المواقف
المواقف في علم الكلام
الوجه الثاني الزمان الحاضر موجود يعني أنه على تقدير وجود الزمان يجب أن يكون الزمان الحاضر موجودا وإلا لم يكن الزمان موجودا أصلا لأنه أي الزمان منحصر في الحاضر والماضي والمستقبل والماضي ما كان حاضرا وصار منقضيا والمستقبل ما سيصير حاضرا وهو الآن المترقب وإذا كان لا حاضر موجودا ولا ماضي ولا مستقبل موجودين فلا وجود للزمان أصلا وهو خلاف المفروض وأنه أي الزمان الحاضر الموجود غير منقسم وإلا فأجزاؤه إما معا فيلزم اجتماع أجزاء الزمان والضرورة قاضية ببطلانه إذ لو جاز اجتماع أجزائه لجاز أن يكون الحادث في الزمان السابق حادثا لليوم وإما مترتبة فيتقدم بعض أجزاء الحاضر على بعضه فلا يكون الحاضر كله حاضرا بل بعضه هذا خلف وأيضا ننقل الكلام إلى ذلك البعض الحاضر فيجب الانتهاء إلى حاضر غير منقسم لامتناع انقسامه إلى ما لا يتناهى وإذا كان الزمان الحاضر غير منقسم فكذا الكلام في الجزء الثاني الذي سيحضر عقيب هذا الحاضر والجزء الثالث الذي يحضر عقيب الثاني إذ ما من جزء من أجزاء الزمان ماضيا كان أو مستقبلا إلا وهو حاضر حينا ما وقد عرفت أن الحاضر غير منقسم فتكون أجزاء الزمان غير منقسمة وهي المسماة بالآنات فيتركب الزمان من آنات متتالية والمفروض أنه أي الزمان موجود فتكون الحركة مركبة من أجزاء لا تتجزأ لأنه أعني الزمان من عوارضها وينطبق عليها وكذلك الجسم الذي هو المسافة يكون مركبا من أجزاء لا تتجزأ لأنها أي الحركة من عوارضه أي منطبقة عليه وبالجملة فالزمان والحركة والمسافة أمور متطابقة بحيث إذ فرض في أحدها جزء يفرض بإزائه من كل واحد من الآخرين جزء فإذا تركب أحدهما من أجزاء لا تتجزأ كان الآخر كذلك فظهر أنه لو كان الزمان موجودا لكان الزمان الحاضر موجودا ولو كان الزمان الحاضر موجودا لكان الجسم مركبا من أجزاء لا تتجزأ وأنتم لا تقولون به أي بتركب الجسم من الأجزاء التي لا تتجزأ فيتم الاستدلال عليكم الزاما أو نبطله يعني تركب الجسم من تلك الأجزاء بدليله الدال على امتناع تركبه منها فيتم الاستدلال برهانا ولما كان حاصل الوجه الثاني أنه لو وجد الزمان فإما أن يوجد في الحاضر أو في الماضي أو في المستقبل والكل باطل أجاب عنه ابن سينا بأن قال لم قلتم أنه لو وجد الزمان فإما في الآن أي الحاضر أو في الماضي أو في المستقبل فإن كلا منها أخص من الموجود المطلق ولا يلزم من كذب الأخص وانتفائه كذب الأعم وانتفاؤه وهو مشكل لأن وجود الشيء مع أنه لا يوجد في الحال ولا في الماضي ولا في المستقبل متعذر بل هو غير متصور وقدا ناقض ابن سينا نفسه حيث قال في جواب استدلالنا ببرهان التطبيق على امتناع وجود الحوادث المتعاقبة إلى غير النهاية جميع الحركات الماضية التي لا تتناهى لا توجد أصلا حتى يتصور فيها التطبيق وتتصف بالزيادة والنقصان وإلا ففي الماضي أو الحال أو المستقبل والكل باطل فقد حكم هناك بأن ما لا يوجد في شيء من الأزمنة الثلاثة لم يكن موجودا قطعا ومنعه ههنا أنه تناقض صريح
فإن قلت لا مناقضة فإن ما ليس بزمان كالحركة مثلا ويسمى زمانيا إذا لم يوجد في شيء من الأزمنة لم يكن موجودا بخلاف الزمان كالماضي مثلا فإنه عندنا موجود في حد نفسه وإن لم يكن موجودا في الحال ولا في الاستقبال وهو ظاهر ولا في الماضي لاستحالة كون الشيء ظرفا لنفسه وتوضيحه أن المكان موجود في نفسه وإن لم يوجد في شيء من الأمكنة بخلاف المكاني فإنه إذا لم يوجد في مكان لم يكن موجودا
صفحہ 531