المواقف
المواقف في علم الكلام
واعلم أن هذا البرهان الذي ذكر على إثبات الهيولى لا يتم إلا بإبطال قول من يقول كديمقراطيس وأتباعه مبادئ الأجسام البسيطة أجزاء هي أجسام صغار صلبة متجزئة في الوهم بحسب الجهات الثلاث لكنها غير قابلة للتجزئة الموجبة للانفصال بالفعل في الخارج واتصال الجسم البسيط عبارة عن اجتماع تلك الأجزاء وانفصاله عن افتراقها وكل جزء منها متصل في نفسه بالحقيقة وغير قابل للانفصال الانفكاكي بل للانفصال الوهمي والجسم الذي يقبل الانفصال الفكي كالماء مثلا غير متصل في نفسه بالحقيقة بل بحسب الحس لعجزه عن إدراك المفاصل التي بين تلك الأجزاء فليس ثمة أمر قابل للاتصال والانفصال بل هناك أجسام صغار تجتمع وتفترق ومحصول ما ذكره المصنف أن انتفاء الجزء الذي لا يتجزأ وما فيه حكمه يستلزم أن الجسم إما أن يكون متصلا في نفسه فيكون جسما مفردا أو يكون في تركيبه منتهيا إلى أجسام مفردة فلم لا يجوز أن يكون الجسم البسيط الذي نحن بصدده مركبا من أجسام مفردة قابلة للانقسام الوهمي دون الفكي فلا تثبت الهيولى بالبرهان المذكور لابتنائه على أن الجسم المتصل في نفسه يرد عليه الانفصال الخارجي بل ولا يثبت أيضا الجسم التعليمي لأن تلك الأجسام المفردة لا تتغير أشكالها ومقاديرها وأبطله أي قول هذا القائل ابن سينا بما حاصله أن كل جزء منها أي من تلك الأجزاء القابلة للانقسام الوهمي تحدث فيه القسمة الوهمية إثنينية يكون طباع كل منهما طباع الآخر وطباع الجملة وهو ظاهر وطباع الجزء الآخر الخارج الموافق لها في الماهية بناء على ما ذهب إليه ذلك القائل من أن تلك الأجسام المفردة الصغار متوافقة في الماهية النوعية فيجوز حينئذ على الجزئين المتصلين المفروضين في جزء واحد ما يجوز على الجزئين المنفصلين أعني الجزء الذي قسم والجزء الآخر من الانفصال الرافع للاتحاد والاتصال ويجوز أيضا على المنفصلين ما يجوز على المتصلين من الاتصال الرافع للإثنينية والانفكاكية وذلك لأن هذه الأربعة متوافقة في الماهية فتكون متشاركة إما في الامتناع عن قبول الانفصال والاتصال أو في جواز قبولهما والأول باطل قطعا فتعين الثاني فكل واحد من تلك الأجسام الصغار قابل للاتصال والانفصال اللهم إلا لمانع خارج عنه وذلك المانع لا يكون لازما لماهيته وإلا انحصر نوعه في شخصه وإذا لم يكون لازما فيمكن مفارقته وعند فرض زواله يكون قابلا للانفصال والاتصال بالفعل ويحصل المطلوب الذي هو إثبات الهيولى ومبناه أي مبنى ما ذكره ابن سينا كون الأجزاء التي هي تلك الأجسام الصغار متوافقة في الماهية كما أشرنا إليه وهو ممنوع لجواز أن تكون متخالفة في الماهية بحيث لا يوجد فيها جزءان متوافقان في النوع واستبعاد تركب الماء المتشابه في الحس من أجزاء متخالفة الحقائق بأسرها مما لا يجدي في أمثال هذه المباحث وإن بنى الدليل على تسليم الخصم كان جدليا لا برهانيا ثم نقول وعلى تقدير تماثلها قد يكون تشخص أحدهما مانعا من ذلك القبول أو تشخص الآخر شرطا له فلا يكون الجزء الواحد قابلا للانفصال بين جزئيه المفروضين فيه إما لوجود المانع أو فقدان الشرط وهذا مدفوع بما مر من أن المانع من القبول لا يكون لازما وإلا انحصر النوع في الشخص وإذا لم يكن لازما أمكن الانفصال بالنظر إلى الطبيعة المشتركة وذلك كاف في إثبات المطلوب وربما يعترض على برهان الهيولى ويقال الاتصال هو الوحدة والانفصال هو الكثرة وهما عرضان للجسم خارجان عنه فعليكم ببيان كون الاتصال جزءا من الجسم حتى يثبت تركبه من الاتصال والأمر القابل له فإنا من وراء المنع أي نمنع كونه جزءا منه وهذا الذي يقال فيه التزام لثبوت أمر غير الاتصال قابل له وللانفصال أيضا ويصير النزاع حينئذ في كون الجسم ذلك القابل وحده أو مع هذا الاتصال المقبول ولا شك أن الصورة الاتصالية أي الجوهر الممتد في الجهات الذي تبين بنفي الجزء اتصاله في نفسه أول ما يدرك من جوهرية الجسم أي حقيقته بل هو الجسم في بادئ الرأي المعلوم وجوده بالضرورة والذي يحتاج إلى الإثبات بالدليل هو المادة المتصفة بذلك الجوهر المتصل فإذا سلم ثبوتها وأن هناك جوهرين أحدهما قابل والآخر مقبول فيصير النزاع في أن الجسم ماذا نزاعا لفظيا لا فائدة فيه وأنت تعلم أن هذا إنما يصح إذا سلم ذلك القائل أن هناك جوهرا وراء هذا الجوهر المتصل لكن المشهور أنه يقول إن هذا الجوهر المتصل قائم بنفسه وهو حقيقة الجسم ومحل للاتصال الذي هو الوحدة والانفصال الذي هو الكثرة على معنى أنهما عرضان يحلان فيه على التعاقب كما ذهب إليه أفلاطون من أن آخر ما تنحل إليه الأجسام هو هذا الجوهر المتصل الممتد في الجهات كلها فطريق الرد عليه أنه يلزم من ذلك أن يكون التفريق إعداما للجسم بالكلية وإيجادا لقسمين آخرين من كتم العدم وهو باطل كما سيأتي تحقيقه
صفحہ 367