المواقف
المواقف في علم الكلام
قلنا هذا اللزوم ممنوع إذ البعد الذي في الجسم قائم بالمادة حال فيها والبعد الذي هو الجسم أعني المكان قائم بنفسه غير حال في المادة وأنهما مختلفان بالحقيقة فلا يلزم حينئذ من عدم قبول أحدهما الحركة عدم قبول الآخر إياها إنما يلزم ذلك على تقدير التماثل في الحقيقة وما يقال في إبطال كون المكان بعدا قائما بنفسه من أن البعد قد اقتضى من حيث هو هو أعني لذاته القيام بالمحل والحاجة إليه وإلا لاستغنى في حد ذاته عنه أي عن المحل والقيام به إذ لا واسطة بين الحاجة وعدمها الذي هو الاستغناء فلا يحل البعد فيه أي في المحل أصلا لأن ما لا حاجة له في تقوم ذاته إلى شيء لا يتصور حلوله فيه لكن البعد قد حل في المحل كما في الأجسام فلا يكون من حيث هو هو مستغنيا عن المحل بل محتاجا إليه لذاته ومقتضيا للقيام به وإنه يقتضي أن يكون كل بعد كذلك أي حالا في المحل قائما به لأن مقتضى ذات الشيء لا يتخلف عنه فلا يمكن حينئذ أن يكون بعدا قائما بنفسه حتى يكون المكان عبارة عنه وقوله بناء خبر للمبتدأ الذي هو قوله وما يقال يعني أن هذا الاستدلال على إبطال كون المكان بعدا موجودا مبني كالوجه الأول على تماثل الأبعاد المادية والمجردة وقد عرفت أنه ممنوع والجواب عن الوجه الثاني أنا لا نسلم اجتماع البعدين في جسم على تقدير نفوذ بعد الجسم في البعد الذي هو المكان بل نقول بعد هو في الجسم يلازمه وهو حال في مادته وبعد فيه الجسم يفارقه وليس حالا في مادته بل هو قائم بنفسه فهناك بعدان مادي ومجرد قد نفذ أحدهما في الآخر وتداخلا وامتناع ذلك أي امتناع النفوذ والتداخل بين البعد المادي والبعد المجرد ممنوع ودعوى الضرورة غير مسموعة للتخالف في الحقيقة لما عرفت من تنافي لازميهما أعني جواز المفارقة وامتناعها وإن اشتركا في كونهما بعدا إنما الممتنع بالضرورة نفوذ المادي في المادي وتداخلهما ومنه أي ومما ذكرنا من حال هذين البعدين المتداخلين يعلم أنه لا يلزم من جواز تداخلهما جواز كون الذراع الواحد ذراعين ولا كون شخص واحد شخصين فإنه أي الذراع عبارة عن البعد الحال في المادة والتداخل في الأبعاد المادية محال وإن جاز ذلك بين المادي والمجرد وبهذا يعلم أيضا أنه لا يلزم تجويز تداخل العالم في حيز خردلة وأن البعد المجرد ليس متحيزا بذاته حتى يقتضي انفراده بحيز كالمادي بل المجرد هو الحيز نفسه وأنه لا يلزم اجتماع المثلين لأن البعدين متخالفان في الحقيقة مع أن أحدهما حال في المادة دون الآخر وبالجملة فالأدلة المذكورة على امتناع تداخل بعد الجسم والبعد الذي هو المكان فرع تماثل البعدين المادي والمجرد ولا يقول به عاقل لأن أحدهما قائم بغيره والآخر قائم بنفسه فكيف يتصور تساويهما في تمام الحقيقة فروع على كون المكان سطحا فإنه اللازم من بطلان كونه بعدا كما تحققته
الأول المكان قد يكون سطحا واحدا كالطير في الهواء فإن سطحا واحدا قائما بالهواء محيط به أو أكثر من سطح واحد كالحجر الموضوع على الأرض فإنه أي مكانه أرض وهواء يعني أن سطح مركب من سطح الأرض الذي تحته وسطح الهواء الذي فوقه
صفحہ 556