المواقف
المواقف في علم الكلام
المقصد الأول العلم لا بد فيه من إضافة أي نسبة مخصوصة بين العالم والمعلوم بها يكون العالم عالما بذلك المعلوم والمعلوم معلوما لذلك العالم وهو أي ما ذكرناه من الإضافة والنسبة هو الذي نسميه نحن معاشر المتكلمين التعلق فهذا الأمر المسمى بالتعلق لا بد منه في كون الشيء عالما بآخر ولم يثبت غيره بدليل فلذلك اقتصر جمهور المتكلمين عليه وقيل هو أي العلم صفة حقيقية ذات تعلق والقائل به جماعة من الأشاعرة وهم الذين عرفوه بأنه صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض وقد عرفت أنه المختار من تعريفاته عند المصنف فلا تغفل وعلى قول هؤلاء فثمة أمران هما العلم وهو تلك الصفة والعالمية أي ذلك التعلق وأثبت القاضي الباقلاني العلم الذي هو صفة موجودة والعالمية التي هي من قبيل الأحوال عنده وأثبت معهما تعلقا فإما للعلم فقط أو للعالمية فقط فههنا ثلاثة أمور العلم والعالمية والتعلق الثابت لأحدهما وإما لهما معا فههنا أربعة أمور العلم والعالمية والتعلق الثابت لهما وقال الحكماء العلم هو الوجود الذهني أي الموجود الذهني كما قالوا العلم حصول الصورة وأرادوا به أنه الصورة الحاصلة على ما صرح به بعضهم ويدل عليه أنهم جعلوا العلم من مقولة الكيف ومع ذلك عرفوه بحصول الصورة ولا شبهة في أن الحصول ليس من هذه المقولة وإنما ذهبوا إلى أن العلم هو الوجود الذهني إذ قد يعقل ما هو نفي محض وعدم صرف في الخارج بحسب الخارج كالممتنعات وكثير من الممكنات كبعض الاشكال الهندسية ألا ترى أنا نحكم عليها ولا يمكن ذلك إلا بتعقلها ولا شبهة أيضا في أن بين العاقل والمعقول تعلقا مخصوصا كما مر والتعلق إنما يتصور بين شيئين متمايزين ولا تمايز إلا بأن يكون لكل منهما ثبوت في الجملة وإذ لا ثبوت للمعلوم ههنا في الخارج فإذا لا حقيقة له إلا الأمر الموجود في الذهن وهو أي ذلك الأمر الموجود في الذهن هو العلم وأما التعلق المذكور فأمر خارج عن حقيقة العلم لازم لها وهو المعلوم أيضا فإنه باعتبار قيامه بالقوة العاقلة علم وباعتباره في نفسه من حيث هو معلوم فالعلم والمعلوم متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار وإذا كان العلم بالمعدومات الخارجية على هذه الحالة وجب أن يكون العلم بسائر المعلومات كذلك إذ لا اختلاف بين أفراد حقيقة واحدة نوعية ثم إن الأمر الموجود في الذهن قد يطابقه أمر في الخارج بأن تكون تلك الماهية التي اتصفت بالوجود الذهني متصفة بالوجود الخارجي أيضا وقد لا يطابقه بأن لا تكون تلك الماهية موجودة في الخارج وبهذا الاعتبار أي باعتبار المطابقة تلحقه أي ذلك الموجود الذهني الأحكام الخارجية من السواد والبياض والحركة والسكون ونظائرها فإن الماهية إذا وجدت في الخارج لم تخل من أمور تعرض لها بحسب هذا الوجود وتختص به فلا تكون عارضة لها حال كونها موجودة في الذهن ويحتمل أن يراد بهذا الاعتبار اعتبار المطابقة واللامطابقة على معنى أن الموجود الذهني بمجرد حصوله فيه ملحوظ من حيث هو هو ومن هذه الحيثية يجوز أن يكون له مطابق في الخارج وأن لا يكون ويمكن للعقل أن يجري عليه أحكام خارجية صادقة أو كاذبة وهذا الاحتمال أنسب بقوله وأما من حيث هو موجود في الذهن فلا حكم له أي لا يمكن للعقل أن يحكم عليه من هذه الحيثية إلا بأن يتصور مرة ثانية من حيث أنه في الذهن فيحكم عليه بأحكام أخر مخالفة للأحكام الخارجية كالكلية والجزئية والذاتية والعرضية والجنسية والفصلية إلى غير ذلك من أشباهها ويسمى مثل ذلك معقولات ثانية ومحصول الكلام أن الماهية إذا وجدت في الذهن كانت ملحوظة في نفسها وصالحة لأن يحكم بأمور لا تعرض لها إلا في الخارج وهي المسماة بالعوارض الخارجية وغير صالحة لأن يحكم عليها بأمور لا تعرض لها إلا في الذهن بل لا بد لهذا الحكم من تصورها مرة ثانية ليلاحظ عروض هذه العوارض لها فيحكم بها عليها وأما لوازم الماهية من حيث هي هي عارضة لها في الوجودين فيصح أن يحكم بها عليها في كل واحدة من الملاحظتين وإنما سميت العوارض الذهنية معقولات ثانية لأنها في الدرجة الثانية من التعقل واعلم أن الماهية الموجودة في الذهن إذا أخذت من حيث هي ذهنية كانت ممتنعة الحصول في الخارج سواء كانت تلك الصورة الذهنية مأخوذة من الممتنع أو من الممكن وأما إذا نظر إليها من حيث هي مع قطع النظر عن اعتبار كونها ذهنية فقد تكون ممتنعة وقد لا تكون إلا أن الحكم بامتناعها أو إمكانها لا يمكن إلا حال وجودها في الذهن وقال المتكلمون هو أي كون العلم عبارة عن الوجود الذهني باطل لوجهين
الأول لو كان التعقل بحصول ماهية المعقول في ذهن العاقل فمن عقل السواد والبياض وحكم بتضادهما يكون قد حصل في ذهنه السواد والبياض فيكون الذهن أسود وأبيض إذ لا معنى للأسود والأبيض إلا ما حصل فيه ماهية السواد والبياض لكنه باطل قطعا لأن هذه الصفات منتفية عنه وأيضا يجتمع الضدان في محل واحد وهو سفسطة
الوجه الثاني حصول ماهية الجبل والسماء في ذهننا معلوم الانتفاء بالضرورة وتجويزه مكابرة محضة
صفحہ 51