المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية

المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية

ایڈیٹر

مجموعة محققين وهم

ناشر

معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي بجامعة أم القرى

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م.

پبلشر کا مقام

مكة المكرمة

اصناف
Grammar
•
علاقے
اسپین
•
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وسلم
يقول عبيد الله إبراهيم بن موسى بن محمد بن موسى بن أحمد بن علي اللخمي (رحمه الله تعالى) ورضي عنه بمنه وكرمه.
اللهم إنا نحمدك على ما علمت ونشكرك على ما أنعمت، ونستوهب منك عالما نافعا يزلف إليك، وعملا صالحا نرجو به الخلاص بين يديك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك. ولا نجاة إلا لمعتصم بحبلك، لائذ بجنابك، ونسألك أن تصلي على خيرتك من خلقك القائم من تبليغ رسالتك بواجب حقك. الذي بعثته إلى جميع العالمين بلسان عربي مبين، محمد نبيك وعبدك، ورحمتك المهداة إلينا من عندك وعلى آله الذين أعانوا وآزروا، وآووا ونصروا من أجلك وفي ذاتك وابتغاء مرضاتك، حتى قام دينك دين الحق على ساق، واتسق شمله أي اتساق، وسلم تسليما.
أما بعد فإن بعض من يجب علي إسعافه، ولا يسعني خلافه، كان قد أشار على أن أقيد على أرجوزة الإمام العلامة أبي عبد الله بن

1 / 1

مالك الصغرى وهي المسماة بـ (الخلاصة) شرحا يوضح مشكلها، ويفتح ويرفع على منصة البيان فوائدها، ويجلو في محك الاختيار فرائدها، ويشرح ما استبهم من مقاصدها، ويقف الناظر فيها على اغراضها من مراصدها، من غير اعتراض إلى ما سوى هذا الغرض، ولا اشتغال عن الجوهر بالعرض، فسمحت الأيام بما شاء الله أن تسمح وسرح القلم في ميدانه إلى ما قدر له أن يسرح، ثم عاق عن إتمامه بعض الأمور اللوازم، ودخلت على فِعلَي الحال فيه أدوات الجوازم، فثنت عنه عناني وأمسكت عن التفكير فيه جناني، وبعد بُعدٍ وانتزاح ثابت إلى نفسي، وتخلصت من تقييد تشخصي بالرجوع إلى أبناء جنسي، فقد بقي بعض من اعتمد على صفاء وده وإخلاصه، إلى تمام ذلك المقصد وخلاصه، وحين رفع عني حجاب العذر، انتدبت إلى الوفاء بذلك النذر، مستندا إلى منّ الله وطوله وخارجا من حولي إلى حوله، وهو المسئول أن يسنى مقاصدنا لديه، وأن يقف آمالنا عليه، فإنه لا ملجأ ولا منجأ منه إلا إليه، وأنا أعرف ان الناظر فيه أحد ثلاثة:
إما عالم طالب للمزيد في علمه، وأقف من أدب العلماء عنده مده ورسمه، موقن أن كل البشر سوى الأنبياء غير معصوم، آخذ بالعذر في المنطوق به من الخطأ والمفهوم، فلمثل هذا بثثت فيه ما بثثت، وإليه حثثت من خيل عزمي وركاب فهمي ما حثثت، فهو الأمين على إصلاح ما تبين فساده، حين تخلق بأخلاق أهل العلم والإفادة.
وإما متعلم يرغب في فهم ما حصل، ويسعى في بيان ما قصد وأشكل والنفوذ فيما قصد وامل، فلأجل هذا حالفت عناء الليل والأيام، واستبدلت التعب بالراحة والسهر بالمنام، رجاء أن أكون ممن أثر بما أسدي إليه،

1 / 2

وشكر ما أنعم به عليه.
وإما طالب للعثرات، متبع للعورات، يضعف ويقبح، ويحسن ظنه بنفسه ويرجح، وفسد ظانا أنه يصلح، فمثل هذا لا اعتمد عليه، لا ألتفت في رد ولا قبول إليه، وإن كان أعرب من الخليل وسيبويه، لأنه ناطق عن الهوى سالك سبيل من ضل وغوى، ولم يتخلق بآداب العلماء، ولا أم طريق الفضلاء، والله هو الرقيب على القلوب، والعلم بسرائر الغيوب، ومن عمل صالحا فلنفسه، ومن غرس جنى ثمرة غرسه، " إنما العمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ماهاجر إليه"
قال الناظم -رحمة الله عليه-:
قال محمد هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك
مصليا على الرسول المصطفى ... وآله المستكملين الشرفا
ابتدأ الناظم ﵀ بأشياء ينبغي تقديمها في أوائل الأمور المعتنى بها.

1 / 3

أحدها: التعريف بنفسه لئلا يجهل القائل، ثم الثناء على الله ﷿ الذي هو مقدم على كل امر ذي بال، ثم الصلاة على رسوله محمد ﷺ التي هي الوسيلة لقبول الطاعات، وتعبيره عن القول بلفظ الفعل الماضي فيه السؤال، إذ يقال: إن صيغة الماضي حقيقة فيما وقع وانقطع، وهو بعد لم يقل شيئا، فكان من حقه أن يأتي بلفظ يقول، الذي صيغته موضوعة للاستقبل؟
والجواب: أن ذلك لا يصح حيث يكون المستقبل مظنون الوقوع كهذا الموضع، كما يصح حيث يكون معلوم الوقوع كقول الله تعالى- «أَتَى أَمرُ الله» - وليس بواقع بعد لقوله: «فَلَا تَستَعجِلُوهُ».
وقوله: قال محمد هو اسم الناظم ﵀.
وقوله: هو ابن مالك هي المعرفة التي اشتهر بها، وهو محمد بن عبدالله بن عبدالله بن مالك الطائي الجيّاني يكنى أبا عبدالله ويدعى جمال الدين، أحد أئمة الصناعة النحوية والعلوم العربية، صنف كتبا مفيدة في النحو والقراءات واللغة، ونظم رجزين في النحو.
أحدهما: يستعمله أهل البلاد المشرقية، وهو الذي نثره في كتابه

1 / 4

المسمى: بـ "الفوائد المحوية في المقاصد النحوية".
والثاني: هذا الذي شرع في الكلام عليه وهو عظيم الفائدة، استولى من علم النحو على جل القدر المحتاج إليه، موفّى الأقسام، محرر القوانين، خاليا من الحشو، قليل الألفاظ، كثير المعاني.
قال الإمام أبو عبدالله بن رشيد ﵀: أخبرني بتصانيفه في الجملة الإمام المقرئ نور الدين أبو الحسن علي بن محمد بن بركات،

1 / 5

شُهر بالبديع، وقال لي: قرأت عليه بعض المفصل للزمخشري وبعض تسهيل الفوائد، وأجاز لي جميع رواياته ومصنفاته في النحو وغيره، توفي ﵀ عام اثنين وسبعين وستمائة.
قال لنا شيخنا القاضي أبوعبدالله المقرئ ﵀ وفي هذه السنة ولد شيخنا الوزير أبو محمد عبدالمهيمن بن محمد بن عبدالمهيمن / الحضرمي السبتي فكان يقال: مات فيها إمام نحو /٤ وولد إمام نحو انتهى.
وقال الإمام أبو عبدالله بن النحاس الحلبي يرثي ابن مالك:

1 / 6

قُل لابن مالكٍ ان جرت بك أدمُعي حُمرًا يحاكيها النّجيعُ القاني
فلقد جرحت القلب حين نعيتَ لي فتدفقت بدمائها أجفاني
لكن يسهل ما أُجنّ من الأسى عِلمِي بِنُقلَتِهِ إلى رضوان
فسقَى ضَريحًا ضمّه صَوبَ الحيَا ... يهمي له بالروح والريحان
وقول الناظم: "هو ابن مالك" بالقطع وإظهار المبتدأ، أتى به كذلك لأن الصفة التي هي ابن مالك، صفة بيان، وذلك جائز وإن كان قليلا، والأكثر الاتباع في نعوت البيان.
وقوله: "أحمد ربي الله خير مالك" أما الحمد فمعناه: الثناء على الله تعالى بصفات الكمال والإنعام والإفضال، وهو أعم من المدح والشكر، لأن المدح ثناء على ماهو عليه من أوصاف الكمال والجلال، والشكر ثناء على ما هو منه من أوصاف الإنعام والإفضال، فالحمد يشملهما.
وقيل: إن الحمد والمدح يجريان مجرى المترادفين، وكذلك قيل في الحمد والشكر: إنهما بمعنى واحد، والتحقيق ما تقدم.
و(الرب): هو السيد القائم على الأشياء المصلح لها، يقال: ربَّهُ يَرُبُّه ربًّا وربّاه يُرَبِّيه تَربِيةً، إذا قام بشئونه ومصالحه. و(الله): أصله الإله، ومعناه المعبود، والعرب تطلق الإله على كل معبود بحق أو باطل، إلا أنهم حذفوا الهمزة تخفيفا ونقلوا حركتها إلى لام المعرفة فصار اللّاه، فاجتمع عند ذلك مثلان، فاعتدُّوا بالعارض وأدغموا أحدهما في الآخر على غير قياس، فصار الله، وألزموا الكلمة الألف واللام عوضا مما حذف

1 / 7

منها، ثم فخموا اللام تعظيما للاسم، وفرقا بينه وبين اللات فصار مختصا بالإله المعبود بحق وهو رب العزة سبحانه. و(خير) بِنْيَة تفضيل من الخير ضد الشر، وأصل التفضيل بهما على أفعل فكان الصل أن يقال: فلان أخير من فلان وأشر منه، ومما يدل على ذلك قولهم: الخُورَى والشُرَّى تأنيث الأخيَر والأشرّ، إلا أنهم رفضوا الصل لكثرة الاستعمال فيهما وحذفوا الهمزة، وقد جاءوا بهما علىلأصل نادرا، وقال رؤبة
بلال خير الناس وابن الأخير
وقرأ أبو قلابة: «منِ الكَذّابُ الأشرّ». والمالك: الذي يملك الأشياء ويصرّفها تحت يده وقهره باستحقاق، وحقيقة الملك: احتواء على الشيء والقدرة على الاستبداد به، وإضافة خير إلى مالك هي من إضافة أفعل التفضيل إلى جنسه، وأصله في الإضافة خير المَالِكِين، إلا أنهم اختصروا وأضافوا المفرد، إذا كان يعطي من المعنى ما يعطيه من الأصل. ومعناه: أنه خير كل مالك قيس ملكه بملكه، وسيأتي في أفعل التفضيل حكمه مستوفى إن شاء الله. ولفظ (الله) هنا بدل من (ربي)، أو عطف بيان، و(خير مالك) بدل، أو منصوب على المدح، ولا يكون صفة، لأنه نكرة. وإنما أتى الناظم بفعل الحمد فقال: (أحمد ربي) ولم يقل الحمد لله مع أنه أبلغ، لأنه قصد إظهار ولاية ذلك بنفسه وعمله فيه، تحقيقا للعبودية بذكره، مضافا

1 / 8

ذلك إلى قَصد الابتداء بالحمد لئلا يكون كلامه أجذم عن البركة والخير، على ما جاء في الحديث خرجه أبو داوود، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " كل كلا لا يبدا فيه بحمد الله فهو أجذم". وفي لفظ النسائي: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع.
وقوله: "خير مالك" قصد به المجانسة لقوله في القسم الأول: (هو ابن مالك) وليسا بمترادفين، لأن الأول معرفة والثاني نكرة، فهو سالم عن الإيطاء، إذا هذا عند أهل القافية مما يقع به الاختلاف، ونظيره ما أنشده أبو الحسن من قوله:
١ - يارب سلّم سَدْوَهُنَّ الليلة ... وليلة أخرى وكل ليلة
لأن النكرة والمعرفة مختلفان بالشياع والخصوص، بل الاختلاف في كلام الناظم أتمّ منه في الشاهد، لأن العلمية مخرجة للمسمى به عن أصل معناه، وإن كان ملحوظا من طرف خفيّ في مثل هذا، فيمكن أن يكون الجرمي موافقا هنا وإن خالف في نحو الشاهد، وفي

1 / 9

مثله حكي الخلاف عنه فيما أحسب، لا في مثل كلام الناظم، وقد حصل الناظم في مثل هذه المجانسة معنى لطيفا، وهو أن مالكا العلمَ إنما سمي بذلك ليكون ممن يملك وتحصل له رتبة المالكين، على عادة العربي في التسمية بالصفات كحارث وقاسم ونحوهما من قصد التفاؤل بالأسماء، فكأنه خطر للناظم في نسبته إلى مالك هذا المعنى، فصرف عنان الاعتناء به إلى الدخول في خفارة خير المالكين، الذي له الملك الصحيح والاستيلاء الحق، وهو المعتصم المانع والحصن الثابت بالأصل والاستحقاق والدوام، وأيضا فإنه قصد مع ذلك التنبيه على أنه عبد داخل تحت يد ذلك المالك فليحمده بلسان الافتقار والاضطرار الذي هو أقرب للنجاح وأحرى بالفلاح، ولذلك أيضا قال (أحمد ربي) بإضافة الرب إلى ضمير نفسه، إذا كان قصده تقييده بالعبودية التي هي مناط قيام الرب له بما يصلحه في جميع شئون وتصرفاته عموما، وفيما يحاوله من هذه الإفادة التي أخذ فيها خصوصا، وهذه كلها مقاصد حسنة مجدية بفضل الله.
وقوله: (مصليا على الرسول المصطفى) نصبَ (مصليا) على الحال من الضمير الفاعل في أحمد، أي أحمد الله في كل حال كوني مصليا، وأراد الجمع بين الثناء على الله ﷿، والصلاة على رسوله لما في ذلك من البركة الموعود بها في الشرع، وذلك مرجو القبول والإجابة، كما جاء في

1 / 10

المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية | اصول