المواقف
المواقف في علم الكلام
المقصد الثالث الإرادة عندنا غير مشروطة باعتقاد النفع أو بميل يتبعه وذلك أن الإرادة توجد بدونهما فلا تكون عين أحدهما ولا مشروطة به أيضا فلا يصح تفسيرها بأحدهما أصلا خلافا للمعتزلة الذين فسروها بواحد منهما لنا في وجود الإرادة بدونهما أن الهارب من السبع إذا عن أي ظهر له طريقان متساويان في الإفضاء إلى مطلوبه الذي هو النجاة منه فإنه مع كونه ملجأ في الهرب يختار أحدهما بإرادته ولا يتوقف في ذلك الاختيار على ترجح أحدهما لنفع يعتقده فيه ولا على ميل يتبعه بل يرجح أحدهما على الآخر بمجرد الإرادة لا أقول لا يكون للفعل مرجح على عدمه فإن الهارب بإرادته مرجح إياه على تركه بل أقول لا يكون إليه أي إلى الفعل داع باعث للفاعل عليه من اعتقاد النفع أو ميل تابع له ومعلوم بالضرورة أنه من دهشته وحيرته لا يخطر بباله طلب مرجح يختار بسببه أحدهما بل لا يطلب ولا يتصور في تلك الحالة سوى النجاة و معلوم بالضرورة أيضا أنه لو لم يجد المرجح لم يتوقف متفكرا فيه حتى يفترسه السبع وكذلك العطشان إذا كان عنده قدحان من ماء وفرض استواؤهما من جميع الوجوه فإنه يختار أحدهما بلا داع له يرجحه في اعتقاده على الآخر وكذلك جائع عنده رغيفان متساويان من جميع الجهات فإنه يختار أحدهما من غير داع يدعوه إليه وإذا ثبت في هذه الأمثلة وجود الإرادة بدون اعتقاد النفع أو ظنه ثبت وجودها بدون الميل التابع لهما إذ لا وجود للتابع بدون المتبوع والمعتزلة ادعوا الضرورة بأن من استوى عنده الطرفان لا يرجح باختياره أحدهما على الآخر إلا لمرجح يختص بذلك الطرف فما دام الاستواء لا يتصور منه ترجيح أصلا والجواب منع الضرورة والمعارضة بالضرورة في الأمثلة المذكورة فإنا نعلم بالضرورة وجود الترجيح فيها بلا مرجح وداع كما تحققته فإن قيل من البين أن الفعل في هذه الأمثلة راجح على الترك فلا تساوي فيها بينهما قلنا سلوك أحد الطريقين يستلزم ترك سلوك الآخر وبالعكس فإذا استوى السلوكان فقد استوى سلوك أحدهما وتركه على وجه مخصوص وهو أن يتركه سالكا للآخر وأيضا السلوكان أمران مقدوران متساويان وقد رجح أحدهما بلا داع إليه وهو المطلوب نعم للمعتزلة أن يقولوا ليس يلزم من فرض التساوي وقوعه ولا بد في هذه الصور المفروضة من مرجح بحسب اعتقاده إذ لولاه لم يختر شيئا مما فرض تساويه وليس يلزم من الشعور بالمرجح الشعور بذلك الشعور فلعل الدهشة المذكورة صارت سببا لعدم استثبات الشعور في الحافظة فلأجل ذلك لا يعرف الهارب الآن أنه كان له شعور بالمرجح في تلك الحالة هذا وقد قيل إذا فرض تساوي الطريقين في النجاة فإن طبيعته تقتضي سلوك الطريق الذي على يساره لأن القوة في اليمين أكثر والقوي يدفع الضعيف كما هو المشاهد فيمن يدور على عقبه وأما في القدحين والرغيفين فيختار ما هو أقرب إلى اليمين
المقصد الرابع
المتن
الإرادة مغايرة للشهوة لوجهين
الأول الإرادة قد تتعلق بنفسها دون الشهوة وفيه نظر تعرفه مما اخترناه من التعريف
الثاني إن الإنسان قد يريد شرب دواء كريه فيشربه ولا يشتهيه بل ينفر عنه
الشرح
المقصد الرابع الإرادة مغايرة للشهوة التي هي توقان النفس إلى الأمور المستلذة لوجهين
صفحہ 108