Al-Manhal Al-Adhb Al-Mawrood Sharh Sunan Abi Dawood
المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود
ایڈیٹر
أمين محمود محمد خطاب (مِن بعد الجزء ٦)
ناشر
مطبعة الاستقامة
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
١٣٥١ - ١٣٥٣ هـ
پبلشر کا مقام
القاهرة - مصر
اصناف
•Islamic thought
علاقے
مصر
المنهل العذب المورود
شرح سنن الإمام أبي داود
تأليف
الإمام الجليل المحقق، والعارف الرباني المدقق
محيي السنة وقامع البدعة، صاحب الفضيلة والإرشاد الشيخ:
محمود محمد خطاب السبكي
تاج العلماء الأعلام بالأزهر المعمور
[الجزء الأول]
1 / 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، الذي شرح صدور من اصطفاهم من خيار المؤمنين، لنصرة وكشف اللثام عن هدي سيد الأولين والأخرين، فبذلوا الجهد في بيان ما ورد عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من معالم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها صمدا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله خير بشير ونذير القائل ﴿نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمع، فربّ مبلغ أوعى من سامع﴾ (١) والقائل ﴿اللهم ارحم خلفائي قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك قال الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها الناس﴾ (٢) والقائل ﴿من أدّى إلى أمّتي حديثا لتُقَامَ به سُنّةٌ، أو تُثْلَمَ به بِدْعَةٌ، فله الجنّةُ﴾ (٣) صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وعلى كل من نهج نهجه القويم.
﴿أما بعد﴾
فيقول محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السبكي (٤):
إني لما شرعت بعون الله تعالى وتيسيره في قراءة سنن الإمام الورع الثبت الحجة أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني في ربيع الثاني من سنة ١٣٤٣ ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف هجرية، وكانت نسخ ذلك الكتاب نادرة الوجود، وقد صعب على الطلبة اقتناؤها، أردت طبعه ليسهل الحصول عليه، ويعمّ النفع به، فطلب مني أن أكتب عليه شرحا يكشف عنه النقاب، ويوضح ما فيه للطلاب، إذا لم يكن مشروحا شرحا وافيا، فشمرت عن ساعد الجدّ والاجتهاد، واستعنت بالملك المقتدر الهادي إلى سبيل الرشاد، وشرحته شرحا واضحا غاية الإيضاح؛ مفصحا عن معانيه كلّ الإفصاح
(١) رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(٢) رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(٤) نسبة إلى سبك الأحد مركز أشمون بمديرية المنوفية.
1 / 2
وتوخيت فيه تأييد الحق، وقوّيته حسبما وصل إليه الجهد، وسميته (المنهل العذب المورود شرح سنن الإمام أبى داود) وقد عنيت فيه بيان تراجم رجال الحديث، وشرح ألفاظه وبيان معناه، وما يستفاد منه من الأحكام والفوائد، مبينا أوجه الخلاف وأدلته إن كان ثم أذكر من أخرج الحديث غير المصنف سواء أكان من الأئمة الستة أم غيرهم، وأبين حاله من صحة أو حسن أو غيرهما، سالكا في كل ذلك سبيل الإنصاف، منتكبا طريق الاعتساف ولإتمام الفائدة بدأت الشرح بذكر مقدمة تشتمل على نبذة من مصطلح الحديث وعلى ترجمة المصنف وتلاميذه وبيان النسخ المرويّة عنه وأسانيد روايتى هذه السنن عن المصنف وأسأل الله تعالى أن يجعله عملا مقبولا لديه خالصا لوجهه الكريم ولا اعتماد لى في شئ إلا عليه وهو حسبى ونعم الوكيل
مقدمة
تشتمل على مبادى علم الحديث، وشذرات من علم المصطلح، وترجمة الإمام أبى داود والتعريف بسننه، وشرطه؛ وطريقته فيها؛ والكلام على ما سكت عليه والنسخ المروية عنه، وتراجم رواتها؛ وسندنا إليه
. . . . . . . . . . . . . . . (مبادئ علم الحديث). . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(الحديث) لغة ضد القديم، واصطلاحا ينقسم إلى قسمين علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية.
أما علم الحديث رواية فهو علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة خلقية بكسر فسكون ككونه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ليس بالطول ولا بالقصير أو خلقية بضمتين ككونه لا يواجه أحدا بمكروه، وليس المراد بالعلم هنا القواعد الكلية بل هو قضايا جزئية يتبين بها ما ذكر
(وموضوعه) أقوال النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته
(وفائدته) الاحتراز عن الخطأ في نقل ما أضيف إلى النبى صلى لله تعالى عليه وعلى آله وسلم ومعرفة كيفية الاقتداء به في أفعاله وغير ذلك
(وواضعه) أعنى أول من جمعه محمد بن مسلم ابن شهاب الزهرى بأمر سيدنا عمر بن عبد العزيز
(وحكمه) الوجوب العينيّ على من انفرد به؛ والكفائى عند التعدد وأما علم الحديث دراية فهو علم يعرف به أحوال السند والمتن من صحة وحسن وضعف ورفع ووقف وقطع وعلوّ ونزول وغيرها. فالعلم هنا عبارة عن القواعد كقولهم
1 / 3
كل حديث صحيح أو حسن يستدلّ به
(والسند) الطريق الموصل إلى المتن وهو الرواة
(والمتن) ما انتهى إليه السند من الكلام (وموضوعه) السند والمتن من حيث إثبات هذه الأحوال لهما
(وفائدته) معرفة المقبول والمردود منهما
(وواضعه) القاضي أبو محمد الرّامَهُرمُزي بشدّ الراء وفتح الميم الأولى وضم الهاء والميم الثانية بينهما راء ساكنة. ثم الحاكم ثم آخرون كأبي نعيم وابن الصلاح
(واسمه) علم مصطلح الحديث وله تعريف آخر وهو علم يعرف به حقيقة الرواية وشروطها وأنواعها وحكمها وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها.
فحقيقة الرواية نقل السنة ونحوها وإسناد ذلك إلى من عزى إليه بتحديث أو إخبار أو غير ذلك (وشرطها) تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل من سماع وإجازة ونحوهما
(وأنواعها) الاتصال والانقطاع ونحوهما
(وأحكامها) القبول والردّ
(وحال الرواة) العدالة والجرح
(وشروطهم) في التحمل وفى الأداء ما هو مذكور في المصطلح
(وأصناف المرويّات) المصنفات والمسانيد والمعاجم والأحاديث والآثار وغيرها
(وما يتعلق بها) هو معرفة اصطلاح أهلها.
شذرات من علم مصطلح الحديث
الخبر مرادف للحديث على الصحيح وله تقسيمان
التقسيم الأول له باعتبار طرقه
ينقسم الخبر إلى متواتر وآحاد
(فالمتواتر) ما رواه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب
عن مثلهم وكان مستند انتهائهم الحسّ كسماع أو رؤية ولا يتعين عددهم على الصحيح. وحكمه أنه يفيد العلم الضرورىّ على المشهور. وهو مقبول لإفادته القطع بصدق مخبره
(والآحاد) ما ليس بمتواتر: وأقسامه ثلاثة
(الأول المشهور) وهو ما رواه عدد فوق اثنين عن أكثر من اثنين وهكذا بحيث لم يجتمع فيه شروط المتواتر.
(والثاني العزيز) وهو ما رواه اثنان عن اثنين ولو في طبقة واحدة عن متعدد فالزيادة عنهما أحيانا لا تضر إذ الحكم للأقل
(الثالث الغريب) وهو ما تفرد بروايته واحد في أى موضع من السند. وينقسم إلى مطلق ونسبىّ. فالمطلق ما تفرد فيه الصحابى أو التابعى. والنسبىّ ما تفرد فيه غيرهما. وأقسام الآحاد منها المقبول والمردود لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها.
الحديث المقبول
هو ما ترجح صدق المخبر به، وينقسم إلى أربعة أقسام. صحيح لذاته ولغيره. وحسن لذاته ولغيره لأنه إن اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح لذاته. وإن اشتمل على
1 / 4
أوسطها أو أدناها ووجد ما يجبر القصور ككثرة الطرق فهو الصحيح لغيره. وإن اشتمل على أوسطها أو أدناها ولم يوجد ما يجبر القصور فهو الحسن لذاته. وإن لم يشتمل على شئ من أوصاف القبول لكن كثرت طرقه أو تقوّى بمتتابع أو شاهد (١) فهو الحسن لغيره. وصفات القبول هى العدالة، والضبط، واتصال السند، والسلامة من العلة والشذوذ. فالعدالة ملكة تحمل من اتصف بها على ملازمة التقوى والمروءة. والضبط ضبط صدر وهو أن يحفظ ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب وهو تصحيحه وصيانته عنده منذ سمع فيه إلى أن يؤدّى منه. واتصال السند سلامته من سقوط راو منه أو أكثر بحيث يكون كل من رواته سمع ذلك المروىّ من شيخه أو أخذه عنه إجازة على المعتمد. والعلة أمر قادح مؤثر في ردّ الحديث يظهر للنقاد عند جمع طرقه كإرسال ووقف مرفوع: والشذوذ مخالفة الثقة من هو أرجح منه حفظا أو عددا بزيادة أو نقص مع عدم إمكان الجمع. وتتفاوت رتب الصحيح بتفاوت هذه الأوصاف في القوة، فما كانت رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وتحرّى مخرّجيه كان أصح مما دونه ولهذا اتفقوا على أن أصح الحديث ما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخارى في صحيحه على رأى الجمهور إلا أن الصفات التى تدور عليها الصحة من كتابه أتمّ منها في مسلم ولأن شرطه أن يكون الراوى قد ثبت لقاؤه بمن روى عنه ولو مرة وأما مسلم فاكتفى بمطلق المعاصرة مع إمكان اللقى عادة. ثم ما انفرد به مسلم. ثم ما كان على شرطهما ثم ما كان على شرط البخارى ثم ما كان على شرط مسلم ثم ما كان على شرط غيره واتفقوا أيضا على أن صحيح ابن خزيمة أصح من صحيح ابن حبان وهو أصح من مستدرك الحاكم لتفاوتهم في الاحتياط وفائدة هذا الترتيب الترجيح عند التعارض وعدم مرجح آخر
(فوائد)
(الأولى) إذا جمع بين وصفين كأن يقال حديث حسن صحيح فذلك لكون الحديث له إسنادان: أحدهما حسن. والآخر صحيح. أو له إسناد واحد وتردّد في وصفه بالحسن أو الصحة وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف الترديد إذ حقه أن يقال فيه حسن أو صحيح
(الثانية) لا تلازم بين السند والمتن في الصحة والحسن إذ قد يصح السند أو يحسن لاجتماع شروط الصحة أو الحسن دون المتن لشذوذ أو علة قادحة فيه وقد لا يصح السند ويصح المتن من طريق آخر
(الثالثة) زيادة الثقة مقبولة ما لم تناف رواية من هو أوثق منه على الصحيح. فإن خولف بأرجح منه لمزيد ضبط
(١) المتابع بالفتح هو الفرد النسبىّ الذى تبين بعد ظن فرديته أن غيره قد وافقه حتى انتهيا إلى صحابيّ واحد؛ والمتابع بالكسر هو هذا الغير الموافق للفرد النسبيّ وهذا هو المراد هنا؛ والمتابعة قسمان: تامة وهي ما حصلت للراوى نفسه في الأخذ عن شيخه؛ وناقصة وهى ما حصلت لشيخه فما فوقه دون الراوى. والشاهد هو ما خالف الفرد النسبيّ الصحابى وشابه متنه متنه لفظا ومعنى أو معنى فقط
1 / 5
أو كثرة عدد أو غير ذلك من المرجحات فالراجح يقال له المحفوظ. والمرجوح يقال له الشاذ فالمحفوظ ما رواه الثقة مخالفا من هو أقلّ منه بزيادة أو نقص مع عدم إمكان الجمع بينهما. والشاذ ما رواه الثقة مخالفا من هو أوثق منه بزيادة أو نقص في المتن. وإن خولف براو ضعيف لسوء حفظه أو نحوه. فالراجح يقال له المعروف. ومقابله المنكر. فالمعروف ما رواه الثقة مخالفا الضعيف والمنكر مارواه الضعيف مخالفا للثقات ويطلق على ما تفرد به الضعيف وإن لم يخالف غيره
(الرابعة) إذا روى العدل الضابط المتقن حديثا انفرد به فمقبول اتفاقا. وإذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا أو رواه بعضهم موقوفا وبعضهم فوعا أو وصله هو في وقت وأرسله في وقت آخر أو رفعه في وقت ووقفه في وقت آخر فالصحيح الذى قاله المحققون أن الحكم لمن وصله أو رفعه ولو كان المخالف له أكثر أو أحفظ. وقيل الحكم للأكثر. وقيل للأحفظ. وينقسم المقبول أيضا إلى معمول به وغير معمول به: فالمعمول به المحكم ومختلف الحديث؛ والناسخ؛ والراجح: وغير المعمول به المنسوخ؛ والمرجوح، والمتوقف فيه لأن الخبر إن سلم من المعارض فهو الحكم ومن هذا الباب أكثر الأحاديث فإن أكثرها غير معارض والمعارض منها قليل وإن عورض بمثله وأمكن الجمع بلا تعسف فهو مختلف الحديث كحديث جابر رضي الله تعالى عنه مرفوعا ﴿لا عدوى ولا طيرة (١) ولا هامة (٢) ولا صفر (٣) ولا غول (٤)﴾ رواه أحمد ومسلم. وحديث أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عند البخارى وفيه ﴿وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد﴾ فهذان الحديثان ظاهرهما التعارض وجمع بينهما بأن الأمراض لا تعدى بطبعها لكن الله ﷾ جعل مخالطة المريض سببا لسريان المرض إلى الصحيح وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. أو بأن الأول محمول على كامل العقيدة والثاني على خلافه. وإن لم يمكن الجمع وعرف التاريخ فالمتأخر ناسخ كحديث ثوبان رضي الله تعالى عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه على آله وسلم ﴿أفطر الحاجم والمحجوم﴾ رواه أحمد والمصنف والنسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم وهو متواتر صحيح. وحديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُما أن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ﴿احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم﴾ أخرجه الشيخان
(١) بكسر ففتح من التطير وهو التشاؤم بالطيور.
(٢) بالتخفيف اسم طائر قيل هى البومة كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول نعت إليّ نفسى أو أحد من أهل دارى.
(٣) بفتحتين وهو تأخير المحرم إلى صفر وهو النسيء وذلك أن العرب كانت تحرّم صفر وتستحلّ المحرم فجاء الإسلام بردّ ما كانوا يفعلونه.
(٤) بضم فسكون قال النووي كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغوّل تغّولا أى تتلون تلوّنا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم فأبطل النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ذلك.
1 / 6
والمصنف والترمذى وصححه. فقد بين الشافعي أن الثانى ناسخ للأول لأنه كان في سنة عشر والأول في سنة ثمان. وإن لم يعرف التاريخ وأمكن الترجيح بوجه من الوجوه ككون راوى أحد الحديثين أزيد ثقة أو فطانة أو أكثر عددا عن الآخر فالأقوى هو الراجح؛ وإن لم يمكن الترجيح وجب التوقف عن العمل بأحدهما.
(الخبر المردود)
هو ما لم يترجح صدق الخبر به ولا يعمل به. والردّ إما لحذف من السند أو لطعن في راو من رواته فالمردود للحذف أنواع
(الأول المعلق) وهو ما حذف من أول سنده من جهة المحدّث واحد أو أكثر ولو كل السند حذفا لا خفاء فيه وإنما وإنما كان المعلق مردودا للجهل بحال المحذوف. وقد يقبل إذا علم أن المحذوف ثقة كأن يجئ من طريق آخر مصرّحا فيه باسمه أو كنيته أو لقبه.
(الثانى المرسل) وهو ما سقط منه الصحابى كأن يقول التابعى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كذا. ولم يحتج به كثير من المحدّثين وعدّوه من المردود لاحتمال أن التابعى روى عن تابعى ضعيف وأسقطه أيضا. وذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما إلى الاحتجاج به وكذا أبو حنيفة إن عرف أن التابعى لا يرسل إلا عن ثقة. وقال الشافعى لا بقبل إلا إنا تقوّى بمجيئه من وجه آخر.
(الثالث المعضل) وهو ما سقط من سنده اثنان فصاعدا على التولي سواء أكان السقوط من أول السند أم أثنائه أم آخره.
(الرابع المنقطع) وهو على المشهور ما سقط من سنده راو واحد قبل الصحابى في أى موضع ولو تعددت المواضع فيكون منقطعا من مواضع. وقيل هو ما لم يتصل إسناده ولو سقط منه أكثر من واحد فهو أعمّ عموما مطلقا من المرسل والمعلق والمعضل وينقسم الحذف من السند إلى واضح وخفىّ. فالواضح يعلم بدون بحث كأن يروى البخارى عن ابن عمر أو عن أبي حنيفة. والخفي ما لا يعلم إلا بالبحث. وينقسم إلى مدلس ومرسل وخفىّ فالمدلس ثلاثة أنواع: الأول مدلس الإسناد. وهو ما أسقط فيه المحدّث من سمعه منه ورواه عن شيخ لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه بصيغة لا تقتضى اتصالا كعن وقال. فإن أتى بصيغة تقتضى الاتصال كحدثنى كان كاذبا. الثاني: مدلس الشيوخ وهو ما لم يسقط فيه المحدّث من سمعه منه لكن وصفه بغير ما اشتهر به من اسم أو كنية أو لقب. الثالث: مدلس التسوية. وهو ما أسقط فيه الراوى ضعيفا بين ثقتين لقى أحدهما الآخر ورواه عن شيخه الثقة عن الثقة الثانى بلفظ محتمل كعن فسوّى بين الرجال بجعلهم ثقات. وهذا القسم أشدّ الأنواع ذما. وظاهر كلام شعبة حرمته لأنه يوهم الاحتجاج بما لا يحتج به. ويليه النوع الأول. وأخفها النوع الثانى. ومن عرف منه هذا التدليس وأتى بحديث بلفظ يقتضي الاتصال فهو مقبول على الصحيح إذا كان المدلس عدلا وقيل من عرف منه هذا التدليس صار مجروحا لا تقبل روايته في شيء وإن بين السماع. ثم هذا الحكم في المدلس جار فيمن دلس ولو مرة واحدة. والمرسل الخفيّ ما رواه المحدث عمن عاصره
1 / 7
ولم يلقه.
(والمردود للطعن)
ما طعن في راويه بواحد من عشرة. خمسة منها تتعلق بالعدالة. وهي الكذب. وتهمته. وظهور الفسق. والجهالة بأن لا يعرف تعديل الراوى ولا تجريحه. والبدعة. وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا بمعاندة بل بنوع شبهة. فإن كانت بمكفر لا يقبل صاجها كأن يعتقد أن النار تؤثر بطبعها. وإن كانت بمفسق يقبل كأن يعتقد أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية ما لم يكن داعيا إلى بدعته. وخمسة تتعلق بالضبط هي فحش الغلط أى كثرته، وفحش الغفلة وهى كثرة ذهوله عن الإتقان، والوهم بأن يروى عن توهم وتردّد لا عن يقين. ومخالفة الثقات، وسوء الحفظ وهو إن كان ملازما للراوى لم يقبل حديثه وإن كان طارئا عليه لنحو كبر سنّ أو ضعف أو ضياع كتبه قبل ما حدّث به قبل الاختلاط لا ما عرف أنه حدّث به بعده.
(والمردود للطعن أنواع)
(الأول الموضوع) وهو المطعون فيه بكذب الراوى بأن يروى عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ما لم يقله متعمدا ذلك.
(الثانى المتروك) وهو على ما اختاره السيوطى ما تفرد بروايته واحد مجمع على ضعفه لتهمته بالكذب أو فحش غلطه أو كثرة غفلته أو ظهور فسقه.
(الثالث المعلّ) وهو ما أوهم الراوى سلامته ثم اطلع فيه بعد البحث على قادح خفىّ من وصل مرسل أو منقطع أو إبدال ثقة بضعيف أو إدخال حديث في حديث.
(الرابع مدرج الإسناد) وهو ما خالف راويه الثقات بتغيير سياق إسناده وهو أقسام:
- (أولها) أن يسمع الراوى حديثا من جماعة مختلفين في إسناده فيرويه عنهم بإسناد واحد بدون بيان الاختلاف.
- (ثانيها) أن يروى الشيخ بعض المتن بإسناد وباقيه بآخر فيرويه كله عنه راو واحد بالإسنادين.
- (ثالثها) أن يروى شخص حديثين بإسنادين فيرويهما عنه راو بأحد الإسنادين أو يروى أحدهما بإسناده ويزيد عليه بعضا من الثانى
(الخامس مدرج المتن) وهو ما خالف راوية الثقات بأن يزيد فيه ما ليس منه لتفسير كلمة غريبة بدون تمييز بينهما كحديث الزهرى عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُا (كان النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتحنث في غار حراء. وهو التعبد الليالى ذوات العدد) (١) فقوله وهو التعبد مدرج لتفسير التحنث
(السادس المقلوب) وهو ما خالف راويه الثقات بتقديم أو تأخير في السند أو المتن كأن يقع في الإسناد كعب بن مرة غلطا بدل مرة بن كعب وفى المتن كحديث أبى هريرة رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه ففيه (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله) فهذا مما انقلب على أحد الرواة وإنما هو (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)
(السابع المزيد في متصل الأسانيد) وهو ما خالف راويه الثقات بزيادة راو فأكثر في موضع من سنده
(١) رواه البخارى في صحيحه ضمن حديث طويل في بدء الوحى.
1 / 8
قد صرّح فيه الأكثر إتقانا بالسماع أما إن عنعن الأتقن في موضع الزيادة ترجحت رواية الزيادة كأن يقول الأتقن حدثنا مالك حدثنا نافع حدثنا ابن عمر ويقول الأقلّ منه إتقانا حدثنا مالك حدثنا الزهرى حدثنا نافع
(الثامن المضطرب) وهو ما وقع الاختلاف في سنده أو متنه أو فيهما مع تساوى الروايتين وتعذّر الجمع بينهما فالاختلاف في السند كحديث سنده هكذا قال الثورىّ حدثنا إسماعيل بن أمية حدثنا أبو عمرو حدثنا محمد بن أحمد حدثنا أبو هريرة وقال بشر حدثنا إسماعيل بن أمية حدثنا أبو عمرو حدثنا أبو سلمة حدثنا أبو هريرة. والاختلاف في المتن كحديث فاطمة بنت قيس عن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (إن في المال حقا سوى الزكاة) فقد روى عنها بهذا اللفظ. وروى عنها أيضا بلفظ (ليس في المال حق سوى الزكاة) فقد حكم بعض المحدّثين باضطرابه وجمع بعضهم بينهما فأوّل الحق المثبت بالمستحب والمنفى بالواجب فلا اضطراب
(التاسع المصحف) وهو ما كانت المخالفة فيه بالنقط كحديث (من صام رمضان وأتبعه ستا من شوّال) الخ صحفه أبو بكر الصولى فقال شيئا بالشين المعجمة والمثناة التحتية بدل ستا
(العاشر المحرف) وهو ما كانت المخالفة فيه بالشكل مع بقاء صورة الخط كحديث جابر (رمى أبىّ يوم الأحزاب على أكحله فكواه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) حرّفه غندر فقال فيه أبى بالإضافة وإنما هو أبيّ بن كعب. والأكحل عرق في الذراع يفصد
(الحادى عشر المبهم) وهو ما جهل فيه راو لعدم تسميته كأن يقال روى الزهرىّ عن رجل ويستدلّ على معرفة اسمه بوروده من طريق آخر مسمى فيه أو من بعض الأئمة المطلعين.
التقسيم الثانى للخبر باعتبار نهاية السند
ينقسم الخبر إلى ثلاثة أقسام
(الأول المرفوع) وهو ما أضيف إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة تصريحا أو حكما (١) سواء اتصل سنده أم لا أضافه صحابى أم غيره فدخل فيه المرسل والمعضل والمنقطع والمعلق دون الموقوف والمقطوع. فالمرفوع إليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم صريحا من القول قول الراوى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم (إنما الأعمال بالنيات) ومن الفعل قول الراوى (سها رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فسجد) ومن التقرير: كأن يفعل الصحابيّ شيئا بحضرته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويسكت عليه، ومن الصفة كأن يقال (كان النبى
(١) كقول الصحابىّ أمرنا أو نهينا أو أوجب أو حرّم أو رخص لنا لظهور أن فاعلها النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم.
1 / 9
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم حليما كريما)
(الثانى الموقوف) وهو ما أضيف إلى الصحابى من قوله أو فعله أو تقريره متصلا أو منقطعا وكان للرأى فيه مجال أما ما ليس للرأى فيه مجال فهو في حكم المرفوع كما في رواية البخارى (كان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد) فمثل هذا لا يقال من قبل الرأى
(الثالث المقطوع) وهو ما أضيف إلى التابعى فمن دونه من قول أو فعل أو تقرير كأن يقول الراوى قال ابن المسيب كذا أو فعل كذا مما للرأى فيه مجال. وعدّه من أنواع الحديث فيه تسامح كما قاله الزركشى ومثله الموقوف.
(فائدة) إذا قال الصحابى كنا نقول أو نفعل كذا أو كنا لا نرى بأسا بكذا فعند الجمهور أنه إن لم يضفه إلى زمن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فهو موقوف وليس بمرفوع وإن أضافه فقال كنا نفعل في حياة النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو وهو فينا فهو مرفوع مطلقا. وقيل إن كان ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا كان مرفوعا كأن يقول الصحابى (كنا نكبر على الجنائز في عهد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أربع تكبيرات) وإن كان مما يخفى كان موقوفا كقوله (كنا نعزل المنىّ عن الإماء بغير إذنهنّ وعن الزّوجات بإذنهنّ في عهد النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم) وإلا كان موقوفا. وأما إذا قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو من السنة كذا فهو في حكم المرفوع على الصحيح. وإذا قال التابعى من السنة كذا فالصحيح أنه مرفوع أيضا مرسل. ولو قال التابعى عن الصحابى يرفعه أو ينهيه أو يبلغ به أو يرويه أو ينميه أو رواية أو رواه فهو مرفوع متصل اتفاقا كحديث مسلم عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة يبلغ به (الناس تبع لقريش) وقوله " ينميه " فتح المثناة التحتية وسكون النون أى ينسبه. وهذه من الصيغ التى يكنى بها أصحاب الحديث عن قولهم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لكونه روى بالمعنى أو اختصر.
(أقسام السند)
ينقسم السند إلى عال ونازل. وكل منهما مطلق ونسبىّ. فالعالى المطلق هو سند قلّ عدده بالنسبة لسند آخر وانتهى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والمتن فيهما واحد. والنازل المطلق هو ما كثر عدده من هذين السندين وانتهى إلى النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم والعالى النسبىّ هو سند قلّ عدده بالنسبة لسند آخر وانتهى إلى إمام ذى صفة علية من نحو حفظ وضبط، كمالك والبخارى، والمتن واحد. والنازل النسبىّ هو ما كثر عدده من هذين السندين وانتهى إلى الإمام صاحب الصفة العلية ويقدّم العالى على النازل لكونه أقرب إلى الصحة وقلة الخطأ إذ ما من راو من رجال الإسناد إلا ويجوز عليه الخطأ فكلما كثرت الوسائط كثرت
1 / 10