المواقف
المواقف في علم الكلام
قلنا إن لنا جهات مطلقة ومطلق الجهات إما الجهات المطلقة فهي منتهي الإرشادات ومقصد الحركات المستقيمة على ما ستقف عليه وأما مطلق الجهات فيتناول الأطراف القائمة بكل جسم إذا يمكن اعتبار انتهاء الأشارة والحركة إليها وهي واقعة بإزاء الجهات المطلقة فتسمى بأسمائها وإنما حكمنا بأن الفوق والتحت أعني من الجهات المطلقة جهتان حقيقيتان لأنهما جهتان متمايزتان بالطبع فإن بعض الأجسام العنصرية طبعها تطلب الفوق وتهرب عن التحت كالنار والهواء وبعضها بالعكس كالأرض والماء وأيضا فهاتان الجهتان لا تتبدلان أصلا فإن القائم إذا صار منكوسا لم يصر ما يلي رأسه فوقا وما يلي رجله تحتا بل صار رأسه من تحت ورجله من فوق وكان الفوق والتحت بحالهما وما ذكر من حال المستلقي لا يخرج الفوق أو التحت عن كونه فوقا أو تحتا بل يصير وجهه إلى الفوق وقفاه إلى التحت نعم يتصف التحت والفوق حينئذ بوصفين آخرين اعتباريين أعني كونهما قداما وخلفا وأما باقي الجهات فلا تمايز بينها بالطبع وهي متبدلة بحسب الفرض كما مر وقد يقال إذا فسر الفوق والتحت بما يلي السماء والأرض لم يتصور فيهما تبدل بخلاف ما إذا فسر بما يلي رأس الإنسان وقدمه بالطبع فإنهما يتبدلان حينئذ كما إذا قام شخصان على طرفي قطر واحد من الأرض فإن رأس كل واحد منهما وقدمه على المجرى الطبيعي مع أن الجانب الذي يلي رأس أحدهما يلي قدم الآخر فيكون ذلك الجانب فوقا بالقياس إلى الأول وتحتا بالقياس إلى الثاني ويجاب بأن قولنا بالطبع ليس صفة للقدم والرأس بل هو متعلق بالفعل المذكور ومعناه أن لرأس كل شخص وقدمه نسبة طبيعية مع الجهة في الولى والقرب ولا شك أنا إذا فرضنا قدم أحد هذين الشخصين حيث رأس الآخر لم يكن على المجرى الطبيعي بل كان ذلك انتكاسا له وإذا ثبت أن الجهة الحقيقية اثنتان فالاعتماد الطبيعي أيضا كما سيأتي اثنان أعني الصاعد والهابط وما عداهما اعتمادات غير طبيعية وجعلها القاضي هذا قسيم لقوله له أنواع بحسب أنواع الحركة أي وجعل القاضي الاعتمادات بحسب الجهات أمرا واحدا فقال الاختلاف في التسمية فقط وهي كيفية واحدة بالحقيقة فسمى تلك الكيفية الواحدة بالنسبة إلى السفل ثقلا وإلى العلو خفة وقس على ذلك حالها بالنسبة إلى سائر الجهات وقد تجتمع الاعتمادات الستة في جسم واحد قال الآمدي القائلون بالاعتماد من أصحابنا اختلفوا فقال بعضهم الاعتماد في كل جهة هو غير الاعتماد في جهة أخرى والاعتمادات إما متضادة أو متماثلة فلا يتصور اعتمادان في جسم واحد إلى جهتين إذ هما ضدان فلا يجتمعان ولا إلى جهة واحدة إذ هما مثلان فامتنع اجتماعهما أيضا وقال آخرون الاعتماد في كل جسم واحد والتعدد في التسمية دون المسمى وعلى هذا يجوز اجتماع الاعتمادات الست في جسم واحد من غير تضاد وهو اختيار القاضي أبي بكر وهذا هو الأشبه بأصول أصحابنا القائلين بوجود الاعتماد إذ لو قلنا بتضاد الاعتمادات المتفرع على تعددها كما ذهبت إليه الطائفة الأولى لما اجتمعت لامتناع اجتماع المتضادين ولكنها قد تجتمع لوجهين
الأول أن من جذب حجرا ثقيلا إلى فوق فإنه يجد فيه مدافعة هابطة وهو ظاهر والمتعلق به أي بذلك الحجر من أسفل الجاذب له إليه أي إلى الأسفل يجد فيه مدافعة صاعدة ضرورة فإنه يحس منه اعتمادا إلى جهة الفوق وميلا غالبا له إليها
الثاني أن الحبل الذي يتجاذبه إثنان متقاومان إلى جهتين فإنه يجد كل واحد منهما فيه اعتمادا ومقاومة إلى خلاف جهته فقد اجتماع فيه اعتمادان إلى جهتين وبمثل ذلك يعرف اجتماع الاعتمادات إلى الجهات الست في جسم واحد ثم قال الآمدي ولو قلنا بالتعدد من غير تضاد أي لو قلنا الاعتمادات متعددة لكنها ليست متضادة أي لو قلنا إن الاعتمادات متعددة لكنها ليست متضادة فيجوز اجتماعها لم يكن هذا القول أبعد من القول بالاتحاد الذي اختاره القاضي فصارت الأقوال في الاعتمادات ثلاثة الاتحاد والتعدد مع التضاد وبدونه
صفحہ 619