المواقف
المواقف في علم الكلام
لا يقال نختار أنه يقع مقدورا لله تعالى لأن قدرته أتم من قدرة العبد ألا ترى أنها أعم منها لتعلقها بما لا يتصور تعلق قدرة العبد به ولا يلزم حينئذ عدم تأثير قدرة العبد في فعل أصلا بل يلزم تخلف أثرها عنه في هذه الصورة المفروضة لمانع أقوى منها أعني قدرة الله تعالى ولا يمكن أن يقال مثل ذلك في دليل التمانع على الوحدانية لأن تخلف الأثر نقصان في القدرة والناقص لا يكون إلها ويجوز أن يكون عبدا لأنا نقول عموم القدرة لا يؤثر فإن تعلق القدرة بغير المقدور المعين لا أثر له في هذا المعين ضرورة فلما فرض تعلق قدرتهما بمقدور معين كانت القدرتان متساويتين بالقياس إليه فكان تأثيرهما في طرفيه على سواء فكون تأثير إحديهما مانعا من تأثير الأخرى دون العكس ترجيح بلا مرجح وفيه بحث لأن تعلق القدرتين بمقدور معين لا يستلزم تساويهما لجواز أن يكون أحد القادرين أقدر عليه من الآخر مع تشاركهما في كون ذلك المعين مقدورا لهما فإن اختلاف مراتب القدرة بحسب الشدة والضعف جائز وبهذا الدليل الذي نفينا به تأثير القدرة الحادثة بعينه نفي جهم القدرة الحادثة فقال لو كان للعبد قدرة على فعل مع أن ذلك الفعل مقدور لله تعالى فإن فرض أن الله أراد شيئا وأراد العبد ضده إلى آخره وأنه أي ما ذهب إليه جهم بن صفوان الترمذي من نفي قدرة العبد بالكلية غلو وتجاوز عن الحد في الجبر لا توسط بين الجبر والتفويض كما هو الحق وأنه أي ما ذهب إليه مكابرة أيضا ودفع لما هو معلوم بالبديهة أن الفرق بين الصاعد إلى موضع عال بالاختيار وبين الساقط عن علو ضروري فالأول له اختيار أي له صفة يوجد الصعود عقيبها ويتوهم كونها مؤثرة فيه وتسمى تلك الصفة قدرة واختيارا دون الثاني إذ ليس له تلك الصفة بالقياس إلى سقوطه ويندفع الإشكال اللازم من تمانع قدرة الله وقدرة العبد بما ذكرناه من عدم تأثير قدرته أي قدرة العبد فلا حاجة في دفعه إلى ما ارتكبه من الغلو فإن قال جهم لا نريد بالقدرة إلا الصفة المؤثرة وإذ لا تأثير كما اعترفتم به فلا قدرة أيضا كان منازعا في التسمية فإنا نثبت للعبد ذات الصفة المعلومة بالبديهة ونسميها قدرة فإذا اعترف جهم بتلك الصفة وقال إنها ليست قدرة لعدم تأثيرها كان نزاعه معنا في إطلاق لفظ القدرة على تلك الصفة وهو بحث لفظي وإن قال حقيقة القدرة وماهيتها أنها صفة مؤثرة منعناه بأن التأثير من توابع القدرة وقد ينفك عنها كما في القدرة الحادثة عندنا
المقصد الثاني
المتن
صفحہ 118