المواقف
المواقف في علم الكلام
تفريع قال الحكماء الجسم إن كان أثقل من الماء على تقدير تساويهما في الحجم رسب ذلك الجسم فيه لأنه بثقله الزائد على ثقل الماء يغلب عليه ويخرق ما يلاقيه منه وينزل فيه إلى تحت وإن كان الجسم مع مساواته للماء في الحجم مثله في الثقل نزل فيه بحيث يماس سطحه الأعلى السطح الأعلى من الماء فلا يكون طافيا عليه ولا راسبا رسوبا تاما وإن كان الجسم مع التساوي في الحجم أخف منه أي من الماء نزل فيه بعضه وذلك البعض النازل يكون بقدر ما لو ملئ مكانه ماء كان ذلك الماء الذي ملئ به مكانه موازنا ومساويا في الثقل لذلك الجسم كله فيكون نسبة القدر النازل منه في الماء إلى القدر الباقي منه في خارجه كنسبة ثقل ذلك الجسم إلى فضل ثقل الماء وعلة الحكم في هذين القسمين تعلم بالمقايسة على القسم الأول فتأمل واعلم أنهم قالوا إن الحديدة المنبسطة إنما لا تنزل في الماء لاحتياجها إلى أن ينحى من تحتها ماء كثير وذلك لا يطاوعها بخلاف الحديدة المدورة وقالوا أيضا إن سبب الخفة في الأجرام الصلبة تخلخل الهواء فيما بينها فالخشبة مثلا إذا كانت في الهواء لم يكن للأجزاء الهوائية المتخلخلة فيها ميل فإذا وقعت في الماء انبعث الميل الطبيعي للهواء إلى فوق فإن قوي وقاوم الأجزاء الثقيلة مع دفع الخشبة إلى فوق وإن لم يقو على ذلك أذعن للهبوط قسرا إن لم يتأت له الانفصال عنها وبما قررناه ظهر لك أنه إن حمل كلام أبي هاشم على ما قاله الحكماء اندفع عنه الاعتراضان المذكوران عليه ثم اعلم أن الحق عند الأشاعرة هو أن الطفو إنما يكون بسبب سكون يخلقه الله تعالى في الجسم فيقتضي اختصاصه بحيزه والرسوب إنما هو بسبب حركات يخلقها الله في الراسب ومباينات يخلقها الله في أجزاء الماء على طريقة جري العادة وإنما لم يذكر في الكتاب لأنه معلوم من قاعدتهم المشهورة ومنها أنه قال الجبائي للهواء اعتماد صاعد لازم ويلزمه أن لا يصعد ولو يطفو الخشبة على الماء بل ينفصل الهواء منها ويصعد ويطفو وحده على الماء كما ذكرنا إذا لا سبب لطفو الخشبة إلا تشبث الهواء بها وإذا كان الهواء متصعدا بالطبع وجب أن ينفصل عما هو مستفل بالطبع فيطفو المتصعد ويرسب المتسفل وقد عرفت ما فيه وهو أنه ربما كان التركيب أو الوضع موجبا للتلازم ومانعا عن الانفصال كيف أي كيف لا يتوجه عليه ما قد عرفته والهواء الذي فيه أي في الخشب لم يبق على كيفيته المقتضية للانفصال والصعود بل انكسر كيفيته بالامتزاج أو الاختلاط التام الام فلا ينفصل حينئذ حتى يرسب الخشب في الماء ومنعه ابنه وقال ليس للهواء اعتماد لازم لا علوي ولا سفلي بل اعتماده مجتلب بسبب محرك ويرد عليه أن الزق المنفوخ فيه المقسور تحت الماء إذا خلى وطبعه يصعد بما يتعلق به من جسم ثقيل إذا كان بحيث يقوى ذلك الزق على تحريكه وتصعيده ولو حل وكاؤه شق الهواء الذي فيه الماء وخرج منه فلولا اعتماده الصاعد لم يكن كذلك وفيه نظر لجواز أن يكون ذلك الصعود والخروج لضغط الماء له وإخراجه من ذلك الموضع بثقل وطأته وقوة عصره إياه وهو مدفوع بأن الزق إذا كان أكبر كان أسرع صعودا وخروجا من الأصغر ولا شك أن ضغط الماء للأصغر أقوى لضعفه وقلة مقاومته فكان يجب حينئذ أن يكون أشد سرعة وخروجا وليس كذلك فظهر أنه بمقتضى طبعه الذي هو في الأكبر أقوى وأشد اقتضاء للصعود ومنها أنه قال الجبائي لا يولد الاعتماد شيئا لا حركة ولا سكونا بل المولد لهما أي للحركة والسكون هو الحركة كما نشاهده أي نشاهد التوليد في حركة اليد لحركة المفتاح فإنه مالم تتحرك اليد لم يتحرك المفتاح فحركة المفتاح متولدة من حركة اليد لا من الاعتماد وكما نشاهده في حركة الحجر لسكونه في الموضع الذي يقصده الحجر إما طبعا أو قسرا فإن ذلك السكون لا يتحصل مالم يوجد حركته فهو متولد منها لا من الاعتماد الذي في الحجر وقال ابنه المولد لهما أي للحركة والسكون هو الاعتماد لا الحركة لوجهين
الأول أنه إذا أقيم عمود يمكن انتصابه قائما على رأسه منفردا فنصب كذلك وأدعم بدعامة ثم اعتمد عليه معتمد إلى جهة الدعامة لم يتحرك ذلك العمود إلى تلك الجهة فإن الدعامة تمنعه عن ذلك ثم إذا أزيلت دعامته سقط إلى جهة الدعامة وإن لم يتحرك ذلك المعتمد إلى جهتها فعلمنا أن حركة العمود لم تتولد من الحركة بل من الاعتماد وإليه أشار بقوله وما هو أي سقوطه إلى تلك الجهة إلا للميل الذي أحدثه فيه الاعتماد عليه
صفحہ 635