480

المواقف

المواقف في علم الكلام

اصناف
The Ash'aris
علاقے
ایران
سلطنتیں اور عہد
ایلخانی

أحدها في حقيقتها قال ابن سينا في الشفاء الحرارة هي التي تفرق المختلفات وتجمع المتماثلات والبرودة بالعكس أي هي تجتمع بين المتشاكلات وغير المتشاكلات أيضا كذا ذكره في كتابه وبيان ذلك أن الحرارة فيها قوة مصعدة أي محركة إلى فوق لأنها تحدث في محلها الخفة المقتضية لذلك فإذا أثرت الحرارة في جسم مركب من أجزاء مختلفة باللطافة والكثافة أي في رقة القوام وغلظه ينفعل الجزء اللطيف منه أي من ذلك الجسم انفعالا أسرع فيقبل الحرارة وتحدث فيه الخفة قبل غيره فيتبادر إلى الصعود الألطف فالألطف دون الكثيف فإنه لا ينفعل إلا ببطء وربما لم تفده الحرارة خفة تقوى على تصعيده فيلزم منه بسببه أي بسبب ما ذكر من حال اللطيف والكثيف عند تأثير الحرارة فيهما تفريق المختلفات في الحقيقة وهي تلك الأجسام المتخالفة في اللطافة والكثافة التي تألف منهما المركبة الأجسام ثم تلك الأجزاء بعد تفرقها تجتمع بالطبع إلى ما يجانسها لأن طبائعها تقتضي الحركة إلى أمكنتها الطبيعية والانضمام إلى أصولها الكلية فإن الجنسية علة الضم كما اشتهر في الألسنة والحرارة معدة للاجتماع الصادر عن طبائعها بعد زوال المانع الذي هو الالتئام فنسب الاجتماع إليها كما تنسب الأفعال إلى معداتها ومن جعل هذا الذي ذكره ابن سينا من أحوال الحرارة تعريفا للحرارة فقد ركب شططا أي بعدا عن الصواب وتجاوزا عنه لأن ماهيتها أوضح من ذلك المذكور فإن كثيرا من الناس يعرفونها مع عدم شعورهم بما ذكر من حكمها ولأن ذلك الحكم المذكور الذي هو الآثار المخصوصة لا يعلم إلا باستقراء جزئياتها فإنها مالم تستقرأ جزئياتها لم يعرف كون هذه الاثار خاصة شاملة لها فمعرفتها أي معرفة هذه الآثار وثبوتها للحرارة موقوفة على معرفة الحرارة فتعريفها بهذه الآثار دور لا يقال يكفينا في تتبع جزئياتها والاطلاع على أحوالها المذكورة معرفة الحرارة بوجه ما فإذا عرفت بها أفادت معرفتها بوجه أكمل فلا دور لأنا نقول الاحساس بجزئياتها كاف في معرفة ماهيتها ألا ترى إلى ما ذكره المحققون من أن المحسوسات لا يجوز تعريفها بالأقوال الشارحة إذ لا يمكن أن تعرف إلا بإضافات واعتبارات لازمية لها لا يفيد شيء منها معرفة حقائقها مثل ما تفيده الاحساسات بجزئياتها فالمقصود بذكر خواصها وآثارها في بيان حقائقها مزيد تمييز لها عما عداها لا تصور ماهيتها واعلم أن هذا الذي ذكرناه من آثار الحرارة في الجسم المركب من الأجزاء المختلفة في اللطافة والكثافة إنما يثبت إذا لم يكن الالتئام بين بسائط ذلك المركب شديدا حتى يمكن تفريق بعضها عن بعض وأما إذا اشتد الالتحام بين تلك البسائط وقوي التركيب فيما بينها فالنار بحرارتها لا تفرقها لوجود المانع عن التفريق وحينئذ فإن كانت الأجزاء اللطيفة والكثيفة في ذلك الجسم متقاربة في الكمية كما في الذهب افادته الحرارة سيلانا وذوبانا وكلما حاول اللطيف الخفيف صعودا منعه الكثيف الثقيل عن ذلك فحدث بينهما تمانع وتجاذب فيحدث من ذلك حركة دوران كما نشاهد في الذهب من حركته السريعة العجيبة في البوتقة ولولا هذا العائق أعني شدة الالتئام والالتحام بين أجزاء الذهب لفرقها النار كما تفرق أجزاء جسم لا يشتد التحامها وليس عدم الفعل الذي هو التفريق لوجود العائق عن ذلك الفعل في الذهب ونظائره دليلا على أن النار ليس فيها قوة التفريق بحرارتها لأن تخلف الفعل عن المقتضى بسبب ما يمنعه منه جائز بالضرورة وإن غلب اللطيف على الكثيف جدا أي غلبة تامة فيصعد اللطيف حينئذ ويستصحب معه الكثيف لقلته أي قلة الكثيف وفي بعض النسخ لغلبته أي لغلبة اللطيف على الكثيف كالنوشادر فإنه إذا أثرت فيه الحرارة صعد بالكلية أو لا يغلب اللطيف بل يغلب الكثيف لكن لا يكون غالبا جدا فتفيده الحرارة إذا أثرت فيه تليينا كما في الحديد وإن غلب الكثيف جدا لم يتأثر بالحرارة فلا يذوب ولا يلين كالطلق فإنه يحتاج في تليينه إلى حيل يتولاها أصحاب الإكسير من الاستعانة بما يزيده اشتعالا كالكبريت والزرنيخ ولذلك قيل من حل الطلق استغنى عن الخلق

تنبيه على ما علم مما قررناه في تفسير الحرارة وهو أن يقال الفعل الأول لها أي للحرارة هو التصعيد والتحريك إلى فوق بسبب ما تفيده من الميل المصعد والجمع والتفريق لا زمان له فإنه إذا حدثت الحرارة في الجسم المركب بمجاورة النار مثلا تحرك الأقبل للتصعيد قبل الأبطأ وتحرك الأبطأ قبل العاصي فيلزم من هذا تفرق تلك الأجزاء المتخالفة ثم اجتماعها مع أجناسها بمقتضى طباعها كما مر ولذلك أي ولما ذكرنا من أن الفعل الأول للحرارة هو التصعيد المستتبع للتفريق والجمع

صفحہ 595