المواقف
المواقف في علم الكلام
وأيا ما كان فوراء كل جسم جسم آخر فيلزم عدم تناهي الأجسام وسنبطله لا يقال لا نسلم لزوم لا تناهي الأجسام بل تنتهي إلى جسم لا مكان له فإن المحدد للجهات المحيط بما سواه من الأجسام عندنا ليس له مكان بل وضع فقط فإن حركته وضعية تقتضي تبدل الأوضاع دون الأمكنة لأنا نقول كل جسم فهو متحيز مشار إليه بهنا وهناك ضرورة والحيز هو المكان وكذا المشار إليه بلفظ هنا وهناك وليس إلا المكان وكل جسم في مكان فوجب أن المكان عبارة عن البعد ليعم الأجسام كلها دون السطح لاستلزامه أن لا تكون الأجسام متناهية أو أن لا يكون الجسم المحيط بما عداه من الأجسام في مكان والثاني باطل بالضرورة كما ذكرنا وبالاتفاق أيضا أليس الحكماء لما أثبتوا الحيز الطبيعي للأجسام قالوا نحن نعلم بالضرورة أن كل جسم لو خلي وطبعه لكان في حيز فقد اعترفوا بأن كل جسم يجب أن يكون في مكان وحكموا بذلك هناك وبنوا عليه إثبات المكان الطبيعي فما بالهم نسوا ذلك وأنكروه حين ألزموا به فالقائلون بأن المحدد لا مكان له مناقضون لأنفسهم فيما ادعوه هناك بل نقول كيف لا يكون للمحدد مكان وأن الحركة الوضعية التي لا تقتضي تبدل المكان إنما تعرض لمجموع المحدد من حيث هو مجموع وأما نصفاه المتمايزان بحسب ما يعرض لهما من كونهما فوق الأرض أو تحتها فلا شك أنهما يستبدلان المكان ولهما نقلة من مكان إلى آخر وكذلك جميع أجزاء المحدد تستبدل أمكنتها بأمكنة أخرى حال حركته بالاستدارة ولو كان أجزاء المتحرك بالحركة الدورية ليس لها نقلة من مكان إلى مكان آخر لم يكن للقمر والشمس وسائر الكواكب ولا لمكانها الذي ركزت هي فيه نقلة أصلا لأنها لا تستبدل سطحا بسطح والضرورة تبطله ألا ترى أنها تارة فوق الأرض وتارة تحتها فكيف لا تكون متنقلة من مكان إلى آخر مع ثبوت هذه الحالة لها وإذا كان كل جزء من أجزاء المحدد في مكان ومستبدلا بسبب حركته الوضعية مكانا آخر كان المحدد كله في مكان مركب من أمكنة أجزائه فوجب أن يكون المكان هو البعد دون السطح هذا وقد قيل إن الحيز عندهم ما به تتمايز الأجسام في الإشارة الحسية وهو أعم من المكان لتناوله الوضع الذي يمتاز به المحدد عن غيره في الإشارة فهو متحيز وليس في مكان ولا بعد في أن تكون الحالة التي تميزه في الإشارة الحسية عن غيره طبيعية له وإن لم يكن شيء من أوضاعه ونسبته بالقياس إلى ما تحته أمرا طبيعيا وأيضا لهم أن يخصوا قولهم كل جسم فهو متحيز بالأجسام التي لها مكان فيخرج عنه ما لا مكان له وأن يقولوا إن المشار إليه بهنا وهناك قد يكون الحالة المميزة في الإشارة الحسية وحينئذ تندفع المناقضة أيضا وأما حديث أجزاء المتحرك بالاستدارة فنقول إن كانت تلك الأجزاء مفروضة فلا يعرض لها حركة خارجية قطعا وإن كانت موجودة بالفعل كالكواكب المنفصلة عن أجرام الأفلاك المركوزة هي فيها فالمعلوم من حالها بالضرورة تبدل أوضاعها بالقياس إلى الأمور الثابتة تبعا للحركة الوضعية الحاصلة للفلك وأما انتقالها من مكان إلى مكان فليس مما علم بالضرورة
صفحہ 560