المواقف
المواقف في علم الكلام
الأول أصولها أي بسائطها تسعة حاصلة من ضرب ثلاثة في ثلاثة وذلك لأن الطعم لابد له من فاعل هو الحرارة أو البرودة أو الكيفية المتوسطة بينهما ومن قابل هو الكثيف أو اللطيف أو المعتدل بينهما وإلى هذا أشار بقوله لأن الفاعل إما حار أو بارد أو معتدل والقابل إما لطيف أو كثيف أو معتدل وإذا ضرب أقسام الفاعل في أقسام القابل حصل أقسام تسعة فتنقسم الطعوم بحسبها أيضا واعترض عليه بأن انحصار الفاعل في الحرارة والبرودة والكيفية المتوسطة بينهما ممنوع وأيضا المراتب المتوسطة بين غايتي الحرارة والبرودة وكذا بين غايتي اللطافة والكثافة غير محصورة فجاز أن تكون كل واحدة من تلك المراتب فاعلة أو قابلة لطعم بسيط على حدة فلا ينحصر عدد الطعوم البسيطة في عدة محصورة فضلا عن التسعة والعشرة وأيضا الخيار والقرع والحنطة النية يحس من كل منها بطعم لا تركيب فيه وليس من التسعة المذكورة وأيضا الاختلاف بالشدة والضعف إن اقتضى الاختلاف النوعي فأنواع الطعوم غير منحصرة وإن لم يقتض كان القبض والعفوصة نوعا واحدا إذ لا اختلاف بينهما إلا بالشدة والضعف فإن القابض كما سيأتي يقبض ظاهر اللسان وحده والعفص يقبض ظاهره وباطنه معا وأيضا حدوث الطعوم التسعة على تلك الوجوه المخصوصة لم يقم عليه برهان ولا إمارة تفيد غلبة الظن ولهذا قيل مباحث الطعوم دعاوى خالية عن الدلائل إلا ن المصنف ذكر في كيفية الحدوث مناسبات ربما أوقعت لبعض النفوس ظنا بتلك الوجوه فقال فالحار أي الحرارة كما هو المشهور في الكتب أو الأمر الحار كما يتبادر من العبارة فإن الفاعل هو الصورة النوعية بحسب كيفياتها التي هي آلاتها في أفاعيلها يفعل كيفية غير ملائمة للأجسام التي ندركها إذ من شأنه التفريق لما عرفت من أن الحرارة تحدث تفريقا ولا شك أن التفريق حالة غير ملائمة للأجسام فلذلك كانت الكيفية الحادثة من تأثير الحرارة غير ملائمة على حسب التفريق الحاصل من تأثيرها كما أشار إليه بقوله ففي الكثيف أي فيفعل الحار في القابل الكثيف كيفية غير ملائمة في الغاية وهي المرارة فإنها أبغض الطعوم وأبعدها عن الملاءمة ولو فرض ملاءمتها لبعض الأجسام كان ذلك لبعده عن الاعتدال لشدة المقاومة وكون التفريق عظيما يعني أن القابل إذا كان كثيفا قاوم الحرارة مقاومة شديدة ومنعها عن النفوذ فيه فتجتمع حينئذ أجزاء الحرارة وتتفرق تفريقا عظيما لأن الحرارة المجتمعة أشد تأثيرا فيكون أثرها أقوى فلا جرم تكون الكيفية الحادثة حينئذ في غاية البعد عن الملازمة في القابل اللطيف كيفية غير ملائمة أيضا إلا أنها تكون في عدم الملائمة ويفعل الحار دونه أي دون ما ذكر أو لا وهي أي تلك الكيفية الحادثة اللطيف الحرافة إذ تتفرق تفريقا صغيرا لكنه يكون غائصا يعني أن القابل إذا كان لطيفا لم يقاوم الفاعل الخارج ولم يمنعه من النفوذ فيه فيغوص في أجزائه فيضعف التأثير لعدم اجتماع الحرارة ويكون التفريق صغيرا فلا بد أن تكون الكيفية الحادثة فيه حينئذ غير ملائمة وأن تكون دون المرارة في عدم الملائمة ويفعل الحار في القابل المعتدل ملوحة وهي بينهما أي بين المرارة والحرافة في عدم الملاءمة لأن مقاومة المعتدل للحرارة أقل من مقاومة الكثيف وأكثر من مقاومة اللطيف فيكون التفريق فيها متوسطا بين العظم والصغر فلا محالة من أن تكون الكيفية الحادثة في المعتدل أضعف من المرارة في عدم الملاءمة وأقوى فيه من الحرافة ولذلك أي ولأن الملوحة كيفية متوسطة بين كيفيتي المرارة والحرافة تميل الملوحة إلى المرارة مرة وإلى الحرافة أخرى أي يكون طعم المالح تارة قريبا من المرارة بحيث يتوهم أنه مر وتارة قريبا من الحرافة بحيث يتخيل أنه حريف وتحقيقه أي تحقيق كون الملوحة متوسطة بينهما أنه إذا أخذ لطيف الرماد المر وخلط بالماء وطبخ حصلت الملوحة وهذا ما قيل من أن سبب حدوث الملوحة مخالطة رطوبة مائية قليلة الطعم أو عديمته بأجزاء أرضية محترقة يابسة المزاج مرة الطعم مخالطة باعتدال فإن الأجزاء الأرضية إذا كثرت أمرت ومن هذا السبب تتولد الأملاح وتصير المياه ملحا وقد يصنع الملح من الرماد والقلي والنورة وغير ذلك بأن يطبخ في الماء ويصفى ويغلى ذلك الماء حتى ينعقد ملحا أو يترك حتى ينعقد بنفسه والبارد يفعل كالحار كيفية غير ملائمة إذ من شأنه التكثيف الذي لا يلائم الأجسام أيضا لكن عدم ملاءمته أقل من عدم ملاءمة التفريق ولذلك كانت الكيفيات الحادثة بواسطة التفريق أشد في المنافرة من الكيفيات الحادثة بتوسط التكثيف ثم إن هذه الكيفيات أيضا مختلفة في عدم الملاءمة على حسب مراتب التكثيف في القوة والضعف وإليه الإشارة بقوله ففي الكثيف أي فيفعل البارد في القابل الكثيف عفوصة لأنه يتضاعف التكثيف يعني أن التكثيف يمنع البرودة عن النفوذ ويقاومها فيجتمع حينئذ أجزاء البرودة ويؤثر فيه تأثيرا عظيما ويكثفه تكثيفا بليغا متضاعفا فيحدث فيه العفوصة التي تقرب من المرارة في المنافرة ويفعل البارد في القابل اللطيف حموضة لأن اللطيف لا يقاوم البرودة فينفذ في أعماقه ويكثفه تكثيفا أقل بكثير مما في القابل الكثيف فيحدث فيه كيفية يكون عدم ملاءمتها أقل من عدم ملاءمة العفوصة بكثير أيضا وهي الحموضة وإلى ما ذكرنا أشار بقوله لأنه أي الفاعل البارد يكثف القابل اللطيف ببرده ويغوص فيه بلطافته أي بسبب لطافته فيضعف فيه تأثيره فيكون عدم ملاءمته أي عدم ملاءمة الطعم الحادث في ذلك القابل اللطيف بين بين ولا يخفى عليك أن الصواب تبديلهما بأقل كما أشرنا إليه ولذلك أي ولأن الحموضة تحدث من فعل البارد في اللطيف كان الثمر العفص لشدة برده وكثافته كلما ازداد مائية ولطافة واعتدل قليلا بإسخان الشمس المنضج ازداد حموضة ويفعل البارد في القابل المعتدل قبضا وهو في عدم الملائمة دون العفوصة وفوق الحموضة لأن تكثيف البرودة في المعتدل أقل من تكثيفها في الكثيف وأكثر من تكثيفها في اللطيف على قياس ما مر فيحدث فيه كيفية عدم ملاءمتها بين بين وهو القبض وكونه في عدم الملاءمة فوق الحموضة ظاهر وأما كونه في ذلك دون العفوصة فإليه أشار بقوله إذ العفص يقبض باطن اللسان وظاهره معا فينفر الطبع عنه نفره شديدة والقابض يقبض ظاهره فقط فلا تكون النفرة عنه في تلك الغاية والمعتدل الذي هو بين الحار والبارد يفعل فعلا ملائما وذلك لأنه لا يفرق تفريقا شديدا ولا يكثف أيضا تكثيفا قويا بل يفعل فعلا بين بين فيحدث منه طعم ملائم وهو أي ما يحدث من فعله في القابل الكثيف الحلاوة وذلك لشدة المقاومة بين القابل الكثيف والفاعل المعتدل فيجتمع أجزاء الفاعل ويؤثر تأثيرا تاما ملائما جدا هو بين التفريق والتكثيف البليغين فيحدث هناك كيفية هي في غاية الملاءمة أعني الحلاوة التي هي أشد الطعوم ملاءمة للأمزجة المعتدلة وألذها وأشهاها عند القوى الذائقة وهو في اللطيف الدسومة لقلة المقاومة بين القابل اللطيف والفاعل المعتدل فتنفذ أجزاء الفاعل فيه ويفعل فعلا ضعيفا ملائما فيحس منه بكيفية ضعيفة ملائمة هي الدسومة وهو في القابل المعتدل التفاهة وذلك لأن القوة المعتدلة يجب أن يكون تأثيرها في القابل المعتدل أقل من تأثيرها في الكثيف وأكثر من تأثيرها في اللطيف فيجب أن يحصل هناك كيفية ملائمة هي أضعف من الحلاوة وأقوى من الدسومة لا أن هذه الكيفية لا تؤثر في المذاق لضعفها والجسم الحامل لها لا ينفذ فيه لتوسطه بين اللطافة والكثافة فلا يحس بهذه الكيفية لعدم التأثير أي تأثير القابل المعتدل في القوة الذائقة لا بمادته ولا بكيفيته أي طعمه فلا يحصل به أي بذلك الطعم إحساس بخلاف الدسومة فإنها وإن كانت ضعيفة إلا أن حاملها لطيف ينفذ في المذاق فيؤثر فيه بمادته وإن لم يؤثر فيه بكيفيته فيحس بالدسومة دون التفاهة ومن ههنا يظهر أن التفاهة طعم فوق الدسومة ودون الحلاوة إلا أنها غير محسوسة إحساسا متميزا ويقال التفاهة لعدم الطعم كما في الأجسام البسيطة وتسمى هذه تفاهة حقيقية والمتصف بهذه التفاهة يسمى تفها ومسيخا ويقال أيضا لكون الجسم بحيث لا يحس بطعمه لكثافة أجزائه فلا يتحلل منه أي من ذلك الجسم ما يخالط الرطوبة اللعابية العذبة أي الخالية في نفسها عن الطعوم كلها التي هي آلة للإدراك بالقوة الذائقة كالصفر ونحوه من الحديد وغيره فإذا احتيل في تحليله أحس منه بطعم قوي حاد كما يزنجر أي يجعل الصفر زنجارا وأجزاء صغارا وهذه تسمى تفاهة غير حقيقة وتفاهة حسية هذا وقد توهم بعضهم أن المعدود في الطعوم هو التفاهة بمعنى عدم الطعم
صفحہ 32