المواقف
المواقف في علم الكلام
الأول التخلخل وهو ازدياد حجم الجسم من غير أن ينضم إليه جسم آخر ويثبته أي يدل على ثبوته أن الماء إذا انجمد صغر حجمه وإذا ذاب عاد إلى حجمه الأول فبين أي ظاهر مكشوف أنه لم يكن انفصل عنه جزء حين صغر حجمه ثم عاد ذلك الجزء أو ما يساويه إليه حين عاد هو إلى حجمه الأول بل صغر حجمه بلا انفصال ثم ازداد بلا انضمام فتحقق التخلخل والتكاثف فيه وأيضا فالقارورة الضيقة الرأس تكب على الماء فلا يدخلها أصلا فإذا مصت مصا قويا وسد رأسها بالإصبع بحيث لا يتصل برأسها هواء من خارج ثم كبت عليه دخلها وبهذا الطريق يملأون الرشاشات الطويلة الأعناق الضيقة المنافذ جدا بماء الورد وما ذلك الدخول لخلاء حدث فيها بأن يخرج المص منها بعض الهواء ويبقى مكان ذلك البعض الخارج خاليا لامتناعه على رأيهم بل لأن المص أخرج بعض الهواء وأحدث في الهواء الباقي تخلخلا فكبر حجمه بحيث شغل مكان الخارج أيضا ثم أوجد فيه أي في ذلك الهواء المتخلخل البرد الذي في الماء تكاثفا فصغر حجمه أو عاد بطبعه إلى مقداره الذي كان له قبل المص فدخل فيه أي في ذلك الزجاج الماء ضرورة امتناع الخلاء فثبت ههنا التخلخل والتكاثف معا أيضا فهذا الذي ذكرناه في إثبات التخلخل يعطي ويثبت أنيته وتحققه ولا يفيد العلم بعلته وأما لميته أي لمية إمكانه وصحته كما ستعرفه فهو أن الهيولى ليس لها في ذاتها مقدار وما لا مقدار له في حد ذاته كان نسبته إلى المقادير كلها على سواء فقد تكون الهيولى في بعض الأشياء كما في العناصر قابلة للمقادير المختلفة تتوارد تلك المقادير عليها بحسب ما يعدها من الأسباب الخارجة عن ذاتها لذلك الوارد عليها من تلك المقادير المختلفة فإذا ورد عليها مقدار أكبر مما كان لها ثبت التخلخل وإذا ورد ما هو أصغر منه ثبت التكاثف ولا يلزم من كون الهيولى لا مقدار لها في ذاتها أن يكون الكل كذلك أي أن يكون كل الأجسام بحيث تتوارد عليه المقادير المختلفة على سبيل البدل لجواز أن يختص البعض من الأجسام بمقدار معين لا يتعداه إلى غيره لأسباب منفصلة تقتضي اختصاصه بذلك المقدار أو يختص البعض بمقدار معين لأن مادته لا تقبل إلا ذلك المقدار المعين كما هو رأيهم في الأفلاك فإن كل واحد منها له مادة مخالفة في الحقيقة لمادة الآخر وكل مادة منها لا تقبل إلا مقدارا مخصوصا عند بعضهم ولما كان القول بأن مادة الأفلاك لا تقبل إلا مقدارا معينا ينافي القول بأن الهيولى لا مقدار لها في نفسها وما كان كذلك تساوت نسبته إلى المقادير كلها عدل عن ذلك بقوله وبالجملة فهذا الذي ذكرناه من حال الهيولى مصحح للتخلخل والتكاثف ولا يلزم من تحققه أي من تحقق المصحح تحقق الأثر حتى يلزم ثبوت التخلخل والتكاثف في جميع الأجسام بل يجوز أن يكون مع المصحح مانع يمتنع به تحقق الأثر كالصور النوعية في الأجسام الفلكية فإن كل واحدة منها تقتضي لزومها لهيولاها واختصاصها بمقدار معين وكالجزئية في الأجسام العنصرية فإن الجزء ما دام جزءا يستحيل أن يكون مقداره مساويا لمقدار كله أما إذا انفصل أمكن أن يتصف بمقدار الكل ولا يجوز الانفصال في أجزاء الفلك عندهم بخلاف العناصر فيتجه عليهم تجويز أن تكون قطرة من البحر حال انفصالها عنه قابلة لمقدار كلية البحر
صفحہ 239