المواقف
المواقف في علم الكلام
الثاني من الوجهين الدالين على جواز الخلاء أنه لولا وجود الخلاء فيما بين الأجسام تصادمت أجسام العالم بأسرها وتحركت بحركة بقة مثلا وإن كانت تلك الحركة قليلة جدا واللازم باطل بالضرورة بيان الشرطية أن الجسم المتحرك كالبقة ينتقل من مكانه بحركته إلى مكان آخر والفرض أنه أي ذلك المكان الآخر مملوء بجسم آخر إذ المفروض أن لا خلاء فيما بين الأجسام وهو أعني ذلك الجسم الآخر ينتقل من مكانه البتة إذ لا يتداخل جسمان ضرورة ولا ينتقل الجسم الآخر إلى مكان الجسم الأول لأن انتقاله إليه مشروط بانتقال الأول عنه لئلا يلزم تداخلهما وانتقاله عنه أي انتقال الأول عن مكانه مشروط بانتقال هذا الجسم عن مكانه إليه أي إلى مكان الأول ليخلو مكانه عنه فيمكن انتقال الأول إليه فيدور لأن كل واحد من الانتقالين مشروط بالآخر وموقوف عليه فهو أي الجسم الآخر بإذن ينتقل إلى مكان جسم آخر مغاير للأولين والكلام فيه أي في هذا الجسم الثالث كما فيالأول السابق عليه وهو الجسم الثاني إذا لا بد أن ينتقل الثالث عن مكانه حتى يتصور انتقال الثاني إليه ولا يجوز أن ينتقل الثالث إلى مكان الثاني ولا إلى مكان الأول لاستلزامه الدور كما عرفت بل إلى مكان جسم رابع فننقل الكلام إليه ويتسلسل فتتحرك أجسام العالم كلها وهذا الوجه الثاني أيضا أي كالوجه الأول إلزامي مبني على قواعد الحكماء فإن عند المتكلمين على تقدير كون العالم مملوءا قد يعدم الله الجسم الذي قدامه أي قدام الجسم المتحرك حال انتقاله بحركته إلى مكانه فيملأه المتحرك ويخلق جسما آخر في مكانه أي مكان المتحرك ليملأ مكانه فلا يلزم الخلاء ولا تصادم الأجسام ولا يتم هذا الإلزام على الحكماء إلا بإبطال التخلخل والتكاثف وإلا جاز أن يتخلخل ما خلفه أي يزيد مقدار ما خلف المتحرك من الأجسام فيملأ مكانه بمقداره الزائد من غير أن ينتقل ما خلفه عن مكانه ويتكاثف ما قدامه أي ينتقص مقدار ما قدامه من الأجسام فيخلي له مكانا من غير أن ينتقل عن مكانه وبهذا القدر يندفع الإلزام إلا أنه زاد في البيان فقال إلى غاية ما يطيع ما خلفه أو ما قدامه لذلك التخلخل أو التكاثف بحسب قوة الحركة وضعفها وتصويره أن المتحرك في الهواء يدفع الهواء الذي قدامه ويدفع ذلك الهواء هواء آخر وهكذا لكن هذا الدفع يتفاوت ويضعف إلى أن ينتهي إلى هواء لا ينقاد للدفع لضعف الدافع فهذا الدافع المتوسط بين ما دفعه وبين ما لم يندفع به يضطر إلى قبول حجم أصغر مما كان وهكذا ما خلق هذا المتحرك من الهواء ينجذب إليه ما يقرب منه ويتجذب إلى هذا المنجذب ما يليه وهكذا ويضعف الانجذاب حتى ينتهي إلى ما لا ينجذب فيضطر المتوسط إلى قبول حجم أكبر ولا شك أن الدفع والانجذاب المذكورين يتفاوتان بحسب قوة الحركة وضعفها فإذا كانت الحركة قوية امتد في مسافة كثيرة وإن كانت ضعيفة كانا في مسافة قليلة فإن قيل التخلخل والتكاثف في الأجسام إنما يكونان لكثرة الخلاء وقلته فيما بين أجزاء الجسم فيكون مقداره مع كثرة الخلاء فيما بينهما كبيرا ومع قلته صغيرا فهما يستلزمان وقوع الخلاء الذي هو المطلوب
صفحہ 570