل الولد وتشتد الحاجة إلى الخادم ولا بد من النظر في مصالحهم ومصالح المسكن الذي يأوون إليه ويدخر فيه اقواتهم فتتكثر الحوائج بحيث يتعسر على الواحد القيام بها إن أمكن فلا بد له من الاجتماع بعدة من أبناء نوعه يتعاونون جميعا على مصالح المعيشة ونعني بالمدنية محل هذا الاجتماع وحيث إنه مظنة الهرج والفساد لغلبة النفوس الشريرة الخارجة عن الاعتدال فلا بد من سياسات عدلية يتفق عليها الجميع طوعا أو كرها بها يستقيم أمر الاجتماع ويحصل الغرض المطلوب منه وهو الصلاح النوع الانساني وتوجهه إلى ما خلق لأجله من السعادة الباقية والعيشة الراضية وأما ما يؤخذ من الشرع فينقسم أيضا بالتقسيم المذكور إلى العبادات والمناكحات والمعاملات والسياسات الشرعية والعلم بها هو المختص باسم الفقه في عرف الأخيرين فصار علم الأحكام الشرعية التي هي خطابات الشارع أو مدلولاتها المتعلقة بأفعال المكلفين من أقسام الحكمة العملية وعطفها عليها فيما سيأتي من قبيل عطف جبرئيل وميكائيل على الملائكة والعقل وإن كان مما يستقل بادراك بعض كلياتها ومجملاتها مثل حسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ووجوب رد الأمانة وحرمة الغصب إلا أن تفاصيلها وحدودها لا تكاد تعرف إلا من جهة الشرع ولا مدخل لعقولنا وآرائنا فيها بوجه من الوجوه فهذا بيان الحكمة وشرح ماهيتها بجزئيها العلم والعمل والحكيم الكامل هو المستجمع لهما الراسخ علمه بالعمل وهو العالم الصغير المنطوي فيه ما في العالم الأكبر والكتاب المبين الذي بآياته يظهر المضمر والآدم الذي خمر الله طينته بيده أربعين صباحا أو عاما وخلقه على صورته وأسجد له ملائكته تعظيما له واكراما وهو الانسان المطلق موجود بما هو انسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان لتحققه ظاهرا وباطنا بخاصيته الانسانية التي بها يمتاز عن سائر الممكنات ومن عداه انسان في الظاهر حيوان في الباطن بحسب الخلق الغالب عليه وفي كلام أهل البيت صلى الله عليه وآله إشارات جلية إلى ذلك والمقتصر على أحدهما ناقص مطعون على قدر نقصه وقد ورد في الانكار والتشديد عليه ما ورد ففي الحديث لا علم إلا بعمل ولا عمل إلا بمعرفة وأن العلم بلا عمل وبال والعمل بلا علم ضلال وفيه أن العالم التارك لعلمه أشد الناس حسرة يوم القيامة وأن أهل النار ليتأذون من ريحه وأن العامل على غير بصيرة كالساير على غير الطريق لا يزيده كثرة السير إلا بعدا وتبين مما تقدم أن الحكمة العملية من أشد العلوم حاجة إليها ومن ثم يقال بوجوب تحصيلها عينا في الجملة وأوثقها حجة فإن الأدلة الشرعية والوجدانيات التي لا ريب فيها من أقوى البينات وأشرفها موضوعا وهي النفس

صفحہ 4

الانسانية من حيث صدور الأعمال عنها جميلة أو قبيحة وغاية لأنها ترقية النفس الناقصة التي هي أخس الموجودات إلى مرتبة الخلافة التي هي أشرف المراتب الممكنة ومن ثم سميت الإكسير الأعظم وربما يعبر عنها في كتب الأقدمين بالطب الروحاني لأنها تحفظ الكمال على النفوس الكاملة كما تحفظ الصحة على الأمزجة الصحيحة في الطب الطبيعي وتأخذ بالنفوس الناقصة إلى الاعتدال بإزالة الذمايم التي هي أمراض الأرواح كما قال (تع) في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا وقال صم بكم عمي فهم لا يعقلون و وللمصنف قدس الله روحه كتب جيدة مبسوطة ومتوسطة في أقسام الحكمتين ثم رجع إلى مطولاته في الحكمة النظرية فانتخب مهماته في متون وجيزة وهذه أيضا نخبة وجيزة في الحكمة العملية والأحكام الشرعية على ما ورد به الكتاب والسنة وهي ما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله كما سبق وآثار الأئمة الاثني عشرا و المقتدى بهم من أهل بيت العصمة ومن اقتبس من أنوارهم (ع) من المشايخ الموثقين فإن الاقتداء بهم فيما يتسامح فيه من الآداب والسنن وفضايل الأعمال مما لم يثبت عن أهل العصمة صلى الله عليه وآله خلافه مما لا ضير فيه وكلها راجعة إلى السنة وفيه إشارة إلى حصر الأدلة الشرعية في الكتاب والسنة وأما الاجماع ودليل العقل والاستصحاب فما يصلح منها للحجية وهو من الأول ما بلغ مبلغا يعلم دخول المعصوم فيه المرادف لضرورة الدين أو المذهب أو المتاخم لها ومن الأخيرين ما ينطبق على قواعد الكتاب أو السنة فهي غير خارجة عنهما وما عدا ذلك لا تعويل عليه كما صرح به في غير موضع وهذه النخبة تفصل بين ما وضح دليله منهما وهو ما يتوصل بصحيح النظر فيه إليه بوضوح دلالته من غير ابهام سواء كانت مطابقية أو تضمنية أو التزامية على تشكيك في الأخيرتين لا يصغى إليه وبأن سبيله بخلوصه عن المعارض ابتداء أو بعد الترجيح بالوجوه المأثورة الآتية مما لا ريب فيه لحصول العلم الشرعي به الموجب للعمل ولا ينافي ذلك ظنية الدلالة أو الطريق لأن المعلوم إنما هو وجوب العمل فهو غير المظنون وهذه هي الأحكام الموردة فيها على وجه الفتوى والجزم وبين ما أبهم مأخذه وأظلم مسلكه بصيغة المعلوم في الفعلين واقحام البين للفصل الكثير بين المتعاطفين مما يتشابه الأمر فيه لفقد الدليل أو وجود المعارض حيث لا ترجيح وهذه هي المشفوعة بالإشارة إلى نوع من التردد مع بيان ما يحصل به يقين البراءة والخروج عن العهدة ليكون العامل على بصيرة من الأخذ باليقين والاحتياط في أمور الدين إذ ورد في الأمر بذلك ما ورد فعن أمير المؤمنين (ع) أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت و في الصحيح عن عبد الرحمن الحجاج قال سألت أبا الحسن (ع) عن رجلين أصابا صيدا وهما محرمان الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء فقال لا بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد قلت إن بعض أصحابنا سئلني عن ذلك فلم أدر ما عليه فقال إذا أصبتم مثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسئلوا عنه فتعلموا وفي مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (ع) في الرجلين المتنازعين قلت فإن كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا ناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلف في حديثكم قال الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر قال قلت فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه قال فقال ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه وإنما الأمور ثلاثة أمر بين رشده فيتبع وأمر بين غيه فيتجنب وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله قال رسول الله صلى الله عليه وآله حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم قلت فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة قلت جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ قال ما خالف العامة ففيه الرشاد فقلت جعلت فداك فإن وافقهم الخبران جميعا قال ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر قلت فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا قال إذا كان ذلك فارجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات وفي بعض خطب أمير المؤمنين (ع) إن الله حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تنقضوها وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تكلفوها رحمة من الله لكم فلا تكلفوها فاقبلوها ثم قال (ع) حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له ترك والمعاصي حمى الله فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها وفي معناها روايات أخر وقد دخلت الشبهة على عصبته من الآخرين في تحقيق الشبهة وذلك أنهم اتفقوا في مفهومها وأنه كل ما فيه اشتباه وخفاء وزعموا أن ذلك حقيقتها الشرعية والعرفية واللغوية وهو مقتضى مقابلته بالبين في أحاديث التثليث وعلى صدقها على ما تعارضت فيه الأدلة واختلفوا في شمولها لما لا نص فيه فمن قائل إنه ليس بالحلال البين ولا بالحرام البين لأن البيان إنما هو بالنص والفرض انتفاؤه فيندرج تحت الشبهات وإلا لاختل التقسيم وأيضا قد ورد الأمر بالاحتياط في الصحيحة فيما لا نص فيه وفي المقبولة وما في معناها في الشبهات على وجه يفيد القصر بالقرائن والاجماع على أنه للاحتياط في غير الشبهات و زعموا أنه المراد بالمسكوت عنه في كلام أمير المؤمنين (ع) وهو ظاهر المصنف هنا وصريحه في غيره ومن قائل إن حديثي التثليث اللذين فيهما ذكر الشبهات إنما يدلان على ثبوت شبهات بين الحلال البين والحرام البين ولا دلالة فيهما على أن كل ما بينهما شبهة لفقد ما يدل على العموم والمهملة في قوة الجزئية فيكفي تحققها في ضمن المتفق عليه وهو ما تعارضت فيه الأدلة أو يخص التثليث بغير المسكوت عنه وأما المسكوت عنه فهو مباح رحمة من الله على عباده للعمومات الدالة على إباحة ما لا نص فيه وخارج عن مجرى هذا التقسيم

صفحہ 5

لأنه (ع) وسع في المسكوت عنه وضيق في الشبهات فدخوله فيها يوجب التناقض في الكلام والصحيحة إنما تضمنت الأمر بالاحتياط عن الفتوى في المسائل الشرعية للجاهل بأحكامها ولا دلالة فيها على أكثر من ذلك و هذا معنى متفق عليه لا ارتباط له بموضع البحث هذه خلاصة كلماتهم مع تتميم وفصل الخطاب في هذا الباب يتوقف على تحرير محل النزاع أولا فاعلم أنه إن أريد بالنص المنفي فيما لا نص فيه النص الخاص بالأمر المبحوث عنه فاطلاق الحكم باندراجه في الشبهات ممنوع كما أن اطلاق الحكم بخروجه عنها كذلك وذلك لانقسامه إلى قسمين أحدهما ما لا يمكن ادراجه تحت شئ من عمومات الكتاب والسنة وهذا من الشبهات والمشكلات الذي التي يرد علمها إلى الله ورسوله ويحتاط فيها في العمل والآخر ما يمكن ادراجه تحت شئ منها وهذا يشمله حكم ذلك العموم ويلتحق بأحد الأمرين البينين ما لم يتعارض فيه عمومان وحينئذ يندرج في الشبهات ويحتاط فيها علما وعملا وانحصار البيان في النص الخاص ممنوع كما يشهد بذلك مراجعة طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم وتبين من هذا البيان حال ما لو أريد بالنص ما يعم العمومات وحمل الكلام على المهملة مما يخل بفائدته على أن حديث تقسيم الأمور مشتمل على صريح الحصر ونقله (ع) بعد ذلك حديث التثليث في مقام الاستدلال كما هو الظاهر كالصريح في إرادة التقسيم الحاصر وإلا لاختل الاستدلال فظهر أن اخراج ما لا نص فيه عن مجرى التقسيم وتخصيصه بغير المسكوت عنه غير جيد واطلاق الحكم بأن المسكوت عنه وهو ما لا نص فيه مباح للعمومات الدالة على إباحة ما لا نص فيه غير مقبول بل الوجه التفصيل بأنه إن شملته عمومات الإباحة فهو مباح بين الحكم غير مسكوت عنه كما قدمنا وإن لم تشمله كما في مسألة عبد الرحمن فلا معنى للحكم بالإباحة والقول بأنها خارجة عن المبحث فكلام خال عن التحصيل لأن المسألة المجهولة الحكم لا شبهة أنها عند الجاهل بها مما لا نص فيه لأن المراد به ما لم يبلغنا فيه عن الشارع حكم معين لا ما ليس له حكم في الواقع لأنه لا وجود له في نفس الأمر إذ ما من شئ إلا ورد فيه كتاب أو سنة وإن لم يبلغنا كله كما تظافرت به الروايات وهذا من الأمر بين الأمرين فليكن منك على ذكر وأما المسكوت عنه في حديث أمير المؤمنين (ع) فيشبه أن يكون المراد به ما ليس له ذكر صريح في ظاهر القرآن مثل الكلام في حقيقة الروح والبحث عن ماهية كلام الله وحدوثه وقدمه وغير ذلك من الصفات مما يخوض فيه الفضوليون من القاصرين وقد وضعه الله عنهم رحمة لهم و يسرا بهم فإن تكلف ذلك منهي عنه ولا سيما للنفوس الناقصة بل الأصلح لهم الاكتفاء بالايمان المرسل والتصديق المجمل وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بأصحابه وهم يخوضون فغضب حتى احمرت وجنتاه ثم قال أفبهذا أمرتم تضربون كتاب الله بعضه ببعض انظروا إلى ما أمركم الله به فافعلوا وما نهيكم عنه فانتهوا وعن أبي عبد الله (ع) في جواب من سأله أن يكتب إليه بالمذهب الصحيح في التوحيد اعلم رحمك الله أن المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات فانف عن الله البطلان والتشبيه هو الله الثابت الموجود تعالى الله عما يصفه الواصفون ولا تعدوا القرآن فتضلوا بعد البيان وفيهما دلالة واضحة على ما قلناه وإذ لا سبيل لنا إلى القطع في الشبهات لابهام المأخذ واظلام المسلك فالأمور بحسب القسمة الحاصرة الأولى بالنسبة إلينا قسمان محكم ومتشابه وبحسب الثانية ثلاثة أقسام هذا في الحلال والحرام وكذلك في الفرض والنفل ففرض بين ونفل بين وشبهات يتردد أمرها بينهما من أتى بها نجا يقينا من ترك الفرايض احتمالا ومن تركها وقع فيه فهلك من حيث لا يعلم ومن هنا يعلم أنه كلما وقع الاشتباه بين فعلين وجوديين يعلم وقوع التكليف بأحدهما يقينا ولا يعلم يقينا فالأخذ باليقين يأتي بهما جميعا تحريا للنجاة وحذر من الوقوع في ترك الفرائض يقينا وما يقال في المنع من أن الاتيان بفرد من الأفراد المشكوكة ينفي اليقين ببقاء التكليف وينفي احتماله بالأصل فتشكيك شارح الدروس لا يلتفت إليه الحازم الورع وإذ قد بينا الأمر في الأحكام الشرعية على أساس التثليث واقتصرنا في مداركها على القرآن والحديث فارتفع الخلاف أو قل ونجونا عما نهينا عنه من القول بالرأي والجزاف إلا من زل فإن أكثر الاختلافات الواقعة في الفروع إنما نشأت من الخوض في المتشابهات التي يضطر الناظر فيها إلى الاستمداد بالرأي المتلون السيال الذي لا يقف على حد ولا على حال ومن ثم ترى اختلاف الفتوى عن عصابتنا الأخباريين أقل منه عن الأصوليين لابهامنا ما أبهم الله وسكوتنا عما سكت الله و اقتصارنا على البين المحكم وردنا ما سواه إلى الله والرسول وأولي الأمر فإنهم أعلم وفي الحديث من عمل بما علم كفى ما لا يعلم قال المصنف طاب ثراه في سفينة النجاة ولعلك تقول إن الحكم في كل مسألة واحدة في نفس الأمر كما هو مذهب أهل الحق والأحكام الشرعية إنما تراد معرفتها للعمل وحاجة المكلفين إليها جميعا سواء فما الوجه في اخفاء بعض المسائل وابهامه فتقول إن الحكمة في أكثر الأمور الشرعية غير معلومة لنا إلا أنه يمكننا أن نشير ههنا إلى ما يمكننا يكسر سورة استبعادك بأن نقول يحتمل أن يكون من الحكم في المتشابه المحتاط فيه أنه يتميز المتقي المتدين باحتياطه في الدين وعدم رتاعه حول الحمى خوفا عن الوقوع فيه ممن لا تقوى له ويجترئ في الرتاع حوله ولا يبالي بالوقوع فيه فتتفاضل بذلك درجات الناس ومراتبهم في الدين فكما أن تارك الشبهات في الحلال والحرام وفاعلها في الفرض والنفل ليس كالهالك من حيث لا يعلم فكذا الهالك من حيث لا يعلم ليس كالهالك من حيث يعلم فالناس ثلاث فرق مترتبين وأن يكون من الحكم في المتشابه المخير فيه أن يتوسع التكليف لجمهور الناس باثبات التخيير في كثير من الأحكام وهذه رحمة من الله عز وجل وبه تختلف مراتب التكليف باختلاف مراتب الناس في العقل والمعرفة ولعل أمير المؤمنين (ع) إلى هذا أشار بقوله فلا تكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها وما لا نعلم من الحكم أكثر مما نعلم هذا كلامه زيد اكرامه ولا تعبؤ فيما لا يتسامح فيه بقول من لا نقف على برهان له به من الكتاب والسنة وإن كان ذلك القول في الأخيرين مشهورا لأن أكثر الأقوال المشهورة بين الآخرين إنما حدثت شهرتها من الشيخ الطوسي (ره) كما حققه العلامة والشهيد الثاني (رض) وذلك لأن الفقهاء الذين نشؤوا بعده كانوا يتبعونه ولا يجترؤون على مخالفته لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنهم به فكانوا يفتون ويعملون

صفحہ 6

على وفق مذاهبه وتحقيقاته فلما جاء المتأخرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ ومن بعده فحسبوا ذلك شهرة بين العلماء وما فطنوا أن مرجعها إلى الشيخ وأن الشهرة إنما حصلت بمتابعته وتخطى ذلك قوم وسموها اجماعا وفي الكلام إيماء إلى أن الشهرة بين الأولين من أصحاب الأئمة صلى الله عليه وآله وأرباب النصوص ليست حالها على هذا المنوال وهو كذلك لأن المفهوم من سيرهم وأحوالهم بالتتبع أنهم كانوا يتثبتون كثيرا ويراجعون المعصوم في جلائل الأمور ودقائقها ولا يتسارعون إلى الحكم والفتوى في المسائل إلا بثبت مركون إليه ودليل مقبول يسوغ التعويل عليه فاشتهار الحكم بينهم مما يستبعد جدا أن يقع جزافا بل الذي يقوى في النفس أنهم أخذوه عن الحجة بإحدى الطرق المعتبرة ومع ذلك كله فلا تنهض حجة فيما لا يتسامح فيه و المستيقن لا يفارق الاحتياط في العمل ما أمكن على أن البحث عنها قليل الجدوى إذ معرفة المشهور بينهم في آحاد المسائل التي يختلف فيها الآن مما كاد يلحق بالمحالات لأن كتبهم في الفتاوى المجردة قليلة جدا وإنما يوجد نبذ منها متفرقة في أسفار الناقلين كما في كتاب الكافي وغيره كالفقيه والتهذيب ولا يبعد أن تكون الإشارة إلى هذا فإن روى صاحب العوالي مرفوعا عن زرارة بن أعين قال سألت أبا جعفر (ع) فقلت جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ فقال (ع) يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر فقلت يا سيدي أنهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم فقال (ع) خذ بقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك فقلت إنهما معا عدلان مرضيان موثقان فقال انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه وخذ بما خالفهم قلت ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف أصنع فقال إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط فقلت إنهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع فقال (ع) إذن فتخير أحدهما فتأخذ به وتدع الآخر قال وفي رواية أنه (ع) قال إذن فارجه حتى تلقي إمامك وتسئله وهي صريحة في التعويل على الشهرة فكيف ينفى الاعتداد بها بقسميها قلت المعول عليه في الحديث إنما هو اشتهار الرواية بين أصحابه دون اشتهار القول المجرد عن البرهان بين القائلين به وكذا لا نعتد باجماع يدعى في محل الخلاف كما كثر من ابن إدريس والمحقق الثاني وبعض من تقدمهما فإنه ليس إلا زورا إذ المجمع عليه لا ريب فيه كما تقدم في المقبولة وفي معناها مرسلة الإحتجاج فكيف يشتبه بالمتنازع فيه وقد يوجه للذب عن هؤلاء الأجلة قدس الله أرواحهم بوجوه مثل أن مرادهم الشهرة كما سبق سواء ألحقناها به في الحجية أم لا أو تأويل الخلاف على وجه يمكن مجامعته لدعوى الاجماع وإن بعد كجعل الحكم من باب التخيير أو عدم اعتداد مدعيه بخلاف معلوم النسب أو اطلاعه في عصره على الخلاف وهو الذي ارتضاه المصنف (ره) في المفاتيح وغيره ويرد عليها جميعا عدم الاطراد لما اتفق منهم كثيرا من ادعائه على ما لم يبلغ حد الشهرة وفي مواضع لا تكاد تنالها أيدي التأويل وقدحهم في الاجماع تارة بخلاف معلوم النسب وعدم اعتدادهم بمخالفة مجهوله أخرى على أنه لا فرق بين معلومه ومجهوله إذ المقدمة التي بنوا عليها أمر الاجماع وهو قبح الاجتماع على الخطأ على تقدير تسليمها تهدم في الصورتين كما بيناه في شرح المفاتيح وربما يكون المدعي هو الناقل للخلاف أو هو المخالف وربما تتعارض الدعويان مع اتحاد المدعي والحق أنه وإن تقاصر كل منها عن شمول هذه الاجماعات إلا أنها غير خارجة عن مجموعها كما لا يخفى على المتتبع وأكثر الاجماعات المنقولة في المسائل النظرية من هذا القبيل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل مقدمة في تقسيم العلم بوجه آخر غير ما تقدم في ضمن تقسيم الحكمة وبيان مرتبة كل قسم وآداب العالم والمتعلم فهي يسيرة الألفاظ كثيرة الفوائد والتنوين للتحقير أو التعظيم العلم هو حصول الصورة في الذهن أو الصورة الحاصلة فيه أو انتقاشها بها وهذا الحد ينطبق طردا وعكسا على جميع أنواعه بتصوراتها وتصديقاتها وهي وإن كانت كثيرة إلا أن مجامعها علمان علم الدنيا وعلم الآخرة وعلم الدنيا ما يرتبط به مصالح الدنيا كالطب والحساب وعلم الآخرة علمان أحدهما علم يقصد لذاته وهو العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو إما تحقيقي أو تقليدي فالتحقيقي نور يظهر في القلب عند تطهيره وتذكيته من ذمائمه فينشرح للحق فيشاهد بذلك النور و والانشراح الغيب ففي الحديث النبوي ليس العلم بكثرة التعلم وإنما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه وفيه ما من عبد إلا ولقلبه عينان وهما غيب يدرك بهما الغيب فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عيني قلبه فيرى ما هو غايب عن بصره فعند ذلك ينكشف عليه أمور كان يسمع من قبل أسماءها ويتوهم لها معاني مجملة غير متضحة فيتضح له جميع ذلك حتى تحصل له المعرفة التامة بذات الله وبصفاته وأفعاله و حكمته ومعنى النبوة والإمامة والوحي وكيفية وصوله إلى النبي وحديث الملك مع الإمام ومعنى الآخرة والجنة و النار وما يتعلق بهما إلى غير ذلك فإن للناس في تصور حقايق هذه الأمور بعد التصديق بأصولها مقامات متفاوتة ودرجات متفاضلة فنعني بالعلم المقصود لذاته أن يرتفع الغطاء حتى يتضح جلية الحق في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا شك فيه كما في حديث أمير المؤمنين (ع) لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا ولم أعبد ربا لم أره لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقايق الايمان وذلك بتفريغ القلب عن الشواغل وتخليته عن الهموم المختلفة المتنوعة وجعلها كلها هما واحدا كما يأتي فيتسع بذلك وينفسح فيحتمل البلاء لسعته وفي الحديث أن أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل ويحفظ السر وهو ما ظفر به من مكنون العلم الصعب المستصعب الذي لا يحتمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه للايمان ولقد بولغ في الحث على كتمان الأسرار والمنع عن الافشاء والإذاعة والهتك بما لا مزيد عليه أما لغموض الأمر وقصور الأفهام العامية عن ادراكه و افشاء مثل هذا وضع للحكمة في غير موضعها كتعليق الدر في أعناق الخنازير وفي الحديث لا تحدثوا الجهال بالحكمة فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ومشغلة لأذهانهم بما لا يرجع إلى طائل وذلك مثل حقيقة الروح التي هي من عالم الملكوت والنفوس الناقصة التي لم يتجاوز عالم الملك بمعزل عن ادراكها

صفحہ 7

وأما لكون الكشف مفسدة للمستمعين وإن كان لا يتعسر عليهم ادراكه وسببا لافتتانهم أو لتفويت مصلحة راعاها الشارع الحكيم في التعبير عن بعض المسميات بغير أسمائها وتصوير بعض المعاني في غير قوالبها المعروفة تمثيلا ورمزا لكون ذلك أوقع في النفوس وأدخل في حصول الغرض المطلوب من الترغيب والترهيب والوعد والوعيد ومن ذلك بيان حقيقة الكسوف والخسوف على النهج المقرر في الهيئة وتأويل الملائكة الجاذبة الدافعة بروحانيات الشمس والبحر المظلم بظل الأرض ونحو ذلك وهذا النوع عريض جدا ويندرج تحته كثير من متشابهات الكتاب والسنة إلا أن الخوض فيه مما يختص بأهله وكان أكابر الصحابة مع ما هم فيه من تقارب المنازل والتشارك في بركة الصحبة يستخفى بعضهم من بعض بسره وفي الحديث لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ولقد آخى رسول الله بينهما فما ظنك بساير الناس وعن أمير المؤمنين (ع) اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة وعنه (ع) حملت عن النبي صلى الله عليه وآله دعامين من العلم أما واحد فبثثته فيكم وأما الآخر فلو بثثته قطع مني هذا البلعوم وسئله كميل بن زياد النخعي وقد بلغك جلالة قدره عن الحقيقة فقال (ع) مالك والحقيقة قال أولست صاحب سرك قال بلى ولكن يرشح عليك ما يطفح مني الحديث ومما نسبه المصنف في كثير من مسفوراته إلى علي بن الحسين صلوات الله عليهما وغيره إلى غيره. إني لأكتم من علمي جواهره كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا. وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين ووصى قبله الحسنا يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا - ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا - وهذا العلم هو المسمى باللدني وعلامته ما ورد في الحديث النبوي وقد سئل صلوات الله عليه عن قوله (تع) فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ما هذا الشرح فقال النور إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفسح قيل يا رسول الله وهل لذلك علامة قال نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتهيؤ للموت قبل نزوله وهو العلم الأفضل بقول مطلق لأنه المقصد الأقصى من الايجاد أو غاية مقاصد السالكين أو هو الغاية للقسم الآخر المقصود للعمل المتوسل به إليه والتقليدي هو تلقي بعض مسائل هذا العلم من صاحب الشرع على قدر الفهم والحوصلة كما وكيفا ثم التدين به و الآخر علم يقصد المعمل ظاهرا وباطنا ليتوسل به إلى ذلك النور وهو العلم بما يقرب إليه (تع) وما يبعد عنه من طاعات الجوارح ومعاصيها ومكارم الأخلاق ومساويها فهو قسمان علم الشرايع وعلم الأخلاق وكله تقليد لصاحب الشرع إما عن بصيرة أو استبصار إلا ما لا يختلف فيه العقول منه وربما يسمى الفقه ومن علاماته ما في حديث الرضا (ع) أن من علامات الفقه الحلم والصمت وليس المراد بالفقه فيه مجرد معرفة الفتاوى في المسائل الفرعية وحفظا لأقوال المختلفة فيها والإحاطة بمتعلقاتها لما يشاهد في ذويها غالبا من العلامة بنقيض ما هو مذكور في الحديث فإنهم أكثر الناس طيشا وهذرا وتصديق الفعل القول إذ به يعرف موافقة الباطن للظاهر والخروج عن ذميمة النفاق وعن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز وجل إنما يخشى الله من عباده العلماء قال يعني بالعلماء من صدق فعله قوله ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم وهذا العلم المقصود للعمل هو الأقدم في الوجود الخارجي بالنسبة إلى تحقيقي الأول لأنه الشرط فيه وفي الحديث من علم وعمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم وفيه إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون وبيان ذلك أن الانسان إذا عمل بمقتضى علمه يؤدي عمله إلى صفاء في قلبه فيستعد لعلم آخر فوق ما علمه أولا ثم إذا عمل بمقتضى هذا العلم يحصل له استعداد آخر وبسببه يحصل علم و انكشاف آخر وهكذا يتزايد العلم قوة وضياء بحسب تتابع الأعمال حتى ينتهى إلى الاهتداء بهدى الله وهو نور اليقين المقصود لذاته قالوا ومثال ذلك من يمشي بمصباح في ظلمة فكلما أضاء له من الطريق قطعة مشى فيها فيصير ذلك المشي سببا لإضاءة قطعة أخرى وهكذا تترادف الأضواء بتعاقب الحركات وتترادف الحركات بتعاقب الأضواء إلى أن يتأدى الماشي إلى الغاية وتنتهي الحركة وبحسب هذه الشرطية والتوسل تعد هذا العلم من علم الآخرة فإن أريد به الدنيا التحق بالدنيا وقد وقد وقع حصر العلم في هذه العلوم الثلاثة الأخروية في الحديث النبوي إنما العلم ثلاثة آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة وما خلاهن فهو فضل قيل الأول إشارة إلى أصول العقايد وأركانها المستفادة من الآيات المحكمات القرآنية والثاني إلى علم آفات النفس وتعديل قواها وتهذيب الأخلاق والثالث إلى علم الشرايع والحلال والحرام ويسمى كل منها علم الدين وعلم الفقه كما مر وأما مجادلة علم الكلام في أصول العقايد والتعمق في الفروع في فتاوي غير منصوصة تستنبط بالرأي فليسا في عرف الأولين من العلم والفقه في شئ بل لم يكن عندهم منهما عين ولا أثر وإنما هما من محدثات الأمور وقد ذكر أبو حامد وغيره في مبدأ نشوءهما وبسبب تدوينها كلاما ملخصه أنه لما انتهت الخلافة إلى أقوام تولوا بغير استحقاق واستيهال واستقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في جميع مجاري أحكامهم وكان العلماء قد تفرعوا العلم الآخرة وتجردوا له وكانوا يتدافعون الفتاوي وما يتعلق بأحكام الخلق وأقبلوا على الله بكنه اجتهادهم فكانوا إذا طلبوهم هربوا وأعرضوا واضطروا الخلفاء إلى الالحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء واقبال الولاة إليهم مع اعراضهم عنهم ما شربوا لطلب العلم توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة فأكبوا على علم الفتاوي وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصلاة منهم فمنهم من حرم ومنهم من أنجح ومن أنجح لم يخل عن ذل الطلب ومهانة الابتذال فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مظلومين طالبين وبعد أن كانوا أعزة بالاعراض عن السلاطين أذلة بالاقبال عليهم إلا من وفقه الله في كل عصر من علماء دينه ثم لما اعتزل واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري وقرر عقايده في العدل و الصفات وغيرهما ونشأ بعده الشيخ أبو الحسن الأشعري واشتغل بالرد عليه وابطال مقالاته وتبع

صفحہ 8

كلا منهما من تبعه وخرجوا من الطريقة الساذجة التي مشى عليها الصحابة والتابعون وأعانهم على ذلك أن نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية فخاض فيها الفريقان وطفقوا في الابرام والنقض وابطال بعضهم مذهب بعض فأخذوا ذلك فتاوسموه الكلام إما لأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه أو أكثرها نزاعا وجدلا ويحكي أنه قتل فيها خلق كثيرا وأولها كما يحكي عن بعض الصحابة قال حضرت ذات يوم مجلس عمر فسأله رجل يا أمير المؤمنين أخبرني عن كلام الله مخلوق أم لا فتعجب عمر وأخذ بيد السائل حتى جاء به إلى أمير المؤمنين (ع) وقال يا أبا الحسن أما تسمع مقالة هذا الرجل فلما سمعها تغير وجهه ثم أقبل إلى عمر وقال إنها فتنة يكون لها شأن تثور في مستقبل الزمان أما أني لو كنت مكانك لقطعت وريديه أو لأنه يورث قدرة على الكلام والزام الخصوم كالمنطق أو لأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين وغيره قد يحصل بالتأمل والمطالعة أو لأنه أكثر العلوم خلافا فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين و الرد عليهم أو لأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم كما يقال للأقوى من الكلامين هذا هو الكلام أو لأنه أشد العلوم تأثيرا في القلب وتغلغلا فيه فسمي الكلام من الكلم وهو الجرح أو لأنهم كانوا يعنونون مباحثه في المدونات بقولهم الكلام في كذا والكلام في كذا وظهر بعد ذلك من الصدور والأمراء من سمع هذه المقالات وقواعد العقايد ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها فعلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام فانكب الناس إلى علم الكلام وأكثروا فيها التصانيف ورتبوا فيها فيها طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات والمقالات وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله والنضال عن الستة وقمع البدعة ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه لما تولد من فتح بابه من التنعضات والخصومات الناشئة من اللداد المفضية إلى تخريب البلاد ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذاهب المجتهدين فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على المسائل الخلافية وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقرير علل المذاهب وتمهيد أصول الفتاوي وأكثروا فيها الفتاوى والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضا إليه ولم يسكتوا عن التعلل والاعتذار بأن ما اشتغلوا به علم الدين وأن لا مطلب لهم سوى القيام بفرض الكفاية تقربا إلى رب العالمين والفطن يعلم أنه لو كان غرضهم ذلك لقدموا عليه فرض العين ترى الواحد منهم إذا سألته عن شئ من فقه الظهار أو اللعان أو السبق ليرد عليك من التفريعات الدقيقة أشياء كثيرة تنقضي الدهور ولا يتفق الاحتياج إلى شئ منها وإذا سألته عن معنى من معاني الاخلاص والتوكل والرضا ونحوهما مما يجب على كل مكلف في كل حال يتوقف في الجواب ويتلجلج في الكلام بل كثيرا من فروض الكفايات فكم من بلد ليس فيه طبيب إلا من أهل الذمة والاحتياج إليه فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه أكثر وقوعا منه إلى هذه التعمقات والفروض التي يتعبون ليلا ونهارا في حفظها ودرسها والبحث عنها ثم لا ترى أحدا يشتغل بالطب و يتهافتون على الفقه الذي شأنه ما عرفت والبلد مشحون من الفقهاء وليس الباعث إلا أن الطب لا يتيسر الوصول به إلى ما يتوصل إليه بالفقه والله المستعان انتهى وليس الغرض اخراج علم الشرايع والفتاوي من الفقه وسلب صدق هذا الاسم المحمود عليه في الشرع عليه بل الفرق بين ما سبيله الكتاب والسنة على الوجه المتقدم وما سبيله الآراء والظنون التي يستمد بها المتعمقون والاجماعات التي حالها ما عرفت والأول معدود من الفقه وإن كان أحط أقسامه و تخصيص هذا الاسم به في عرف الآخرين من قبيل تخصيص اسم الحكمة بالطب الذي هو من فروع أدنى أقسامها أعني الطبيعي كما مر بخلاف الثاني وهذا التفصيل بعينه يجري في المجادلة فإن كانت بالتي هي أحسن دخلت تحت الاستثناء في قوله عز وجل ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن والأمر في قوله (تع) وجادلهم بالتي هي أحسن وإلا فهي المجادلة المذمومة نظير القسم المذموم من فقه الفتاوي وهما مما يقسي القلب ويبعد عن الله عز وجل فإن المتمرن فيهما يعتاد الاستعانة بقوة الشيطنة والخروج عن حد الحكمة والاعتدال في القوة الفكرية إلى افراط الجربزة وجحود ما تستيقن به نفسه وخلط الباطل بالحق إلى غير ذلك من الذمايم تقويا بذلك على ما هو بصدده من الفوز بالغلبة وادراك لذة الظفرة فيقسو قلبه عن قبول الحق إلى أن يعود كالسباع التي همها في الاعتداء ولذتها في الضراوة على من اعترضها وذلك من أقوى الأسباب في البعد عن الله سبحانه والحرمان عن نور الهداية لأنه من أشد أمراض القلوب وفي الحديث لا تخاصموا الناس لدينكم فإن المخاصمة ممرضة للقلب على أنه لا بد أن يعترض المتكلم في فنه الشكوك والشبه وربما يتشبث بدهنه شئ منها إذ الشبهة قد تكون جلية والجواب عنها دقيقا يقصر عن ادراكه فيخرج إلى الشك من اليقين وينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين وعن أمير المؤمنين عليه السلام من طلب الدين بالجدل تزندق وفي حديث آخر الخصومة تمحق الدين وتحبط العمل وتورث الشك وإنما رخص في التكلم لضرورة دفع شبه المعاندين كما في حديث الشامي الذي جاء إلى أبي عبد الله (ع) وقال إني رجل صاحب كلام وفقه وفرايض وقد جئت لمناظرة أصحابك فكلمه أبو عبد الله (ع) ثم التفت إلى يونس بن يعقوب فقال يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته فقال يونس فيا لها من حسرة فقلت جعلت فداك إني سمعتك تنهي عن الكلام وتقول ويل لأصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد وهذا ينساق وهذا لا ينساق وهذا نعقله وهذا لا نعقله فقال أبو عبد الله (ع) إنما قلت ويل لهم إن تركوا ما أقول وذهبوا إلى ما يريدون ثم قال أخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله قال فأدخلت حمران بن أعين والأحول وهشام بن سالم وقيس الماصر وكان عندي أحسنهم كلاما وكان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين (ع) فلما

صفحہ 9

استقر بنا المجلس ورد هشام بن الحكم وهو أول ما اختطت لحيته فوسع له أبو عبد الله (ع) وقال ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ثم قال يا حمران كلم الرجل فكلمه فظهر عليه حمران ثم قال يا طاقي كلمه فكلمه فظهر عليه الأحول ثم قال يا هشام بن سالم كلمه فتعاوقا ثم قال لقيس الماصر كلمه فكلمه فأقبل أبو عبد الله (ع) يضحك من كلامهما مما قد أصاب الشامي فقال للشامي كلم هذا الغلام يعني هشام بن الحكم فكلمه وقطعه واستبصر الشامي ثم التفت أبو عبد الله (ع) إلى حمران فقال تجري الكلام على الأثر فتصيب والتفت إلى هشام بن سالم فقال تريد الأثر ولا تعرفه ثم التفت إلى الأحول فقال قياس رواع تكسر باطلا بباطل إلا أن باطلك أظهر ثم التفت إلى قيس الماصر فقال تتكلم وأقرب ما تكون من الخير عن رسول الله أبعد ما تكون منه تمزج الحق مع الباطل وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل أنت والأحول قفازان حاذقان ثم قال يا هشام لا تكاد تقع تلوي رجليك إذا هممت بالأرض طرت مثلك فليكلم الناس فاتق الزلة والشفاعة من ورائها انشاء الله والحديث مختصر وحيث يرخص فيه للضرورة فليقتصر منه على قدر الحاجة كما في سائر الاضطراريات و ربما وجب حينئذ نصرة للدين وحراسة للمذهب وحماية عن الحق كفاية أو عينا على الماهر بالصنعة الحاذق فيها مثل هشام بن الحكم والاطلاقات السابقة محمولة على الغالب من الأحوال وأفراد المتكلمين فهو كما قيل نظير منع الصبيان عن شاطئ الدجلة شفقة عليهم من الغرق ورخصة الماهر القوي تضاهي رخصة الكاملين في صنعة السباحة إلا أن ههنا موضع غرور ومزلة قدم وهو أن كل ضعيف في عقله يظن بنفسه أنه يقدر على ادراك الحقايق كلها وأنه من جملة الأقوياء فربما يخوضون ويغرقون في بحر الجهات لا من حيث لا يشعرون وهذا الوجه فيما قد ورد من التصريح بالتعميم فيما رواه محمد بن عيسى قال قرأت في كتاب علي بن هلال أنه سئل عن الرجل يعني أبا الحسن (ع) أنهم نهوا عن الكلام في الدين فتأول مواليك المتكلمون بأنه إنما نهى من لا يحسن أن يتكلم فلم ينهه فهل ذلك كما تأولوا أو لا فكتب (ع) المحسن وغير المحسن لا يتكلم فيه فإن إثمه أكبر من نفعه وربما أوردناه يتضح لك أمر المجادلة والتفصيل الذي أشرنا إليه ويتسهل عليك الإحاطة بقسميها ويزيد ذلك بيانا ما ورد أنه ذكر عند أبي عبد الله (ع) الجدال في الدين وأن رسول الله والأئمة صلى الله عليه وآله قد نهوا عنه فقال (ع) لم ينه عنه مطلقا وإنما لكنه نهي عن الجدال بغير التي هي أحسن قيل يا بن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن والتي ليست بأحسن فقال أما الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبه الله (تع) ولكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم وعلى المبطلين أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف في يده حجة له على باطله وأما الضعفاء فتغتم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل وأما الجدال بالتي هي أحسن وهو ما أمر الله به نبيه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت واحياء الله له فقال الله له حاكيا عنه وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم فقال الله في الرد عليه قل يا محمد يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون إلى آخر السورة فأراد الله من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي رميم فق الله قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ا فتعجز من ابتداه لا من شئ أن يعيده بعد أن يبلي بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته ثم قال الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أي إذا كن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب ثم يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما يلي أقدر ثم قال أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم أي إذا كان خلق السماوات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة الباقي فكيف جوزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم والأصعب لديكم ولم تجوزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي قال فهذا الجدال بالتي هي أحسن لأن فيها قطع عذر الكافرين وإزالة شبههم وأما الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجحد حقا لا يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق فهذا هو المحرم لأنك مثله جحد هو حقا وجحدت أنت حقا آخر والحديث مختصر وحق العلم اخلاص النية في طلبه وبذله لله جل جلاله فإن مدار الأعمال على النيات وبسببها يكون العمل تارة خزفة لا قيمة لها وتارة جوهرة لا يعلم قيمتها لعظم قدرها وتارة وبالأعلى صاحبه مكتوبا في ديوان السيئات وإن كان بصورة الواجبات كما يأتي فيجب على كل من طالب العلم وباذله أن يقصد بعمله وجه الله سبحانه وامتثال أمره واستصلاح نفسه وغيره ولا يقصد بذلك شيئا من أغراض الدنيا من مال أو جاه أو شهوة أو امتياز عن أشباه وافتخار وترفع على الأقران أو غير ذلك من المقاصد الفاسدة التي ثمرتها الخذلان من الله عز وجل والبعد عن الدار الآخرة والثواب الدائم فيصير من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وفي الحديث من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار وفيه من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة وعن أبي عبد الله (ع) من تعلم العلم وعمل به وعلم لله دعى في ملكوت السماوات عظيما فقيل تعلم لله وعمل لله وعلم لله واخلاص النية مما يحق في كل عمل وإن كان في العلم أحق والعمل به فيما يطلب للعمل إذ بدون ذلك لا ينفعه عمله في سلامة العاقبة وكان كمن به مرض شديد وهو يعلم كيفية العلاج وترتيب الأدوية فيظن أن ذلك يكفيه في خلاصه عن مرضه ويشفيه بدون العمل به فلا يزال يزداد مرضه حتى يهلكه وفي الحديث لا تطلبوا علم ما

صفحہ 10

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية | اصول