المواقف
المواقف في علم الكلام
الثاني لو كان الضوء جسما لكان حركته بالطبع إذ لا إرادة له قطعا ولا قاسر معه يقسره أيضا فكانت حركته الطبيعية إلى جهة واحدة فلم يقع الضوء من كل جهة بل من جهة واحدة فقط والتالي باطل لأن الضوء يقع على الأجسام من جهات متعددة مختلفة واعترض عليه بجواز أن يكون الضوء أجساما مختلفة الطبائع مقتضية للحركة في الجهات المتباينة نعم لو ثبت أن الضوء مطلقا حقيقة واحدة لتم ومما يقوي ذلك أي عدم كون الضوء جسما أن النور إذا دخل في البيت من الكوة ثم سددناها دفعة واحدة فإنه أي ذلك الجسم الذي فرض أنه النور لا يخرج من البيت لا قبل السد ولا بعده وهو ظاهر ولا تعدم ذاته وإلا لزم أن تكون حيلولة الجسم بين جسمين معدمة لأحدهما ولا يبقى أيضا على حاله الذي كان عليه بل تعدم كيفيته التي كانت مبصرة وهو مرادنا فإن تلك الكيفية الحاصلة من مقابلة المضيء الزائلة بزوالها هي الضوء وإذا ثبت ذلك في بعض الأجسام ثبت في الكل للقطع بعدم التفاوت وأيضا فالشمس إذا طلعت من الأفق استنارت الدنيا أي وجه الأرض وما يتصل به في اللحظة وحركته أي حركة النور الفائض على الدنيا من الفلك الرابع إلى وجه الأرض لا تعقل فيها أي في تلك اللحظة اللطيفة ولما كانت هذه الحركة عند من يجوز خرق الأفلاك غير مستحيلة بل مستبعدة كاستبعاد انتفاء الجسم بالحيلولة بينه وبين غيره جعل هذين الوجهين مقويين لما تقدم لا دليلين مستقلين لأن الاستبعاد لا يكون دليلا على ما يطلب فيه اليقين احتج الخصم على كون الضوء جسما بأن الضوء متحرك لأنه منحدر عن المضيء العالي كالشمس والنار وكل منحدر متحرك ويتبعه أي يتبع الضوء المضيء في الحركة أي يتحرك بحركته كما في الشمس والمصباح وينعكس الضوء عما يلقاه إذا كان صقيلا إلى جسم آخر والانعكاس حركة فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الضوء متحرك وكل متحرك جسم قلنا ليس للضوء حركة أصلا بل حركته وهم محض وتخيل باطل وسبب ذلك التوهم حدوثه في المقابل أي حدوث الضوء في القابل المقابل للمضيء فيتوهم أنه تحرك منه ووصل إلى المقابل ولما كان حدوثه فيه من مقابلة مضيء عال كالشمس مثلا تخيل أنه ينحدر من العالي إلى السافل وهو باطل إذ لو كان منحدرا لرأيناه في وسط المسافة فالصواب إذن أنه يحدث في القابل المقابل دفعة ولما كان حدوثه في الجسم القابل تابعا للوضع من المضيء أي لوضعه منه ومحاذاته إياه فإذا زالت تلك المحاذاة إلى قابل آخر زال الضوء عن الأول وحدث في ذلك الآخر ظن أنه يتبعه في الحركة وينتقل من الجسم الأول إلى الجسم الآخر ولما كان الضوء يحدث في مقابلة المستضيء الذي وقع عليه الضوء من غيره كما يحدث في مقابلة المضيء بذاته والمتوسط الذي هو هذا المستضيء بالغير شرط في حدوثه أي حدوث في الضوء فيما يقابل هذا المستضيء أعني الجسم الذي انعكس إليه الضوء ظن أن ثمة انتقالا وحركة للضوء من المستضيء إلى المنعكس إليه فظهر بطلان الوجوه الثلاثة التي ذكروها في حركة الضوء ويرد أيضا عليهم الظل نقضا على أصل دليلهم فإنه متحرك ومنتقل بانتقال صاحبه مع الاتفاق على أنه ليس جسما فإن أجابوا بأنه لا حركة له بل يزول عن موضع ويحدث في آخر على حسب تجدد المحاذيات قلنا كذلك الحال في الضوء أيضا
صفحہ 659