الإمامة العظمى

الإمامة العظمى

ناشر

(دار البرازي - سوريا)

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٣٧ هـ

پبلشر کا مقام

(دار الإمام مسلم - المدينة المنورة)

مقدمة
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته … أما بعد:
فإنَّ كلَّ ما حكمَ الله ورسولُه فيه من أمور الحياة = واجبٌ علينا الإيمانُ به والامتثالُ له.
قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وإنَّ التحاكم للكتاب والسُّنة والرجوع إليهما أصلٌ عظيم يجب أن يكون نصبَ عين كلِّ متكلم في الشرع، فلا حقَّ، ولا راجحَ إلَّا ما دلَّ عليه الوحي.
وقد تكاثرت الأدلة من الكتاب والسنة على أنَّ الرجوع والتحاكم عند النزاع والاختلاف إنما يكون إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وإنما يفصل بين الناس فيما تنازعوا فيه الكتابُ المنزل من السماء، والرسولُ المؤيَّد بالأنباء كما قال تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].
وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].

1 / 5

وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾» (^١).
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾:
«قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ وهذا أمرٌ من الله ﷿ بأنَّ كل شيء تنازعَ الناسُ فيه من أصول الدين وفروعه أن يُردَّ التنازُع في ذلك إلى الكتاب والسُّنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾، فما حكم به الكتابُ والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحقُّ، وماذا بعد الحق إلَّا الضلال!، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي رُدُّوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجرَ بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ فدلَّ على أنَّ من لم يتحاكم في محلِّ النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك = فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خيرٌ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وأحسَنُ عاقبةً ومآلًا، كما قاله السُّدي وغير واحد، وقال مجاهد: وأحسَنُ جزاءً؛ وهو قريب».

(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٦٥).

1 / 6

وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «والحاصل أن نصوص الكتاب والسنة التي لا تُحصى واردةً بإلزام جميع المكلَّفين بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وليس في شيءٍ منها التخصيصُ بمن حصَّلَ شروط الاجتهاد المذكورة، وسنذكر طرفًا منها لنبيِّن أنه لا يجوز تخصيصُها بتحصيل الشروط المذكورة.
قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٤].
والمراد بـ ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ هو القرآن والسنة المبيِّنة له؛ لا آراء الرجال.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١].
فدلَّت هذه الآية الكريمة أنَّ من دُعي إلى العمل بالقرآن والسنة وصَدَّ عن ذلك، أنه من جملة المنافقين؛ لأنَّ العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
والردُّ إلى الله والرسول هو الردُّ إلى كتابه، والردُّ إلى الرسول بعد وفاته ﷺ هو الردُّ إلى سُنَّته.
وتعليقُه الإيمان في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ على ردِّ التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، يُفهم منه أن مَنْ يردُّ التنازع إلى غيرهما لم يكن يؤمن بالله.
ثم قال: وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١].

1 / 7

ولا شكَّ عند أحدٍ من أهل العلم أنَّ طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورةٌ في العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ» (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: نظرتُ في المصحف فوجدتُ طاعة الرسول ﷺ في ثلاثةٍ وثلاثين موضعًا» (^٢).
وقال الآجري: «فَرضَ على الخلق طاعته ﷺ في نيِّفٍ وثلاثين موضعًا من كتابه ﷿» (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ذكرَ الله طاعة الرسول ﷺ وأتباعَهُ في نحوٍ من أربعين موضعًا من القرآن كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾» (^٤).
وقال أيضًا: «وقد أمر الله بطاعة رسول الله ﷺ في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن» (^٥).
وليس لأحدٍ أن يقلِّد عالمًا معظَّمًا أو غيره، وقد بان له الدليل في خلاف قوله ورأيه، وقد نقل الإمام ابن القيم ﵀ عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀ أنه قال: «أجمعَ الناس على أنَّ من استبانت له سُنَّةٌ عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدَعَها لقول أحدٍ من الناس» (^٦).

(^١) أضواء البيان (٧/ ٣٠٠ - ٣٠٤).
(^٢) الصارم المسلول (١/ ٥٩).
(^٣) الشريعة (١/ ٤١١).
(^٤) مجموع الفتاوى (١/ ٤).
(^٥) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٠٣).
(^٦) إعلام الموقعين (٢/ ٢١١).

1 / 8

وممَّا حكمَ الله ورسوله فيهما ما يتعلَّق بأحكام الإمامة العظمى والولاية والسلطان، فلا يصحُّ لمن أراد نجاة الدنيا والآخرة أن يخالف حكمَ الله ورسوله ﷺ في هذا الباب إلى حكم غيره من الآراء البشرية الناقصة، أو الاستحسانات المتوهَّمة.
قال الإمام ابن القيم: «والاعتراضُ ثلاثة أنواع سارية في الناس؛ والمعصومُ من عصَمهُ الله منها:
النوع الأول: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشُّبه الباطلة، التي يسمِّيها أربابها قواطع عقلية، وهي في الحقيقة خيالات جهلية، ومُحالات ذهنية.
النوع الثاني: الاعتراض على شرعهِ وأمره؛ وأهلُ هذا الاعتراض ثلاثة أنواع:
أحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيسَتهِم، المتضمِّنة تحليلَ ما حرَّم الله ﷾، وتحريمَ ما أباحه، وإسقاطَ ما أوجَبه، وإيجابَ ما أسقَطه، وإبطالَ ما صحَّحه، وتصحيحَ ما أبطَلُه، واعتبارَ ما ألغاهُ، وإلغاءَ ما اعتبرَهُ، وتقييدَ ما أطلقَهُ، وإطلاقَ ما قيَّده.
وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلفُ قاطبةً على ذمِّها، والتحذير منها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض، وحذَّروا منهم، ونفَّروا عنهم، ثم قال:
النوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة، التي لأربابِ الولايات التي قدَّموها على حكم الله ورسوله، وحكَموا بها بين عباده، وعطَّلوا لها وبها شَرعَهُ وعَدلَهُ وحُدودَه.
فقال الأولون: «إذا تعارضَ العقلُ والنقل أيُّهما يُقدَّم؟: قدَّمنا العقل».
وقال الآخَرون: «إذا تعارض الأثر والقياس، قدَّمنا القياس».

1 / 9

وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: «إذا تعارضَ الذوقُ والوجد والكشف وظاهرُ الشرع، قدَّمنا الذوق والوجد والكشف».
وقال أصحاب السياسة: «إذا تعارضت السياسة والشرع، قدَّمنا السياسة».
فجعلت كلُّ طائفة قُبالةَ دينِ الله وشرعهِ طاغوتًا يتحاكمون إليه.
فهؤلاء يقولون: «لكم النقلُ ولنا العقل»، والآخَرون يقولون: «أنتم أصحابُ آثارٍ وأخبار، ونحنُ أصحابُ أقيسة وآراء وأفكار»، وأولئك يقولون: «أنتم أربابُ الظاهر، ونحن أهلُ الحقائق»، والآخَرون يقولون: «لكم الشرعُ ولنا السياسة».
فيا لها من بليَّةٍ عمَّتْ فأعمت، ورزَّيةٍ رمَتْ فأصمَّت، وفتنةٍ دعَتِ القلوبَ فأجابها كلُّ قلبٍ مفتون، وأَهويةٍ عَصفَتْ فصُمَّتْ منها الآذانُ وعَميت منها العيون، عُطِّلَتْ لها - والله - معالمُ الأحكام، كما نُفيتْ لها صفاتُ ذي الجلال والإكرام، واستند كلُّ قومٍ إلى ظُلمِ وظُلماتِ آرائهم، وحكَموا على الله وبين عبادهِ بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحيُ عُرضةً لكلِّ تحريفٍ وتأويل، والدينُ وقفًا على كلِّ إفساد وتبديل» (^١).
ولا يزال الحال كما أخبر الإمام ابن القيم، فكم رأينا مَنْ يعارض شرعَ الله ودينَه بمثل ما ذكر.
ومن الأمثلة على ذلك ما نحن بصدد الحديث عنه؛ ألا وهو مسألة الإمامة والولاية، فقد وقع فيها من الخلط والتلبيس ما الله به عليم، فقد وقع من الناس في هذا تحريفٌ وتبديل بدوافعَ شتَّى، وامتطوا في ذلك من الأسماء البراقة ليروجَ

(^١) مدارج السالكين (٢/ ٦٨).

1 / 10

على الناس باطلُهم، ومن الأسماء التي تزيَّنوا بها اسمُ الحرية والحقوق وهكذا.
وقد نسوا أو تناسوا أن شرع الله ضبطَ الحقوق والحريات بميزان عدلٍ وحكم قسطٍ؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧].
وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فكلُّ حقٍّ أو حرية تعارضُ الشريعة المحمدية فهي عبودية، إمَّا للهوى، أو للنفس، أو للحزب، أو غيرها.
ألا يعلم أولئك أننا عباد لله، والعبدُ لا يخرج عما يريد سيِّدُه ومولاه سبحانه، ومَن فعل ذلك وخرج عما يريده الله فقد خالف الحرية الحقَّة والحقوق المنضبطة.
لذا كل ما جاء به الشرع في باب الإمامة والولاية، فهو عدلٌ وعين الحكمة، ومَن خالف ذلك ضلَّ وأضلَّ.
ويجب لمن درس أبواب الإمامة والولاية أن يدرسها بالنظر إلى أدلة الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وتمييز الأقوال السلفية من الأقوال الدخيلة البدعية.
وقد وقع بعض المتأخرين في أقوال محدَثة في باب الإمامة والولاية، كما وقع ذلك من بعض المتأخرين في باب أسماء الله وصفاته؛ لذا يجب أن يتحاكم الجميعُ إلى الكتاب والسنة الصحيحة بفهم سلف هذه الأمة.
فكم نحن في حاجة أن نتذكر ونذكِّر بأهمية الاعتصام بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وأنهما الحجَّة في باب الإمامة، كما كنَّا نحاجُّ غيرنا من أهل البدع بهذه الأصول الثلاثة في إثبات أسماء الله وصفاته، ونتناقل ما ذكره العلماء في ذلك، كقول ابن قدامة في مقدمة اللمعة: «وقد أُمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء

1 / 11

بمنارهم، وحُذِّرنا المحدثات وأُخبرنا أنها من الضلالات.
فقال النبي ﷺ: «فعليكم بسُنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدينَ المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة» (^١).
قال عبد الله بن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم» (^٢).
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ كلامًا معناه: «قِفْ حيث وقفَ القوم، فإنهم عن علمٍ وقَفوا، وببصَرٍ نافذٍ كفُّوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدثَ بعدَهُم، فما أحدَثه إلَّا مَنْ خالف هديهم ورغبَ عن سُنَّتهم، ولقد وصَفوا منه ما يشفي وتكلَّموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسِّر، وما دونهم مقصِّر، لقد قصَّر عنهم قومٌ فجفَوا، وتجاوزَهُم آخرون فغلَوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدًى مستقيم» (^٣).

(^١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦) من حديث العرباض بن سارية ﵁، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه أبو نعيم والبزار والحاكم وابن عبدالبر والضياء المقدسي والشيخ الألباني، وحسَّنه البغوي وابن القيم، انظر جامع العلوم والحكم (١/ ٢٥٨)، وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٣٤٨)، وشرح السنة (١/ ٩٧)، وإعلام الموقعين (٤/ ١٤٨)، واتباع السنن واجتناب البدع (ص ٢٠)، وإرواء الغليل (٨/ ١٥٠).
(^٢) أخرجه الدارمي (٢١١)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٤٥)، ومحمد بن نصر المروزي في السنة (٧٩)، وإسناده صحيح.
(^٣) أخرجه أبوداود (٤٦١٢)، والآجري في الشريعة (٢/ ٩٣٠).

1 / 12

وقال الإمام أبو عمر الأوزاعي ﵁: «عليك بآثار مَنْ سلف وإنْ رفضَكَ الناس، وإياكَ وآراءَ الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول» (^١) انتهى المقصودُ نقله من كلام ابن قدامة» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإنما المتبع في إثبات أحكام الله كتابُ الله وسنةُ رسوله ﷺ، وسبيلُ السابقين أو الأولين، لا يجوز إثباتُ حكم شرعيٍّ بدون هذه الأصول الثلاثة، نصًّا واستنباطًا بحال» (^٣).
وقال في أوائل الفتوى الحموية مبيِّنًا أهمية علم السلف ووجوب الرجوع إليه خلافًا لأقوال المتكلمين:
«ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة - القرن الذي بُعث فيه رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - كانوا غيرَ عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضدَّ ذلك إما عدمُ العلم والقول، وإمَّا اعتقادُ نقيض الحقِّ وقولُ خلافِ الصِّدق، وكلاهما ممتنع» (^٤).
إن هذا الأصل - وهو التمسك بطريقة السلف في فهم الدين كله - مهمٌّ للغاية؛ نحتاج أن نذكّر به أهل السنة اليوم كثيرًا؛ لأنه بدأ كثير منهم يضعفُ عن معرفته والتمسك به، ومن ذلك الاستمساك بمنهج السلف وفهمهم لباب الإمامة والولاية التي قلَّ أن يؤلَّفَ كتابٌ عقَدي إلَّا ويذكر منهجَ السلف في باب

(^١) الآجري في الشريعة (١/ ٤٤٥).
(^٢) لمعة الاعتقاد (ص: ٨).
(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٠٧).
(^٤) ص: ٣.

1 / 13

الإمامة، ومن خالف في ذلك فهو مبتدع ضال.
لذا احذروا - عباد الله - مخالفة سبيل السلف إلى شواذِّ بعض الخلف في أبواب الدين ومنها هذا الباب العظيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرَّد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد التي يكون كلُّ قول من تلك الأقوال سائغًا لم يُخالف إجماعًا؛ لأن كثيرًا من أصول المتأخرين محدَثٌ مبتدعٌ في الإسلام مسبوقٌ بإجماع السلفِ على خلافهِ، والنزاعُ الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعًا، كخلاف الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ممن قد اشتهرت لهم أقوالٌ خالفوا فيها النصوصَ المستفيضة المعلومة وإجماعَ الصحابة» (^١).
وإن مما يجب إدراكُه والإحاطة به أن الإخلالَ بأصل الإمامة سببٌ لفساد الدنيا والدين.
قال ابن عبدالبر: «لأن في منازعته والخروجِ عليه استبدالَ الأمن بالخوف؛ ولأن ذلك يحمل على هِراقِ الدماء، وشنِّ الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظمُ من الصَّبر على جَوره وفسقهِ، والأصولُ تشهدُ والعقلُ والدينُ أنَّ أعظَمَ المكروهَين أَولاهُما بالترك» (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظُلم، كما دلَّت على ذلك الأحاديثُ الصحيحة المستفيضة عن النبي ﷺ؛ لأن الفساد في القتال

(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٦).
(^٢) التمهيد (٢٣/ ٢٧٩).

1 / 14