المواقف
المواقف في علم الكلام
المقصد السابع في دليلهم على إثبات الهيولى والصورة وكون الجسم مركبا منهما قالوا فالجسم البسيط متصل واحد في حد ذاته كما عرفت وهو قابل للانفصال الانفكاكي كما إذا صب ماء الجرة في إنائين فثمة اتصال أي جوهر ممتد في الجهات متصل في نفسه نسميه الصورة الجسمية وندعي أنه أي ذلك الجوهر المتصل ليس بتمام حقيقة الجسم بل ثمة أمر آخر يقوم به الاتصال أي الجوهر المتصل على معنى أنه يختص به اختصاصا ناعتا له فيكون حالا فيه وبيانه أن الجسم المتصل إذا طرأ عليه الانفصال زال اتصاله وصار منفصلا وحينئذ نقول فإن ثمة أمرا قابلا للاتصال تارة والانفصال أخرى وذلك القابل لهما ليس نفس الاتصال ضرورة أن القابل الثابت للشيئين اللذين يزول كل منهما مع حصول الآخر غير كل واحد من الشيئين المتزايلين فالقابل للاتصال والانفصال يغاير كلا منهما أو نقول قابل الاتصال والانفصال باق مع الانفصال والاتصال لا يبقى مع الانفصال فهو غيره أي قابل الاتصال والانفصال غير الاتصال وكيف لا والشيء لا يكون قابلا لنفسه ولا لما ينافيه فهذا الأمر الذي هو قابل للانفصال ومغاير للاتصال هو الذي نسميه بالهيولى الأولى التي تحل فيها الصورة الجسمية فإن كان قبل طريان الانفصال متصفا بالاتصال الواحد حيث كان متصلا واحدا وبعده متصفا بانفصال بل باتصافين حادثين عنده حيث كان حينئذ متصلين وتلخيصه أنهم كما أثبتوا بتوارد المقادير المختلفة على الجسم مع بقاء صورة جوهرية اتصالية قابلة للكميات المتواردة كم الكون المتغير غير الاتصال الباقي بحاله أثبتوا أيضا بتوارد اتصالات مختلفة بالشخص على أمر باق على حاله بالضرورة كون الاتصال المتبدل غير ما يقابله وسموا الاتصال صورة والقابل له مادة والمركب منهما جسما وربما يقال في المعارضة لدليلهم الهيولى على تقدير وجودها إذا كانت واحدة كما قبل الانقسام كانت متصلة لا منفصل فيها وإذا كانت كثيرة بورود الانقسام كانت منفصلة فهي قابلة للاتصال والانفصال فلو اقتضى قبولهما إثبات هيولى كما ذكرتم في الجسم لزم أن يكون للهيولى هيولى أخرى فننقل الكلام إليها ويلزم التسلسل في أمور مرتبة موجودة معا وهو أي هذا الذي ذكر في المعارضة مندفع عنهم بما ذكرنا من التلخيص فإنا أثبتنا كون الاتصال غير القابل للاتصال والانفصال المتعاقبين عليه فلا يلزم للهيولى هيولى أخرى إلا بإثبات أمرين أحدهما أن لها اتصالا مغايرا لهذا الاتصال الذي هو حال فيها حتى تكون هي متصلة في حد ذاتها والثاني أنه أي ذلك الاتصال المغاير يزول عنها ويعود إليها حتى يثبت في ذات الهيولى شيئان الاتصال المغاير وما هو قابل له فيكون للهيولى هيولى أخرى وذلك مما لا سبيل إليه فإن وحدتها أي وحدة الهيولى وكثرتها بحسب ما يعرض لها من الاتصال ويقارنها من الصورة فهي قبل ورود الانفصال واحدة متصلة بالصورة الواحدة الحالة فيها وبعده متكثرة منفصلة بالصور المتعددة الحالة فيها وإلا فهي في نفسها لا واحدة ولا كثيرة ولا متصلة ولا منفصلة إنما هي في ذاتها استعداد محض لا فعل لها في الصفات المذكورة إلا بالصورة فهي متصفة بها تبعا لها لا في حد ذاتها
صفحہ 364