المواقف
المواقف في علم الكلام
في أن العرض لا ينتقل من محل إلى محل على قياس انتقال الجسم من مكان إلى مكان وهذا حكم قد اتفق العقلاء على صحته فعند المتكلمين لأن الانتقال إنما يتصور في المتحيز وذلك لأن الانتقال هو حصول الشيء في حيز بعد أن كان في حيز آخر وهذا المعنى لا يتحقق إلا في المتحيز والعرض ليس بمتحيز وفيه نظر فإن ذلك الانتقال المفسر بما ذكر هو انتقال الجوهر من مكان إلى آخر وأما انتقال العرض الذي كلامنا فيه فهو أن يقوم عرض بعينه بمحل بعد قيامه بمحل آخر وليس هذا مما لا يتصور في العرض بل لا بد لنفيه عنه من برهان لا يقال هو حال الانتقال إما في المحل الأول أو الثاني وكلاهما باطل لأن كونه في المحل الأول استقرار فيه متقدم على الأنتقال عنه وكونه في المحل الثاني ثبوت فيه متأخر عن الانتقال إليه وإما في محل آخر ويعود الكلام إلى انتقاله إلى هذا المحل ويلزم ذلك المحذور لأنا نقول جاز أن يكون انتقال العرض دفعيا لا تدريجيا فيكون آن مفارقته عن محله هو آن مقارنته لمحل آخر وأما عند الحكماء فلأن تشخصه إي تشخص العرض المعين ليس لذاته وماهيته ولا للوازمها وإلا انحصر نوعه في شخصه ولا لما يحل فيه وإلا دار لأن حلوله في العرض يتوقف على تشخصه ولا لمنفصل لا يكون حالا فيه ولا محلا له لأن نسبته إلى الكل سواء فكونه علة لتشخص هذا الفرد دون غيره ترجيح بلا مرجح فهو أي تشخصه لمحله فالحاصل في المحل الثاني هوية أخرى أي تشخص آخر غير التشخص الذي كان حاصلا في المحل الأول لأنه لما كان لمحله مدخل في تشخصه لم يتصور مفارقته عنه باقيا تشخصه بل يجب انتفاؤه حينئذ فلا يكون الحاصل في المحل الآخر عين الذي عدم بل شخصا آخر من نوعه والانتقال من محل إلى آخر لا يتصور إلا مع بقاء الهوية المنتقلة من أحدهما إلى الآخر وإذ لا بقاء للهوية ههنا فلا انتقال أصلا وفيه نظر لجواز أن يكون تشخصه بهويته الخاصة ولا يلزم حينئذ أنحصار النوع في الشخص إنما يلزم ذلك إذا كان تشخصه بماهيته وفيه بحث لأنه أريد بهويته الخاصة تشخصه لزم كون الشيء علة لنفسه وإن أريد ماهيته مع تشخصه كان الكل علة لجزئه وإن أريد وجوده العيني فإن أخذ مطلقا لم يكن علة لتشخص معين وإن أخذ معينا فكذلك لأن تعين الوجودات في أفراد ماهية نوعية إنما يكون بتعينات تلك الأفراد فلو عكس دار نعم يرد على الدليل أنا لا نسلم استواء نسبة المنفصل إلى الكل إذ يجوز أن يكون له نسبة خاصة إلى تشخص معين خصوصا إذا كان المنفصل فاعلا مختارا فإن له أن يختار ما يشاء ويتجه عليه أيضا أنه لا يطرد في عرض ينحصر نوعه في شخصه وربما يقال في إثبات امتناع الانتقال العرض يحتاج إلى المحل بالضرورة فإما أن يحتاج العرض المعين إلى محل معين فلا يفارقه لأن خصوصية ذلك العرض المعين متعلقة بذلك المحل المعين ومقتضية إياه لذاتها أو إلى محل غير معين ولا وجود له في الخارج لأن كل موجود في الخارج فهو متعين في نفسه فيلزم حينئذ أن لا يوجد العرض في الخارج لانتفاء المحل الذي يحتاج هو إليه وهذا باطل قطعا فتعين الأول وامتنع الانتقال وهو المطلوب وفيه نظر إذ قد يحتاج العرض المعين إلى محل بلا شرط التعين أي إلى محل مطلق غير مقيد بالتعين وأنه أعم من المعين الذي قيد بالتعين فيوجد ذلك المطلق المأخوذ بلا شرط التعين في كل معين من المعينات لا إلى محل مقيد بشرط عدم التعين حتى يمتنع وجوده في الخارج فيلزم أن لا يوجد العرض فيه وإنما قلنا إنه يحتاج إلى المحل المطلق عن التعين ولا يحتاج إلى المقيد بعدم التعين إذ لا يلزم من عدم اعتبار التعين في المحل الذي يحتاج إليه العرض المعين اعتبار عدم التعين فيه كما قد علمته من أن الماهية المطلقة التي لم يعتبر فيها وجود عوارضها ولم تقيد به أعم من الماهية المخلوطة المقيدة به الموجودة في الخارج ومن المجردة المقيدة بعدمها المستحيل في الخارج وجودها وأيضا فهو أي ما ذكرتم من الدليل وارد في الجسم بالنسبة إلى الحيز فيقال الجسم يحتاج في كونه متحيزا إلى الحيز بالضرورة فإما أن يحتاج إلى حيز معين أو غير معين والثاني باطل لأن غير المعين لا وجود له فيلزم أن لا يوجد الجسم المتحيز فتعين الأول فلا يجوز انتقال الجسم عن الحيز المعين إلى غيره فانتقض دليلكم وما هو جوابكم فهو جوابنا
صفحہ 494