Al-Kalimat al-Hisan fi Bayan Uluw al-Rahman
الكلمات الحسان في بيان علو الرحمن
علاقے
•سعودی عرب
سلطنتیں اور عہد
آل سعود (نجد، حجاز، جدید سعودی عرب)، ۱۱۴۸- / ۱۷۳۵-
الكلماتُ الحسانُ
في
بيانِ عُلُوِّ الرَّحْمَنِ
تأليف: عبد الهادي بن حسن وهبي
نامعلوم صفحہ
بسم الله الرحمن الرحيم
المُقَدِّمَةُ
إنَّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وب منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أمَّا بعدُ .. فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمَّدٍ ﷺ، وشرَّ الأُمور محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النَّار.
أمَّا بعدُ: فإنَّ أولى ما يتنافسُ به المتنافسونَ، وأَحْرَى ما يتسابقُ في حَلْبةِ سباقهِ المتسابقونَ، ما كانَ بسعادةِ العبدِ في معاشهِ ومعادهِ كفيلًا، وعلى طريقِ هذهِ السعادةِ دليلًا، وذلكَ العلمُ النَّافعُ، والعملُ الصَّالحُ اللَّذَانِ لا سعادةَ للعبدِ إلَّا بهما، ولا نجاةَ له إلَّا بالتَّعَلُّقِ بسببهما، فمنْ رُزِقَهُمَا فقدْ فازَ وغَنِمَ، ومنْ حُرِمَهُما فالخيرَ كلَّه حُرِمَ.
ولمَّا كانَ العلْمُ للعملِ قرينًا وشافعًا، وشرفهُ لشرفِ معلومهِ تابعًا، كانَ أَجَلَّ العلومِ وأفْضلَها وأشرفَها وأَسْماها على الإطلاقِ: العِلْمُ بالله وأسْمائِه وصفاتِه وأفْعالِه.
1 / 1
ولقدْ شهدَ الله ﷾ وشهادتهُ أَجَلُّ شهادةٍ وأعْظمُهَا وأعْدَلُهَا وأصْدَقُهَا - لنفسِه بأنَّهُ استوى على العرشِ، وبأنَّهُ القاهرُ فوقَ عبادهِ، وبأنَّ ملائكتَهُ يخافونهُ منْ فوقهم، وأنَّ الملائكةَ تَعْرُجُ إليه بالأمْرِ، وتَنْزِلُ مِنْ عندهِ، وأنَّ العملَ الصالحَ يصْعَدُ إليهِ. وشَهِدَتْ له الجَهْمِيَّةُ بضدِّ ذلكَ، وقالوا: إنَّ الله منزَّهٌ عن العلوِّ والفوقيَّةِ. يظنُّونَ أنَّ الحقَّ معهم؛ ولكنَّ الحقَّ وراءَهم.
فسمُّوا علوَّ الله على خلقهِ، واستواءَهُ على عرشه: جهةً ومكانًا وقالوا: «منزهٌ عن الجهة والمكان» ومقصودهم بذلك: أنّهُ ليسَ فوق السموات ربٌّ؛ ولا على العرشِ إلهٌ يُصلَّى له ويُسجَدُ، وأنَّ محمَّدًا ﵌ لم يُعرَج بهِ إليه. يفترون على الله الكذب: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ [النحل: ١١٦]. ﴿وقد خاب من افترى﴾ [طه: ٦١].
فشهادةُ الرَّبِّ تعالى (١): تكذِّبُ هؤلاءِ أشدَّ التَّكْذيبِ، وتتضمَّنُ أنَّ الذي شهدَ بهِ قدْ بَيَّنهُ وأوْضحهُ وأظهرهُ، حتَّى جعلهُ في أعلى مراتبِ الظُّهورِ والبيانِ، وأنَّه لو كانَ الحقُّ فيما يقولهُ المعطِّلةُ والجهميَّةُ - الذينَ يقولونَ: ليسَ فوقَ السَّمواتِ رَبٌّ يُعبدُ، ولا على العرشِ إلهٌ يُصَلَّى له ويُسْجَدُ - لمْ يَكُنِ العبادُ قد انتفعوا بما شهدَ بهِ ﷾؛ فإنَّ الحقَّ في نفسِ الأمْرِ - عندهم - لمْ يَشْهَدْ بهِ لنفسهِ، والذي شهدَ بهِ لنفسهِ، وأظْهرهُ وأوضحهُ: فليسَ بحقٍّ، ولا يجوزُ أنْ يُسْتفادَ منهُ الحقُّ واليقينُ.
(١) اعلَمْ - بارك الله فيك - بأنَّ اللهَ ﷾: أعظمُ شيءٍ شهادةً، كما قال ﷾: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ [الأنعام: ١٩]، فإن شهادتَه ﷾ لا غلطَ فيها ولا ظلمَ، تعالى اللهُ ﷿ عن ذلك.
1 / 2
ولقد وفَّقني اللهُ تعالى للكتابةِ في صفةٍ عظيمةٍ منْ صفاتِ ربِّ العالمينَ ﵎، ألاَ وهيَ «العُلُوُّ والفَوْقِيَّةُ» ليزدادَ الذينَ آمنوا إيمانًا، وليعلمَ الذينَ عَقَدُوا ألويةَ البدعِ وأطلقوا عقالَ الفتنةِ أَنَّهم ليسوا على شيءٍ في هذا البابِ. «فَهُمْ مختلفونَ في الكتابِ (١)، مُخالِفونَ للكتابِ (٢)، مُجمِعونَ على مفارقةِ الكتابِ، يقولونُ على اللهِ، وفي اللهِ، وفي كتابِ اللهِ بغيرِ علمٍ، يَتكلَّمونَ بالمُتَشَابَهِ مِنَ الكلامِ، ويَخْدَعونَ جُهَّالَ النَّاسِ بما يُشَبِّهونَ عليهم. فنعوذُ باللهِ مِنْ فتنِ الضَّالِّينَ» (٣).
أسألُ اللهَ تعالى «أنْ يوفِّقَنا لما يُرضيهِ مِنَ القولِ والعملِ والنِّيةِ، وأَنْ يُحْيِيَنَا على الطريقةِ التي يرضاها، ويَتَوفَّانا عليها، وأنْ يُلْحِقَنا بنبيِّهِ وخيرتهِ مِنْ خلقهِ محمَّدٍ المصطفى وآلهِ وصحْبهِ، ويجْمعَنا معهم في دارِ كرامتهِ، إنَّهُ سميعٌ قريبٌ مجيبٌ» (٤).
الراجي عفو ربِّه عبد الهادي بن حسن وهبي (٥)
* * *
(١) وهذا يتضمنُ الاختلافَ المذمومَ المذكورَ في قوله تعالى: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة: ١٧٦].
(٢) فهذا إشارةٌ إلى تقديمِ غيرِ الكتابِ على الكتابِ، كتقديم معقولهم وأذواقهم وآرائهم ونحو ذلك على الكتاب، فإنَّ هذا اتفاقٌ منهم على مخالفة الكتاب. ومتى تركوا الاعتصام بالكتاب والسنَّة، فلا بُدَّ أن يختلفوا، فإنَّ النَّاسَ لا يفصل بينهم إلَّا كتاب منزَّلٌ من السماء.
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٤).
(٤) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٢٢٣ - ٢٢٤)، للحافظ عبد الغني المقدسي ﵀.
(٥) بيروت - لبنان - ص. ب ٦٠٩٣/ ١٣ شوران. هاتف: ٦٢٦٧٨٧/ ٠٣ - فاكس: ٧٩١٠٥١/ ٠١.
1 / 3
أَدِلَّةُ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى العَرْشِ
اعلمْ - وفَّقنا اللهُ وإيَّاكَ لما يُرضيهِ منَ القولِ والنِّيةِ والعملِ، وأعاذنا وإيَّاكَ منَ الزَّيغِ والزَّللِ - أنَّ صالحَ السَّلفِ، وخيارَ الخلفِ، وسادةَ الأئمَّةِ، وعلماءَ الأمَّةِ، اتفقَتْ أقوالُهمْ، وتَطابقَتْ آراؤهُمْ عَلَى أنَّ اللهَ موصوفٌ بصفاتِ الكمالِ، ونعوتِ الجلالِ، التي جاءَ بِهَا الكتابُ والسنَّةُ؛ يُثبتونَ للهِ مَا أثبتهُ لنفسهِ المقدَّسةِ، وما وصفهُ بِهِ رسولُهُ ﷺ، مِنْ غيرِ تَمثيلٍ، وَلاَ تَعطيلٍ، ومِنْ غيرِ تَكييفٍ، وَلاَ تَشبيهٍ؛ ولا يَبتدِعونَ للهِ وصفًا لم يَرِدْ بِهِ كتابٌ وَلاَ سُنَّةٌ.
فإنَّ اللهَ تَعَالَى: أعظمُ، وأَجَلُّ، وأكبرُ، وأعلى، وأكملُ فِي صدورِ أوليائهِ المؤمنينَ، منْ أنْ يَتجاسَرُوا عَلَى وصفهِ، ونعتهِ، بمجرَّدِ عقولهمْ وآرائهمْ، وخيالاتِ أوهامهم. فَهُمْ كما يقولُ ابنُ القيِّم ﵀:
وَكَلاَمُ رَبِّ العَالَمِينَ وَعَبْدِه ... فِي قَلْبهِ أعْلى وَأَكْبَرُ شَانِ
مِنْ أنْ يُحَرَّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَنْ ... يُقْضَى لَهُ بِالعَزْلِ عَنْ إيقَانِ (١)
فآمَنُوا بما قالَ اللهُ سبحانهُ في كتابهِ، وصحَّ عنْ نبيِّهِ، وأمَرُّوهُ كما وَرَدَ منْ غيرِ تعرُّضٍ لكيفيَّةٍ، أو اعتقادِ شبهةٍ أو مِثْلِيَّةٍ، أو تأويلٍ يؤدِّي إلى تعطيلٍ (٢)، ووَسِعَتْهُمُ السنَّةُ المحمَّديةُ، والطريقةُ المرضيَّةُ، ولم يَتعدَّوها إلى البدعةِ المُرْدِيَةِ الرَّدِيَّة، فحازُوا بذلكَ الرُّتبةَ السَّنِيَّةَ، والمنزلةَ العَلِيَّةَ (٣).
(١) الكافية الشافية (ص١٨١ - ١٨٢).
(٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٧٨ - ٨٢).
(٣) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٨٠).
1 / 4
ومِنَ الصِّفاتِ العظيمةِ الثابتةِ فِي الكتابِ والسنَّةِ: «صفةُ العلوِّ والفوقيَّة»، والأدلَّةُ على إثباتها كثيرةٌ ومتنوِّعةٌ، هذا أوانُ سَرْدِهَا فَألْقِ سَمْعَكَ، وَأحْضِرْ قلبَكَ، وتأمَّلْهَا تأمُّلَ طالبٍ للحقِّ لا نافرٍ عنهُ، وكنُْ مِنَ الذينَ يستمعونَ القولَ فيتَّبعونَ أحسنَهُ، وإيَّاكَ وسوءَ الظنِّ بكلامِ اللهِ وكلامِ رسولهِ فذلكَ الهَلَكَةُ، وما ضلَّ مَنْ ضلَّ، وهلكَ منْ هلكَ، إلَّا لسوءِ ظنِّهِ بالكتابِ والسنَّةِ. واللهُ المستعانُ وعليهِ التُّكلانُ، ولاَ حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ (١).
أحدُها:
التَّصريحُ بالفوقيَّةِ مقرونًا بأداة «مِنْ» المعيِّنةِ للفوقيَّةِ بالذَّاتِ
قال اللهُ ﷾: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].
قالَ ابنُ خزيمةَ ﵀: فأعْلمَنا الجليلُ جلَّ وعلا في هذهِ الآيةِ أنَّ ربَّنا فوقَ ملائكتهِ، وفوقَ ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ مِنْ دَابَّةٍ، وأَعْلَمَنا أنَّ ملائكتَهُ يخافونَ ربَّهم الذي فوقهم (٢).
الثاني:
ذِكْرُها مُجَرَّدَةً عَنِ الأداةِ
قال اللهُ ﷾: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].
وعن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁ قال: لمَّا حكمَ سعدُ بنُ معاذٍ في بني قُرَيْظَةَ أنْ يُقتلَ منْ جَرَتْ عليهِ المُوسُ، وأنْ تُقْسَمَ أموالُهم وذَراريهِم، فقالَ رسولُ الله ﷺ: «لقدْ حَكَمَ فيهمُ اليومَ بحُكْمِ اللهِ الذي حَكمَ بهِ مِنْ فوقِ سبعِ سماواتٍ» (٣).
(١) معارج القبول (١/ ٣٠٦).
(٢) التوحيد (ص١١١) لابن خزيمة.
(٣) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٦٢ - ٦٣) (٨٢٢٣) وغيره، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٧٤٥).
1 / 5
الثالثُ:
التَّصريحُ بالعروجِ إليهِ ﷾
قالَ الله ﷾: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقالَ ﷿: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٣ - ٤].
قالَ مجاهدٌ ﵀: يقالُ: ذي المعارجِ: الملائكةُ تعرجُ إلى الله (١).
وقالَ الطبريُّ ﵀: يقولُ تعالى ذكرهُ: تصعدُ الملائكةُ والرُّوحُ - وهوَ جبريلُ ﵇ إليهِ يعني: إلى الله جلَّ وعزَّ، والهاءُ في قولهِ «إليهِ» عائدةٌ على اسمِ اللهِ (٢).
وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ وَصَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِم - فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» (٣).
قالَ ابنُ خزيمةَ ﵀: وفي الخبرِ ما بانَ وثبتَ وصحَّ أنَّ اللهَ ﷿ في السَّماءِ، وأنَّ الملائكةَ تصعدُ إليهِ مِنَ الدُّنيا، لاَ كمَا زعمتِ الجَهْمِيَّةُ (٤) المُعَطِّلَةُ (٥).
(١) رواه البخاري (١٣/ ٤٢٦) تعليقًا مجزومًا به.
(٢) جامع البيان (م١٤/ج٢٩/ص٨٧).
(٣) رواه البخاري (٥٥٥) و(٣٢٢٣) و(٧٤٢٩) و(٧٤٨٦)، ومسلم (٦٣٢).
(٤) قال الحافظُ الذهبيُّ في «تاريخ الاسلام» (ص٦٨)، حوادث ووفيات ١٢١هـ ١٤٠هـ: «كان الناسُ في عافيةٍ وسلامةِ فطرةٍ حتى نَبغَ جهمٌ فتكلَّمَ في الباري تعالى وفي صفاته بخلافِ ما أَتَتْ به الرسلُ، وأُنزلت به الكتبُ، نسألُ اللهَ السلامةَ في الدِّينِ».
(٥) التوحيد (ص٣٨١) لابن خزيمة.
1 / 6
الرابعُ:
التَّصْرِيحُ بالصُّعودِ إليهِ ﷾
قالَ اللهُ ﷾: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
قالَ الطبريُّ ﵀: «يقولُ تعالى ذِكْرُهُ: إلى اللهِ يَصْعَدُ ذِكْرُ العبدِ إيَّاهُ وثناؤهُ عليهِ» (١).
وقالَ صدِّيق حسن خان ﵀ في الآيةِ -: وفيهِ دليلٌ على علوِّهِ تعالى فوقَ الخلقِ وكونِه بائنًا عنهُ بذاتهِ الكريمةِ، كما تدلُّ لهُ الآياتُ الأخرى الصَّريحةُ والأحاديثُ المستفيضةُ الصَّحيحةُ (٢).
وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀:
وإلَيْهِ يَصْعَدُ كُلُّ قَولٍ طَيِّبٍ ... وإلَيهِ يُرْفَعُ سَعْيُ ذِي الشُّكْرَانِ (٣)
وتَأَمَّلِ الأحاديثَ التاليةَ:
١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (٤).
فلِلَّهِ ما أَحْلَى هذا اللَّفْظَ وأوجزَهُ وأَدَلَّهُ على علوِّ اللهِ ﷾.
٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَقَالَ: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبوَابُ السَّمَاءِ، وَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ» (٥).
(١) جامع البيان (م١٢/ج٢٢/ص١٤٤).
(٢) فتح البيان (١١/ ٢٢٧).
(٣) الكافية الشافية (ص٥٤).
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٣٠)، ومسلم (١٠١٤).
(٥) رواه الترمذي (٤٧٨)، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٣٩٦).
1 / 7
٣ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ، مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (١).
٤ - عَنْ رِفَاعَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ فَقَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاَةِ؟» فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاَةِ؟» فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ ثمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلاَةِ؟» فَقَالَ رِفاعَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «كيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، لَقَد ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلاَثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا» (٢).
(١) رواه النسائي (٢٣٥٧)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (٢٢٢١).
(٢) رواه أبو داود (٧٧٠)، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٧٠٠).
1 / 8
٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «... واتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (١).
٦ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ (٢)، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (٣).
قالَ ابنُ القيِّم ﵀:
وَحِجَابُهُ نُورٌ فَلَوْ كُشِفَ الحِجَا ... بُ لأحْرَقَ السُّبُحَاتُ للأكْوَانِ (٤)
فإذا كانتْ سُبُحَاتُ وجْههِ الأعْلى لا يقومُ لها شيءٌ منْ خلقهِ، ولو كشفَ حجابُ النُّورِ تلكَ السُّبحات، لاحْترقَ العالمُ العلويُّ والسفْليُّ، فمَا الظنُّ بجلالِ ذلكَ الوجهِ الكريمِ وعظمتهِ وكبريائهِ وكمالهِ وجلالهِ؟! (٥).
(١) قطعة من حديث رواه البخاري (١٤٩٦) و(٢٤٤٨)، ومسلم (١٩).
(٢) عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ: هل رأيتَ ربَّكَ؟ قال: «رَأَيْتُ نُورًا». وفي رواية: «نُورٌ أَنَّى أَراهُ» رواه مسلم (١٧٩).
قال ابن أبي العز الحنفي ﵀ في «شرح الطحاوية» (١/ ٢٢٤): فيكون - والله أعلم - معنى قوله لأبي ذر: «رأيت نورًا» أنَّه رأى الحجاب، ومعنى قوله: «نُورٌ أَنَّى أَراهُ»: النور هو الحجابُ يمنعُ من رؤيته، فأَنّى أراه: أي: فكيفَ أراه والنورُ حجابٌ بيني وبينه يمنعُني من رؤيته!
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٣).
(٤) الكافية الشافية (ص٢٤٩).
(٥) الصواعق (ص١٠٨٣).
1 / 9