The Life of the Prophet

السيرة النبوية

سلسلة السيرة النبوية_السيرة وبناء الأمة
أعظم مخلوق وطئ الثرى هو محمد ﷺ، وقد جعل الله ﷿ في حياته من العبر والعظات ما يجعل كل ناظر فيها يتعجب منها، ويأخذ من حياته ﵊ نبراسًا يستضيء به، فهو شخصية عظيمة جدًا، كيف لا وهو خاتم الأنبياء والمرسلين ﵊، وكل حركة من حركاته مؤيدة بالوحي.

1 / 1

عظم مكانة النبي ﷺ وكبير مقامه بين الخلق
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فها نحن اليوم مع موضوع من أهم الموضوعات في حياة المسلمين، بل في حياة الأرض بأكملها، نحن مع سيرة رجل هو أعظم رجل خلقه الله ﷿ منذ خلق آدم وإلى يوم القيامة.
الناس عادة يتفوقون في مجال ويتأخرون في آخر، لكن هذا الرجل تفوق في كل مجال، تفوق في عبادته، في معاملاته، في شجاعته، في كرمه، في حلمه، في زهده، في حكمته، في ذكائه، في تواضعه، في كل شيء، إن هذا الرجل بحق قد سبق غيره! فمع سيرة الإنسان الذي خاطبه الله ﷿ وقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
بل قد أقسم الله جل وعلا بحياة هذا الرجل فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
مع سيرة الرجل الذي لن يحاسب الله ﷿ الخلائق يوم القيامة إلا عندما يشفع لهم، وكل نبي في الموقف لن يشفع حتى لأتباعه المؤمنين به إلا بعد أن يشفع هذا الرجل.
مع سيرة الرجل الذي لن ندخل الجنة إلا خلفه، ولن نروى يوم القيامة إلا من حوضه وكوثره، وهذا متوقف على معرفتنا بسيرته ونهجه، واتباعنا له فيهما، فإن صنعنا ذلك كانت لنا النجاة في الدنيا والآخرة، وإن جهلنا طريقته أو خالفناها قيل لنا: سحقًا سحقًا.
نحن أمام سيرة رسول الله ﷺ، الماحي الذي محا الله ﷿ به الكفر، وأول من يبعث من الخلائق يوم القيامة، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب المقام المحمود والحوض المورود ﷺ.
أمام سيرة الرجل الذي فتحت له أبواب السماء ليخترقها بجسده إلى ما بعدها، لما صعد رسول الله ﷺ مع جبريل في رحلة المعراج إلى السماء وطرق الباب أجاب الملك فقال: (من؟ قال: جبريل.
قال: ومن معك؟ قال: محمد.
قال: أو أرسل إليه؟ قال: نعم) ففتح باب السماء، ودخل رسول الله ﷺ إلى مكان لم يدخله بشر قبل ذلك وهو حي.
نعم، هذا هو الرجل الذي وصل إلى مكان لم يصل إليه بشر، ولم يتجاوزه حتى جبريل الملك العظيم، ويصل إليه رسول الله ﷺ.
إنه الرجل الذي شاهد الجنة والنار بعينه لا بعقله.
ونحن هنا لا نقارن عظمة هذا الرجل ﷺ بعظمة بوذا وكونفوشيوس وهتلر ولينين وستالين كما فعل صاحب كتاب الخالدون المائة، وإن كان قد جعل أعظمهم محمدًا، والعجيب أنك تجد الناس فرحين بذلك الكتاب.
إن مقام هذا الرجل لا يسمح إلا بأن نضعه في مصافِّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ في رتبة أعلى من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وكل أنبياء الله ﷿ عليهم الصلاة والسلام أجمعين، في مقام ضخم جدًا نقارنه بالملائكة أجمعين، بملك الأرزاق، بملك البحار، بملك الجبال، بحملة العرش، بل وبجبريل ﵇، جبريل لما وصل إلى سدرة المنتهى لم يستطع أن يتقدم، وقال لرسول الله ﷺ: (لو تقدمت خطوة لاحترقت)، ولكن الرسول ﷺ مكنه الله ﷿ أن يتقدم، فتقدم للقاء الله ﷿.
إن عظم مقام هذا الرجل جعل له ذكرًا خالدًا، وعلى قدر هذه العظمة يجب أن يكون اهتمامنا بسيرته وحياته، وبكل دقيقة مرت من حياته الشريفة ﷺ.

1 / 2

حال أمة الإسلام في الوقت الحاضر
إخواني في الله! إن دراسة السيرة النبوية مهمة في كل زمان، وهي ولا شك في زماننا أهم، فحال الأمة وما أصيبت به من تصدع وتفكك وانهيار في أجزاء، وانحلال في أجزاء أخرى، ما هو إلا أزمة خطيرة تمر بها أمة الإسلام، ونجد تباينًا كبيرًا بين ما وصف الله ﷿ به هذه الأمة في كتابه الكريم وبين حال الأمة الواقع الذي نراه بأعيننا، فالله ﷿ يقول في كتابه مثلًا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
ويقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
ثم تأتي بعد ذلك لتنظر إلى واقع المسلمين وحالهم، فتجد التأخر في كل المجالات التي يجب أن تنافس أمتنا غيرها فيه، فمثلًا على الصعيد العسكري انظر إلى أي دولة إسلامية، وضع في الحسبان أن على مساحة الأمة الإسلامية أكثر من ستين دولة، تجد أن معظم الدول الإسلامية تسليحها أقل من تسليح الدول المحاربة لها.
ولأول مرة في التاريخ نسمع عن دولة تؤمر بتدمير أسلحتها بنفسها وإلا عوقبت، والدول المحيطة من دول العرب والمسلمين اعتقدت أن هذا هو الطريق الأمثل للنجاة، ثم تتتابع إليها الخطابات الحادة، والكلمات اللاذعة: ما زال هناك سلاح لم يدمر، ما زال هناك سلاح مداه طويل، ما زال هناك سلاح عند عدوك مثله ويصبح الأصل أن تدمر الدولة أسلحتها بنفسها، وإلا عوقبت.
لأول مرة في التاريخ نسمع عن دول توقع على نفسها أنها لا تنتج سلاحًا يمتلكه عدوها، بل ونفتخر بهذا الأمر، ويعلن بصيغة الفخر، وأننا نشارك في هذه المعاهدات، مع أن معظم دول الأرض عندها نفس السلاح، وتصبح منتهى أحلام المسلمين أن ينزع السلاح من إسرائيل فقط، مع أنهم يعلمون أن فرنسا وإنجلترا وأمريكا وروسيا وحتى كوريا تمتلك نفس السلاح، لكن لا ينزع السلاح من هؤلاء.
وما هذا في الحقيقة إلا تأخر عسكري رهيب لم يسبق في تاريخ المسلمين.
أما الجانب الاقتصادي فإن التأخر فيه غير مفهوم مع إمكانيات الأمة الضخمة، فأمة الإسلام مشتهرة بالبترول والمعادن والكميات الهائلة من منتجات المواد الخام، ومن سيطرتها على ممرات بحرية، ولا أحد يعرف ما سبب هذا التخلف الضخم مع كل هذه الأمور؟! كذلك يوجد تأخر علمي، بل فجوة هائلة بيننا وبين غيرنا تقدر بمئات السنين، لا أقول بعشرات السنين أو بآحاد السنين.
تأخر حتى في الوحدة، فلا تجد دولتين مسلمتين إلا وبينهما صراع ونزاع على الحدود.
وهذا أمر يشق كثيرًا على النفس.
حتى في المجال الأخلاقي، نحن دائمًا نقول: إن الحضارة ليست هي الأشياء المادية فقط، ليست السلاح أو المعمار أو الأموال، بل الحضارة أشياء كثيرة مجتمعة مع بعضها، ومن أهمها الأخلاق، ثم انظر إلى الأمور الأخلاقية في العالم الإسلامي، لا تسأل عن كيفية التعامل بين الجيران في البلاد الإسلامية، أو كيف يعامل الموظفون الجمهور، أو ما هي أخبار الرشوة والفساد، وأخبار الإعلام وشاشات الأفلام، والإباحية المفرطة في الأغاني والإعلانات والشوارع وفي كل مكان، حتى في أماكن العلم كالجامعات والمدارس نرى أمورًا كنا نتخيل أنها لا توجد إلا في ملهى ليلي، ثم وجدناها في الجامعة، في مكان العلم، في المكان الذي يفترض أن تركز الناس فيه أكثر تركيز على رفعة هذه الأمة.

1 / 3

عوامل بناء الأمة وتحقيق النصر
من المؤكد أن القرآن حق لا باطل فيه، وصدق لا كذب فيه، فالقرآن يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ويقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].
فإذا كان القرآن صادقًا وحقًا، فالخلل والعيب فينا نحن عندما لم نطبق تعاليمه، ولم نطبق سنة نبينا ﷺ جيدًا، لذلك حصل فينا ما حصل.
وأنا مع هذا كله لا أدعوكم إلى الإحباط، ولكن أدعوكم إلى إعادة بناء الأمة الإسلامية، وترميم الصدع الكبير الذي حدث، فيها، وأقول لكم: هناك أمل كبير في إعادة البناء، بل هناك يقين في إعادة البناء، ووالله لسوف تقوم الأمة من جديد وتنهض؛ لأن هذا ما وعد الله ﷿ به، والله لا يخلف الميعاد، إن الله ﷿ يقول في كتابه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ليس فقط يوم القيامة، بل في الحياة الدنيا أيضًا.
يقول الرسول ﷺ في الحديث الشريف: (إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها) فسيبلغ ملك أمة المسلمين حتمًا مشارق الأرض ومغاربها، فهذا وعد ملك الملوك على لسان الصادق المصدوق ﷺ.
لكن في مسألة اليقين لا بد من الحديث عن نقطتين عليهما محور هذه المسألة.

1 / 4

اليقين الجازم بوعد الله بالنصر
النقطة الأولى: أننا نريد يقينًا مثل يقين الصحابة ﵃ أجمعين خاصة في غزوة الأحزاب، والأحزاب متجمعة حول المدينة المنورة في عشرة آلاف رجل، وهذا رقم ضخم جدًا في زمان الجزيرة العربية وقت رسول الله ﷺ.
ضائقة شديدة جدًا، والرسول ﷺ في وسط هذه الضائقة يضرب الحجر الضخم الذي استعصى على الصحابة ويقول: (الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، والله! إني لأرى قصورها الحمراء الساعة، ثم ضرب الثانية وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس، والله! إني لأرى قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن، والله! إني لأرى قصور صنعاء من مكاني).
تخيل حال الصحابة وهم يسمعون بشرى رسول الله ﷺ بفتح فارس والشام واليمن وهم في هذه الضائقة ماذا كان حالهم؟! أما المؤمنون فقد قالوا كما حكى الله ﷿ عنهم في كتابه الكريم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢].
في هذه الضائقة علموا أن نصر الله ﷿ قريب؛ لأن نصر الله ﷿ يأتي بعد اشتداد الأزمات، لكن المنافقون لما شاهدوا الفجوة الواسعة بين إمكانيات المسلمين في المدينة المنورة، وبين إمكانيات الأحزاب، قالوا كما حكى الله ﷿ عنهم في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، هكذا قال المنافقون لما اعتمدوا في تقييمهم على رؤية الفجوة الواسعة الضخمة بين حال المؤمنين في هذه اللحظة وبين حال الكافرين، لم يقدروا قدر الله ﷿، لم يقدروا عظمة الله ﷿، لم يقدروا قوة الله ﷿، ولما كان المنافقون لا يؤمنون كان هذا هو التقييم اللائق بهم، أما المؤمنون الصادقون الذين يعلمون قدر الله ﷿ وعظمته فقد علموا أن النصر قريب؛ لأن الأزمة اشتدت.
وها هي الأزمة قد اشتدت على الأمة الإسلامية واستحكمت حلقاتها، وسيأتي النصر إن شاء الله رب العالمين.

1 / 5

الدور المنوط بكل فرد وجماعة في بناء الأمة وفق المنهج الشرعي
النقطة الثانية: ما هو دورك في بناء هذه الأمة الإسلامية؟! نحن دائمًا ننتظر أناسًا من الخارج تأتي لتعيد بناء الأمة الإسلامية من جديد، لكن أين الدور الذي كلفك الله ﷿ به لإعادة إعمار الأمة الإسلامية، أو لإعادة ترميم الأمة الإسلامية لكي تعود إلى الصدارة كما وصفها الله ﷿ بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
إن قصر كل الناس في أعمالهم فلن يحاسبك الله ﷿ إلا على تقصيرك أنت فقط، وهذا من عدل الله ﷿.
كل واحد منا يريد أن يعيد بناء الأمة على طريقته، وعلى منهجه، فهناك من يقول: إن كنا نريد أن نعيد بناء الأمة الإسلامية لا بد وأن نأخذ المنهج الاشتراكي، ورغم ما استفاض من أنه منهج خطأ، إلا أن بعض الدول ما زالت مستمرة في النفاح عنه، مع أن الدول التي اخترعته قد تخلت عنه.
ثم جماعة أخرى تقول: نأخذ المنهج الرأسمالي.
وأخرى تقول: نجرب القانون الفرنسي، وأخرى الإنجليزي، وأخرى الإيطالي وهكذا نلملم من الشرق ومن الغرب، ونختلف ونتصارع ونتشاحن؛ لأننا مختلفون على المناهج، فعندما يأتي وقت الاختلاف من نحكم؟ اسمع لنصيحة رسول الله ﷺ في مثل هذا الموقف، يقول ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وصححه عن العرباض بن سارية ﵁ وأرضاه، قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا)، وهذه هي المشكلة التي نحن واقعون فيها الآن، يا ترى بمنهج من نأخذ؟ نأخذ بمنهج الشرق أو الغرب!! ثم قال: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة).
من هنا كانت دراسة حياة رسول الله ﷺ، ودراسة حياة الخلفاء الراشدين المهديين أمرًا حتميًا لمن أراد أن يهتدي إلى الطريق الصحيح لبناء الأمة الإسلامية، ولن ينفع أن نبنيها على غير منهج رسول الله ﷺ.

1 / 6

سبب الاقتصار على ذكر بعض جوانب العهد المكي في حياة النبي ﷺ
في هذه المجموعة من الدروس نتحدث عن جانب من حياة رسول الله ﷺ، وهو العهد المكي من السيرة النبوية، وليس الغرض من وراء هذا المجموعة استقصاء كل واقعة حدثت في حياة رسول الله ﷺ في مكة، فهذا أمر يطول شرحه، ويعجز البيان عن وصفه لأمور:

1 / 7

كثرة الوقائع والتفاصيل المسجلة في حياته ﵊
الأمر الأول: أن الفترة المكية قد سجلت كل وقائعها بدقة، وبالذات منذ مبعث رسول الله ﷺ إلى أن مات، كل لحظة في حياة رسول الله ﷺ منذ أن بعث وإلى أن مات سجلت، ولم تسجل حياة إنسان على وجه الأرض بهذه الدقة، حتى دخل التسجيل إلى أدق تفاصيل حياة الرسول ﷺ، ولعل من حِكَمِ زواجه ﷺ من عدد كبير من النساء: أن ينقلن الحكمة التي تعلمنها من حياة رسول الله ﷺ الشخصية الداخلية التي لا يراها غيرهن، وما هذا التسجيل الضخم الدقيق إلا لأنه ﷺ قدوة كاملة، وليس بعده نبي إلى يوم القيامة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
إذًا: نحن مطالبون باتباع رسول الله ﷺ في كل خطوة من خطوات حياتنا، في رضاه وغضبه ﷺ، في حزنه وسروره، وفي حله وترحاله، إذا رضي فهذا هو الموضع الذي يجب أن نرضى فيه، وإذا غضب فهذا هو الموضع الذي يجب أن نغضب فيه.

1 / 8

التنوع في حياته ﵊
الأمر الثاني الذي جعل إحصاء كل أمر في حياة الرسول ﷺ أمر صعب: التنوع العجيب في حياة رسول الله ﷺ، فتارة يكون مطاردًا معرضًا للأذى والاضطهاد كما في حادث الهجرة، يخرج الرسول ﷺ هو وأبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه فارين من أهل مكة، ورسول الله ﷺ في ذلك مطلوب الرأس، وكذلك أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه، إلى أن يصلا إلى المدينة المنورة بعد أيام من الفرار، وفي نفس سيرة هذا الرجل العظيم ﷺ تجد أنه ممكنّ في الأرض، يرسل الرسائل إلى كل عظماء الأرض: من محمد ﷺ إلى كسرى عظيم فارس.
من محمد ﷺ إلى قيصر عظيم الروم.
إلى المقوقس عظيم مصر.
انظروا الفرق الضخم الهائل بين حالة كان يعيشها ﷺ، وبين حالة أخرى عاشها ذاته، تارة تجد أنه ﷺ يعاهد قومًا، وتارة يحاربهم، تارة يكون فقيرًا معدمًا يربط على بطنه حجرين من الجوع، ولا يوقد في بيته النار ثلاثة أهلة في شهرين، وفي وقت آخر من السيرة تجد أن هذا الرجل ذاته قد أصبح غنيًا تأتيه الأموال من كل بقاع الجزيرة العربية، وينفق الأموال في سبيل الله إنفاقًا غير مسبوق، يعطي هذا مائة من الإبل، وهذا مائة من الإبل، وهذا أكثر، وهذا أقل ينفق إنفاقًا عجيبًا! هذا هو نفس الرجل الذي كان يتعامل مع المشركين واليهود والنصارى والمنافقين والمؤمنين، فتارة ينتصر عليهم، وتارة يهزم.
كل تنوع ممكن يحصل في حياة أمة قد حدث في حياة رسول الله ﷺ.
إذًا: هذا أمر يجعل إحصاء كل مواقف السيرة أمر صعب جدًا، خصوصًا وأنت تريد أن تلاحظ كل هذه المتغيرات في حياة رسول الله ﷺ ضمن مجموعة واحدة من الدروس.

1 / 9

أثره ﷺ في بناء الجيل الفريد الذي غير مجرى التاريخ
الأمر الثالث: أن هناك جيلًا رائعًا عظيمًا عاش مع رسول الله ﷺ، هذا الجيل العظيم خلق أحداثًا لا نهاية لها، تعجز عشرات المجلدات عن حملها.
وهكذا الإنسان العظيم إذا عاش في مجتمع من الناس ليست لهم قيمة يضيع بينهم، لكن الرجل العظيم هو من يعيش في وسط عظماء يتفاعلون معه بصورة إيجابية في كل لحظة من لحظات الحياة، يتحركون بحمية، يفكرون بجدية، يتناقشون بفهم ووعي وإدراك، يفكرون بذكاء، وكل واحد من هؤلاء الصحابة قصة ضخمة في حد ذاته، فهذا أبو بكر مثلًا يحتاج إلى عشرات المجلدات لوصف مواقفه مع رسول الله ﷺ، كذلك عمر وعثمان وعلي وعائشة وحفصة وصفية، وكل المهاجرين والأنصار، آلاف من الكتب والمراجع كتبت عن هؤلاء الصحابة، وكل هذا في النهاية هو جزء من سيرة رسول الله ﷺ.

1 / 10

The Life of the Prophet | اصول