العبادةِ كما يَفهَمُهُ البشَرُ، وعبادتُها تسخيريَّةٌ مِن جنسِ عبادةِ الجَمَادات، ولكنْ لها اختيارٌ ومشيئةٌ دنيويَّةٌ، تَعمَلُ وتدبِّرُ باختيارِها، وتُحاسَبُ على خَطَئِها الذي تَفهَمُهُ في الدنيا والآخِرة؛ ومِن ذلك قولُهُ ﷺ: (لَيَقْتَصَّنَ اللهُ لِلشَّاةِ الجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ) (١)، وفي "الصحيحَيْن": أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّ شَرِيكٍ بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ، وَقَالَ: (كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (٢).
ومِن ذلك: إدراكُ الفأرِ لبعضِ ما تفعَلُهُ مِن شيء؛ كما روى البخاريُّ عن جابرِ بنِ عبد الله ﵄؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: (أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ؛ فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الفَتِيلَةَ؛ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ البَيْتِ) (٣).
وإدراكُ البهائِمِ للأوامِرِ الدنيويَّةِ مفطورةٌ عليه بطَبْعِها؛ ولهذا فهي تَختلِفُ وتَتبايَنُ بحسَبِ جِنْسِها ونَوْعِها؛ فبهيمةُ الأنعامِ ليست كالسِّبَاع؛ فالشِّيَاهُ إنْ تَناطَحَتْ، تحاسَبَتْ، ولو أكَلَ السَّبُعُ الشاةَ، لم يُحاسَبْ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ رزقَ السَّبُعِ فيها، ولم يَجعَلْ رزقَ الشياهِ بعضِها مِن بعضٍ.