المواقف
المواقف في علم الكلام
والجواب عن هذا الوجه كما ذكره أبو البركات أنه مبني على مقدمة واحدة وهي أن تفاوت زماني الحركتين الأخيرتين إنما هو بحسب تفاوت المعاوقين حتى يجب أنه لما كان المعاوق عشرا كان الزمان أيضا عشرا وذلك أعني كون تفاوت الزمانين كتفاوت المعاوقين إنما يصح لو لم تكن الحركة لذاتها من حيث هي هي تقتضي زمانا واقعا بإزائها لكنها تقتضيه لأن الحركة من حيث هي لا تتحقق إلا على مسافة منقسمة يكون قطع نصفها الأول مقدما على قطع النصف الآخر فلا يتصور وجود الحركة من حيث هي إلا في زمان وذلك الزمان الذي تقتضيه ماهيتها يكون محفوظا في جميع الحركات وما زاد عليه يكون بحسب المعاوق وحينئذ لا تتم تلك المقدمة التي بني عليها الدليل وإليه أشار بقوله وإلا أي وإن لم تكن الحركة غير مقتضية لذاتها زمانا بل كانت مقتضية له كان الزائد على ذلك القدر الذي تقتضيه ماهية الحركة من الزمان هو الواقع بإزاء المعاوق لا جميع الزمان فيكون تفاوت ذلك القدر الزائد بحسب تفاوت المعاوقين في المثال المذكور لا أصل الحركة أي لا زمان أصلها فإنه لا يتفاوت بتفاوت المعاوقين بل هو محفوظ في الحركات كلها لأن مقتضى ذات الشيء لا يختلف ولا يتخلف عنه ففي المثال المفروض وهو الحركة في الملء الغليظ تكون ساعة لأصل الحركة لا تعلق لها بالمعاوق أصلا كما في الحركة الواقعة في الخلاء فإن ساعتها بإزاء الحركة دون المعاوق وتسع ساعات بإزاء المعاوق الذي هو الملء الغليظ فهذه التسع تتفاوت بحسب تفاوت المعاوق وتكون حصة القوام الرقيق من هذه التسع عشرا منها وهو عشر تسع ساعات وهي أي عشر تسع ساعات تسعة أعشار ساعة واحدة فيضاف تسعة الأعشار إلى ما تقتضيه الحركة لذاتها وهي ساعة فتكون حركته في الملء الرقيق في ساعة وتسعة أعشارها فلا يلزم المساواة بين وجود المعاوق وعدمه ومن المتأخرين من اشتغل ببيان أن الحركة لا تقتضي زمانا لذاتها وإلا لكانت الحركة الواقعة في ذلك الزمان أسرع الحركات إذ لا يمكن وقوع حركة في أقل من ذلك الزمان ولا يتصور كون تلك الحركة ولا كون حركة ما من الحركات أسرع الحركات لأنها واقعة في زمان والزمان منقسم إلى غير النهاية فيكون له أي لذلك الزمان الذي وقعت فيه تلك الحركة نصف ولو فرض وقوعها فيه أي في ذلك النصف كانت الحركة الواقعة في النصف أسرع منها أي من الواقعة في الجميع بالضرورة إذا اتحدتا في المسافة فلا تكون تلك الحركة أسرع الحركات فظهر أن ماهية الحركة لا تقتضي مقدارا من الزمان بل الزمان كله بإزاء المعاوق فيتفاوت بتفاوته ويتم الخلف وهذا الجواب الذي هو محصل ما ذكره الفاضل الطوسي إنما يتم لو بين أن وقوع الحركة في جزء من ذلك الزمان الذي فرضنا أن تقتضيه ماهية الحركة ممكن إما بحسب نفس الأمر وأنى له بيان إمكان وقوعها فيه إلا بحسب التوهم إذ يصح أن يتوهم وقوع الحركة في ذلك الجزء وإما بحسب نفس الأمر فكلا لجواز أن يقال الزمان الذي تقتضيه الحركة قد لا يقبل القسمة بالفعل بل بالتوهم فكيف تقع الحركة المحققة في جزء وهمي من الزمان ونحن نقول الزمان عندهم متصل واحد لا انقسام فيه بالفعل وإنما ينقسم بالفرض إلى أجزاء هي أزمنة انقساما لا يقف عند حد وكذلك الحركة متصلة بانطباقها على المسافة والزمان ولا ينقسم إلا إلى أجزاء هي حركات كما أن المسافة لا تنقسم إلا إلى أجزاء منقسمة كل واحد منها مسافة وهذه أحكام لازمة من نفي الجزء الذي لا يتجزأ فإن سلمته لزمك الاعتراف بأن زمان أية حركة فرضت من الحركات إذا جزىء على أي وجه أريد كان كل جزء منه زمانا وكان ظرفا لجزء من أجزاء تلك الحركة وذلك الجزء أيضا حركة واقعة في جزء من أجزاء المسافة وهو في نفسه أيضا مسافة فيظهر من ذلك أن ماهية الحركة من حيث هي هي صالحة لأن تقع في أي جزء كان من الأجزاء المفروضة للزمان والمسافة فلا تقتضي الحركة لذاتها قدرا معينا من الزمان ولا من المسافة بل تقتضي مطلق الزمان والمسافة الموجودة في كل جزء من أجزائها فلا حاجة بنا إلى دعوى أن اقتضاء الحركة لذاتها زمانا يستلزم أسرع الحركات حتى نحتاج في إبطال اللازم إلى بيان وقوع الحركة في نصف زمان الأسرع مع اتحاد المسافة وإن لم نسلم نفي الجزء كان هو الجواب في الحقيقة وأيضا فإن الكلام من المعترض إنما هو في تلك الحركة المخصوصة لا في مطلق الحركة أي ليس اعتراضه بأن ماهية الحركة من حيث هي تقتضي زمانا حتى يدفع بأنه باطل إما لاستلزامه وجود أسرع الحركات أو لأن ماهية الحركة موجودة في ضمن أي جزء من الحركة يوجد في أي جزء كان من أجزاء الزمان على ما قررناه بل بأن الحركة المخصوصة التي توجد في مسافة مخصوصة تقتضي ذلك إذ هي باعتبار القوة المحركة والجسم المتحرك والمسافة المعينة تقتضي قدرا من الزمان فإن بديهة العقل تحكم بذلك مع قطع النظر عن معاوقة المخروط ثم إن الزمان يزداد بسبب المعوقة فيكون بعض من الزمان بإزاء المعاوق وبعض منه بإزاء الحركة لأجل الأمور المذكورة وهو زمان الخلاء فما يكون بإزاء المعاوق يتفاوت على حسب تفاوته وما يكون برزاء تلك الأمور يتفاوت بحسب تفاوتها لا بحسب تفاوت المعاوق ولما فرض تساوي تلك الأمور في الحركات المفروضة فيما نحن بصدده لم يتفاوت زمانها فيها بل يتفاوت ما كان بإزاء المعاوق فقط فلا يلزم محذور كما تحققته وقد أجيب عن الوجه الأول أيضا بأنه مبني على إمكان قوام يكون نسبة معاوقته إلى معاوقة الملء المفروض أو لا كنسبة زمان الخلاء إلى زمان الملء وهو ممنوع لجواز أن ينتهي قوام الملء إلى قوام لا يمكن ما هو أرق منه ولا يكون هو مما يتأتى فيه تلك النسبة وبأن المعاوق قد يكون من الضعف بحيث يتساوى وجوده وعدمه بالقياس إلى القوة المحركة فلا تختلف الحركة بسببه
الثاني من وجوه امتناع الخلاء الجسم لو حصل في الخلاء سواء كان بعدا موهوما أو موجودا كان اختصاصه بحيز دون آخر ترجيحا بلا مرجح لتشابه أجزائه فإن البعد المفروض لا يتصور فيه اختلاف وكذا الحال في البعد الموجود المجرد إذ اختلاف الأمثال إنما يكون بالمادة فإذا فرض حصول جسم في حيز فإن كان ساكنا فيه لزم اختصاصه به من غير مرجح وإن كان متحركا عنه لزم تركه لحيز وطلبه لآخر مع تساويهما وذلك أيضا نوع اختصاص له بالحيز الآخر وترجيح بلا مرجح
والجواب أن كل العالم لا اختصاص له بحيز دون حيز فإنه مالئ للأحياز كلها إذ الخلاء الذي هو المكان إنما هو بمقدار العالم فيمتلئ به فلا اختصاص له بحيز دون آخر فلا ترجيح
صفحہ 576