المواقف
المواقف في علم الكلام
وههنا سؤال يستصعبه بعض وذلك السؤال هو أن الاتصال إذا كان جزءا للجسم كما زعمتم فبزواله الذي هو الانفصال تعدم هوية الجسم لانتفاء الكل بانتفاء جزئه فلا يكون الجسم قابلا له أي لزواله أعني الانفصال وإذا كان الجسم قابلا لزواله كما أيضا فلا بد أن يبقى مع زواله وإذا بقي معه فليس هو أي الاتصال جزءا للجسم والحاصل أن كون الجسم قابلا للانفصال الذي هو زوال الاتصال ينافي كون الاتصال جزءا له فقد لزمكم فيما ذهبتم إليه القول باجتماع المتنا فيين وظن المستصعب أن ذلك السؤال مغالطة وقعت من الاشتراك اللفظي فإن الاتصال أي لفظه يقال للصورة الجوهرية التي بها للجسم قبول الامتدادات الثلاثة وهو أمر لا يزول عن الجسم بحال من الأحوال إذ لا يتصور بقاء جسم مع زوال هذه الصورة عنه ويقال أيضا لنفس الامتدادات وهو كم وليس جزءا للجسم لأنه عرض فلا يكون مقوما للجوهر بل عارضا له فلا يلزم من زواله زوال الجسم كما إذا شكل الجسم بأشكال مختلفة المقادير مع بقاء صورته الجسمية بعينها وهو منظور فيه لأن الانفصال كما ينافي الاتصال العرضي ينافي الاتصال الجوهري إذ لا يبقى معه الصورة الجوهرية المخصوصة كما لا تبقى الكمية المعينة وأيضا إذا اقتصر على أن الجسم قابل للكم المتصل وزواله جاز أن يقال ذلك القابل لهما هو الصورة الجوهرية فلا يثبت في الجسم جوهر مغاير لها متصف بهما فلا تثبت الهيولى فما ذكره ليس جوابا للسؤال وجوابه الحق أن قولنا الجسم قابل للاتصال ليس معناه أن شخصا من الجسم باقيا على هويته الشخصية الاتصالية يتوارد عليه اتصال واحد تارة واتصالان آخران تارة أخرى فإنه غير معقول كما ترى وكيف يكون الواحد بالشخص واحدا تارة واثنين أخرى بل مرادنا أن ثمة أمرا يستحفظ الماهية الجسمية دون الهوية الشخصية معلوم البقاء في الأحوال الطارئة على الجسم من الاتصال والانفصال المتعاقبين عليه وتتوارد عليه الهويات الشخصية فتارة تكون معه هوية واحدة اتصالية وتارة هويتان أو أكثر فذلك المستحفظ هو القابل بالحقيقة للاتصال والانفصال وهو مغاير للهويات التي تتجدد بالاتصال والانفصال فإنا نعلم بالضرورة أن الماء الذي في الجرة على تقدير كونه واحدا متصلا في نفسه إذا جعل في الكيزان فقد زالت هويته الشخصية الاتصالية التي لم يكن فيها مفصل أصلا حتى صار شخص واحد أشخاصا متعددة أي زال شخص كان متصلا اتصالا وحدانيا وحصلت أشخاص هي متصلات متعددة لم تكن موجودة في تلك الهوية الاتصالية على ذلك التقدير وثمة أمر باق في الحالين هو معروض تارة لاتصال واحد وتارة لاتصالات متعددة والدليل على أن ثمة أمرا باقيا هو أنه ليس نسبة هذه الأشخاص التي في الكيزان إلى ذلك الشخص الذي كان في الجرة كنسبة سائر الأشخاص من مياه لم تكن في تلك الجرة ولو كان زوال تلك الهوية الشخصية لا بزوال جزء وبقاء جزء آخر بل بانتفاء الأجزاء بالمرة لما كان الأمر كذلك بل كان نسبة هذه الأشخاص كنسبة سائر المياه ولا شك أن الجوهر المتصل الوحداني ليس باقيا فالباقي جوهر آخر يجب أن لا يكون في نفسه متصلا ولا منفصلا ولا واحدا ولا كثيرا كما مر حتى يمكن اتصافه بهذه الأمور كلها فظهر من ذلك أن الجوهر المتصل لو كان قائما بذاته لكان التفريق إعداما له بالكلية وهذا الذي قرره في إثبات الهيولى هو مسلك الانفصال ثم شرع في مسلك الانفصال فقال تنبيه
صفحہ 369