المواقف
المواقف في علم الكلام
قال الإمام الرازي هؤلاء الذي قالوا الضوء ظهور للون أن جعلوا الضوء كيفية زائدة على ذات اللون وسموه بالظهور لأنه سبب له فذلك نزاع لفظي وإن زعموا أن ذلك الظهور تجدد حالة نسبية أعني ظهور اللون عند الحس فهذا باطل لأن الضوء أمر غير نسبي فلا يصح تفسيره بالحالة النسبية وإن جعلوه عبارة عن اللون المتجدد فلا يكون لقولهم الضوء ظهور اللون معنى وأنه عطف على إذ ربما أي ولأنه يجوز اشتراك الأمور المتخالفة بالماهية في أمر ذاتي أو عرضي فيجوز حينئذ اشتراك الألوان المختلفة الحقائق في كونها ذات مراتب أي في الظهور الذي له مراتب متفاوتة وهذا ضعيف جدا إذ المراد أن الضوء الذي في البياض يماثل في الماهية الضوء الذي في السواد كما يشهد به الحس وهما لا يتماثلان في الماهية قطعا فلا يكون ضوء كل منهما عينه بل أمرا زائدا عليه وإذ قد بطل هذان الوجهان فالمعتمد في الرد على هذا القائل أن البلور في الظلمة إذا وقع عليه ضوء يرى ضوؤه ولا يرى لونه لعدمه فقد وجد الضوء بدون اللون كما قد وجد أيضا اللون بدونه فإن السواد وغيره من الألوان قد لا يكون مضيئا وأيضا لو كان الضوء عين اللون لكان بعضه ضدا لبعضه لكنه باطل لأن الضوء لا يقابله إلا الظلمة
احتج القائل بأن الضوء هو ظهور اللون لا كيفية زائدة عليه بل الحس كما مر إذا ترقى من الأدنى إلى الأعلى ظن هناك بريقا ولمعانا بأنه يزول الضوء الأضعف بالأقوى كاللامع بالليل مثل اليراعة وعين الهرة فإنه يرى مضيئا في الظلمة ولا يرى ضوؤه في السراج ثم السراج فإنه يرى مضيئا شديدا ويضمحل ضوؤه في ضوء القمر ثم القمر فإنه مضيء ولا ضوء له في الشمس ثم الشمس فإنها الغاية في الاضاءة التي يزول فيها ضوء ما عداها وما هو أي ليس زوال الأضعف بالأقوى إلا لأن الحس لا يدرك الأضعف عند الأقوى ولا زوال ثمة بحسب نفس الأمر بل الحس لما ضعف في الظلمة وكان للامع بالليل قدر من الظهور ظن أن ذلك الظهور كيفية زائدة على لونه ثم إذا تقوى بنور السراج ونظر إلى اللامع لم ير له لمعانا لزوال ضعف البصر وكذا الكلام في السراج والقمر فقد ظهر أن أضواء هذه الأشياء ليست إلا ظهور ألوانها عند الحس كما أن زوالها ليس إلا خفاء ألوانها عنده فلا يكون الضوء كيفية زائدة على اللون وظهوره قلنا هذا تمثيل أي إيراد مثال غايته تجويز أن يكون لذلك الذي ذكرتموه أثر في اختلاف أحوال الإدراكات في قوتها وضعفها بحسب اختلاف الحس في قوته وضعفه ولا يدل على أن الضوء ليس كيفية موجودة زائدة على اللون وظهوره إذ قد مر أن الحس لا ينفعل عن الأضعف الموجود في نفسه عند انفعاله عن الأقوى فيجوز أن يكون للامع مثلا ضوء مغاير للونه إلا أنه لا يرى في ضوء السراج
صفحہ 661