المواقف
المواقف في علم الكلام
الفصل الثاني في مباحث الأين على رأي الحكماء وفيه مقاصد ثلاثة عشر المقصد الأول قال الحكماء الجسم إما أن يكون متحركا أو لا يكون والثاني هو الساكن لأن السكون عندهم كما مر عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك والحركة عرفها أرسطو ومن تابعه بأنها كمال أول لما بالقوة أي لمحل يكون بالقوة من حيث هو بالقوة وبيان ذلك أن كل ما هو بالقوة من الموجودات فإنه لا يكون بالقوة من كل وجه وإلا فعدم محض إذ يكون حينئذ بالقوة في كونه موجودا فلا يكون موجودا هذا خلف ويلزم أيضا أن يكون بالقوة في كونه بالقوة فتكون القوة حاصلة وغير حاصلة بل يكون بالفعل من وجه ولو في كونه موجودا ومتصفا بالقوة لا أقل من ذلك ويكون بالقوة من وجه آخر لأنا فرضناه كذلك فظهر أن الموجود يستحيل أن يكون بالقوة من جميع الوجوه فهو إما بالفعل من جميع الجهات كالعقول على رأيهم أو بالفعل في بعضها وبالقوة في بعضها والقسم الأول يستحيل عليه الحركة لأنها طلب لشيء وتوجه إليه وذلك غير متصور فيه لأن جميع ما يمكن أن يكون له فهو حاصل بالفعل فلا طلب فلا حركة بل لا تغير فيه ولا انتقال من حال إلى حال أصلا بخلاف القسم الثاني إذ يتصور فيه الحركة والانتقال الدفعي أيضا وإذا عرفت هذا فنقول المتحرك أي الموصوف بالحركة له حركة بالفعل حال اتصافه بها وهو أي الحركة أمر حصل له بعد أن لم يكن حاصلا له عند استقراره في مكانه أو على حاله فهو أي ذلك الأمر الحاصل بعد ما لم يكن كمال له أي للمتحرك إذ معنى الكمال ذلك هذا إشارة إلى المطلق المذكور في ضمن المقيد أي معنى الكمال هو الحاصل بالفعل سواء كان مسبوقا بالقوة كما في حركات الحيوانات أو غير مسبوق بها كما في الكمالات الدائمة الحصول والحركات الأزلية على رأي الفلاسفة وإنما سمي الحاصل بالفعل كمالا لأن في القوة نقصانا والفعل تام بالقياس إليها وهذه التسمية لا تقتضي سبق القوة بل يكفيها تصورها وفرضها وقد يعتبر في مفهوم الكمال كونه لائقا بما حصل فيه لكنه ليس بمعتبر ههنا إذ لا يجب أن تكون الحركة لائقة بصاحبها وأنه أي ذلك الأمر الذي هو الحركة يؤدي المتحرك إلى حصول ممكن آخر له وهو الحصول في المنتهى مثلا فهذا الممكن الآخر كمال ثان إذا حصل بالفعل وذلك الأمر المؤدي إليه وهو الحركة الحاصلة كمال أول بالقياس إلى ذلك الممكن الذي يترتب عليه ويجب أن يكون ثابتا بالقوة مادامت الحركة ثابتة بالفعل ثم إنه أي المتحرك مادام متحركا بالفعل فشيء منه أي من الكمال الأول الذي هو الحركة بعد بالقوة فهو أي ذلك الكمال الأول إنما يثبت لما هو بالقوة من وجهين
أحدهما ذلك الكمال الثاني المترقب حال الحركة
وثانيهما نفس هذا الكمال الأول وتوضيحه أن الجسم إذا كان في مكان مثلا وأمكن حصوله في مكان آخر فله هناك إمكانان إمكان الحصول في المكان الثاني وإمكان التوجه إليه وكل ما هو ممكن الحصول له فإنه إذا حصل كان كمالا له فكل من التوجه إلى المكان الثاني والحصول فيه كمال إلا أن التوجه متقدم على الحصول لا محالة فوجب أن يكون الحصول بالقوة ما دام التوجه بالفعل فالتوجه كمال أول للجسم الذي يجب أن يكون بالقوة في كماله الثاني الذي هو الحصول ثم إن التوجه ما دام موجودا فقد بقي منه شيء بالقوة فالحركة تفارق سائر الكمالات بخاصتين
صفحہ 224