العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

ایڈیٹر

خالد بن عثمان السبت

ناشر

دار عطاءات العلم (الرياض)

ایڈیشن

الخامسة

اشاعت کا سال

١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)

پبلشر کا مقام

دار ابن حزم (بيروت)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
«فنحن - أيها الإخوانُ - نذكرُ هذه المناسباتِ؛ لأننا نعلمُ أن القرآنَ العظيمَ هو مصدرُ العلومِ، وله في كُلِّ علمٍ بيانٌ، فنتطرق الآية من وجوهها، وَقَصْدُنَا انتفاعُ طلبةِ العلمِ؛ لأن القرآنَ أصلٌ عظيمٌ تُعْرَفُ به أصولُ التخريجِ والنحوِ وأصولُ الفقهِ والتاريخِ والأحكامِ إلى غير ذلك من جميعِ النواحي، فنحن جَرَتْ عادتُنا بأن نتطرقَ الآيةَ من جميعِ نواحيها بحسبِ الطاقةِ؛ لينتفعَ كُلٌّ بِحَسَبِهِ» اهـ.
محمد الأمين الشنقيطي

1 / 4

مقدمة الطبعة الثالثة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فأحمد الله تعالى على ما أعان ويَسَّر من إخراج هذا الكتاب، وقد نفدت طبعته الأولى والثانية، وهذه طبعته الثالثة التي تم فيها بعض الاستدراكات، وتصويب بعض الأخطاء الطباعية، إضافة إلى بعض الإضافات في العزو والتخريج.
وقد حذفت في هذه الطبعة بعض العبارات التي قد يكون حَذْفُها أولى بعد تحويل المادة المسموعة إلى مادة مقروءة، كقول الشيخ ﵀: «وقد ذكرنا في الليلة الماضية»، أو «وقد ذكرنا البارحة»، ونحو ذلك.
فالذي تم حذفه: «الليلة الماضية»، «البارحة».
بحيث يبقى الكلام بعدها وقبلها منسجما مُتَّسِقًا.
ويِحْسُن التنبيه هنا إلى أن بعض الزيادات في بعض الهوامش لم يتيسر - من الناحية الفنية - إدراجها في مواضعها [*]، فجعلتها في ملحق خاص في آخر كل مجلد بعنوان (مستدرك) [*]، مع الإشارة إلى ذلك في حاشية الكتاب إما بقولنا: (انظر المستدرك)، كما في الصفحات (١/ ١٢، ١٢٥، ١٣٢)
وإما بوضع نجمتين هكذا ** في آخر الحاشية التي تمت الإحالة عليها [*]. وهي في الصفحات (٣/ ١٢٩)، (٤/ ١٨١، ٣٢٢)، (٥/ ١٧٢).
والله أسأل أن يجعله عملا متقبلا، وأن يغفر لي ولوالدي ولكل من أعان على هذا العمل، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
کنبه: خالد بن عثمان السبت
٢٤/ ٥ / ١٤٣٣ ه
Khaled2224@gmail.com

[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وهذا لحدود مساحة الصفحة المطبوعة، أما في هذه النسخة الإلكترونية، فقد أدرجنا هذه الزيادات والتعديلات كلها إلى مواضعها مباشرة للتيسير

1 / 5

مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فأحمد الله - تعالى - أولا على ما وفَّق من إخراج هذا التفسير ليكون عونا لإخواننا المسلمين على فهم كتاب الله - تعالى - وتدبر معانيه، كما أثنى عليه وأحمده على ما يسَّر من مراجعته بعد طبعته الأولى، واستدراك ما ينبغي استدراكه من الأخطاء الطباعية وغيرها من العبارات التي لم نتمكن من كتابتها في الطبعة الأولى لضعف التسجيل، حيث حصلنا على نسخة جديدة تُعد أكثر وضوحا من النسخة السابقة في بعض المواضع، كما تميزت ببعض الزيادات التي من أهمها:
١ - ما أثبتُّه عند تفسير الآية (١١٤) من سورة الأنعام، وذلك في عدة صفحات.
٢ - تكملة تفسير الآية (٦٧) من سورة التوبة وما بعدها إلى الآية (٧٠) من السورة نفسها، في أكثر من عشرين صفحة.
هذا وأسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يجزي خير الجزاء كل من أعان على إخراجه برأي أو استدراك أو فائدة أو مراجعة أو طباعة أو غير ذلك. وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
خالد بن عثمان السبت
khaled2224@gmail.com

1 / 6

بسم الله الرحمن الرحيم
«هذا الكتابُ مباركٌ، أي: كثيرُ البركاتِ والخيراتِ، فَمَنْ تَعَلَّمَهُ وَعَمِلَ به غمرته الخيراتُ في الدنيا والآخرة؛ لأن ما سَمَّاهُ اللَّهُ مُبَارَكًا فهو كثيرُ البركاتِ والخيراتِ قَطْعًا. وكان بعضُ علماءِ التفسيرِ يقول: اشْتَغَلْنَا بالقرآنِ فَغَمَرَتْنَا البركاتُ والخيراتُ في الدنيا، تَصْدِيقًا لقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] ونرجو أن يكونَ لنا مِثْلُ ذلك في الدنيا. وهذا الكتابُ المباركُ لا يُيَسِّرُ اللَّهُ للعملِ به إلا الناسَ الطَّيِّبِينَ الْمُبَارَكِينَ، فإنه كثيرُ البركاتِ والخيراتِ؛ لأنه كلامُ رَبِّ العالمين؛ إذا قَرَأَهُ الإنسانُ وتدبرَ معانيه ففي كُلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ في القراءةِ، إذا تَدَبَّرَ معانيه عَرَفَ منها العقائدَ التي هي الحقُّ، وعرفَ أصولَ الحلالِ والحرامِ، ومكارمَ الأخلاقِ، وأهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ، وما يصيرُ إليه الإنسانُ بعدَ الموتِ، وما يُسَبِّبُ له النعيمَ الأبديَّ، وما يسببُ له العذابَ الأبديَّ، فكله خيراتٌ وبركاتٌ؛ لأنه نورٌ يُنِيرُ الطريقَ التي تُمَيِّزُ بين الحسنِ من القبيحِ، والنافعِ من الضارِّ، والباطلِ من الحقِّ، فهو كُلُّهُ خيراتٌ وبركاتٌ، مَنْ عَمِلَ به غمرته الخيراتُ والبركاتُ في الدنيا والآخرةِ، وأصلحَ له اللَّهُ الدَّارَيْنِ».
محمد الأمين الشنقيطي

1 / 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب تبيانًا لكل شيء، والصلاة والسلام على القائل: "ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه" (^١).
وعلى صحابته المروي عنهم: (إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتابه) (^٢) ... الأثر، الموعودين بالحسنى؛ وأتباعهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فلقد تصفحت ما كتبه فضيلة الشيخ د. خالد بن عثمان السبت (حفظه الله) وقام به من جهد ينبيء عن علو همة ورغبة في الخير، وقد ظهر في الذي وقفت عليه من عمله أمانة علمية، وتجشم للصعاب.
وإذا كانت النفوسُ كبارًا ... تعبتْ في مرادِهَا الأجسامُ (^٣)

(^١) أخرجه أحمد (١/ ١٣١)، وأبو داود: كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم: (٤٥٨٠) (١٢/ ٣٥٤)، والبيهقي في السنن (٩/ ٢٣٢)، وفي الدلائل (٦/ ٥٤٩)، وابن حبان (١/ ١٠٧)، والدراقطني (٤/ ٢٨٧)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٨٣)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٠٩)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٥٠)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٢٦٣)، وانظر: صحيح أبي داود (٣٨٤٨).
(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم، باب كتابة العلم، رقم: (١١١) (١/ ٢٠٤). وأطرافه في (٣٠٤٧، ٣٩٠٣، ٦٩١٥) من قول علي ﵁.
(^٣) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه (بشرح البرقوقي ٤/ ٦٤).

1 / 9

وأخبرني بقيامه بسماع الأشرطة عدة مرات أولًا، ثم عهد بنسخها ثانيًا، ثم قام بتوثيق المعلومات ثالثًا. وهي معلومات غزيرة ومتنوعة، مما يتطلب الوقت الكثير والبحث المتواصل، والتأمل والتحري، مما يكلف المرء عناءً هو عند طلبة العلم من أشهى المتع، كما قال الشاعر:
وتَمَايُلي طَرَبًا لحلٍّ عَوِيْصةٍ ... في الدرسِ أَشْهى من مُدَامَةِ سَاقِ (^١)
وكما قال الشيخ:
أَبِيْتُ مُفكرًا فيها فَتَضْحَى ... لفَهْمِ الفَدْمِ خَافِضَةَ الجَنَاحِ (^٢)
وكان الشيخ ﵀ يوظف جميع معارفه لفهم القرآن.
وقد كفاني مؤنة ذلك الشيخ خالد. وقد أخذ القوس باريها.
ونحن طلبةَ العلم وتلاميذ الشيخ ﵀، مَنْ منا يستطيع أن يقوم بخدمة كتبه أو أشرطته أو محاضراته على الوجه الصحيح، فلا ينبغي أن يتوانى في القيام بذلك، والعلم رَحِمٌ بين أهله.
رحمة الله على الشيخ، وجزى الله الشيخ خالدًا بالخير. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والسلام.
عبد الله بن محمد الأمين الشنقيطي
٢٠/ ٢/١٤١٨ هـ

(^١) البيت للشافعي، وهو في ديوانه ص ٦٤.
(^٢) البيت ضمن أبيات للشيخ أوردها الشيخ عطية ﵀ في ترجمته (وهي مطبوعة في آخر الأضواء ص ٣١).

1 / 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَ في كل زمانِ فترةٍ من الرسلِ بقايا من أهلِ العلمِ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إلى الهدى، ويصبرونَ منهم على الأَذَى، يُحيُونَ بكتابِ الله الموتى، ويُبَصِّرُون بنورِ اللَّهِ أهلَ العَمَى، فَكَمْ من قتيلٍ لإبليسَ قد أَحْيَوْهُ، وكم من ضَالٍّ تَائِهٍ قد هَدَوْهُ، فما أَحْسَنَ أثرَهم على الناسِ، وأقبحَ أثرَ الناسِ عليهم. يَنْفُونَ عن كتابِ اللَّهِ تحريفَ الغالين وانتحالَ المبطلين وتأويلَ الجاهلين، الذين عَقَدُوا ألويةَ البدعةِ، وَأَطْلَقُوا عقالَ الفتنةِ، فَهُمْ مختلفونَ في الكتابِ، مُخَالِفُونَ للكتابِ، مُجْمِعون على مُفَارَقَةِ الكتابِ، يقولون على اللَّهِ وفي اللَّهِ وفي كتابِ اللَّهِ بغير علمٍ، يتكلمون بالمتشابهِ من الكلامِ، ويخدعونَ جُهَّالَ الناسِ بما يُشَبِّهُونَ عليهم، فنعوذُ باللَّهِ من فِتَنِ الْمُضِلِّينَ (^١).

(^١) مقتبس من كلام الإمام أحمد ﵀ في مقدمة الرد على الزنادقة والجهمية، ص ٦. وأورد نحوه ابن وضاح في كتاب البدع والنهي عنها ص ١٠ عن عمر بن الخطاب ﵁ بغير إسناد.

1 / 11

أما بعدُ:
فإن القرآنَ العظيمَ هو مَأْدُبَةُ اللَّهِ ﷿ (^١)،فيه نَبَأُ ما قَبْلَنَا، وخبرُ ما بَعْدَنَا، وهو حَبْلُ اللَّهِ المتينُ، والذكرُ الحكيمُ، وهو الفصلُ ليس بالهزلِ، مَنْ تَرَكَهُ من جبارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، ومن ابْتَغَى الْهُدَى في غيرِه أَضَلَّهُ اللَّهُ، وهو الصراطُ المستقيمُ الذي لا تزيغُ به الأهواءُ، ولا تلتبسُ به الألسنةُ، ولا تَشْبَعُ منه العلماءُ، ولا يَخْلَقُ على كثرةِ الردِّ، ولا تنقضي عجائبُه، مَنْ قال به صَدَقَ، ومن عَمِلَ به أُجِرَ، ومن حَكَمَ به عَدَلَ، ومن دَعَا إليه هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيمٍ (^٢).
ولقد بَيَّنَ النبيُّ ﷺ حروفَ القرآنِ كما بَيَّنَ ما قد يَخْفَى من

(^١) اقتباس من أثر عن ابن مسعود ﵁: أخرجه ابن المبارك في الزهد ص ٢٧٢، وعبد الرزاق في المصنف (٥٩٩٨، ٦٠١٧)، (٣/ ٣٦٨، ٣٧٥)، وسعيد بن منصور (التفسير)، (٧)، (١/ ٤٣)، والدارمي (٣٣١٠، ٣٣١٨)، (٢/ ٣٠٨، ٣١٠)، وابن نصر في قيام الليل (المختصر ص ١٧٣)، والفريابي في فضائل القرآن (٤١، ٥٩)، ص ١٥٢، ١٦٦، والطبراني في الكبير (٩/ ١٣٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٠ - ١٣١)، وتاريخ أصبهان (٢/ ٢٤٢)، والرازي في فضائل القرآن (٣١)، ص ٧٤، والبيهقي في السنن الصغير (٩٤٤)، (١/ ٣٣٣)،والشعب (١٧٨٦، ١٨٣٢)، (٤/ ٤٩٣، ٥٤٩)، وابن منده في الرد على من يقول (آلم) حرف (٩)، ص ٤٨، والشجري في الأمالي (ترتيب الأمالي)، (٤٤٧، ٥٧٦)، (١/ ١١٦، ١٥٥)،والبغوي في التفسير (١/ ٣٢). موقوفًا.
وقد رُوي مرفوعًا: أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٧)، (١/ ٢٤٠)، وابن أبي شيبة في المسند (٣٧٦)، (١/ ٢٥١)، والمصنف (١٠٠٥٦)، (١٠/ ٤٨٢)، وابن نصر في قيام الليل (المختصر ص ١٧١)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٠٠)، والآجري في أخلاق أهل القرآن (١١)، ص ٥٢، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (٦٤٧)، (٤/ ٢٥٢)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال (٢٠٢)، ص ٦٩، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٢٤٨)، والرازي في فضائل القرآن (٣٠)، ص ٧٣، ٧٥، والبيهقي في السنن الصغير (٩٤٣)، (١/ ٣٣٣)، والشعب (١٧٨٦، ١٨٣٢)، (٤/ ٤٩٣،٥٤٩)، والخطيب في الجامع (٧٩)، (١/ ١٠٧)، وابن منده في الرد على من يقول (آلم) حرف (١١)، ص ٥٠، والشجري في الأمالي (ترتيب الأمالي) (٤٢٧)، (١/ ١١١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٥)، (١/ ١٠١). قال ابن القيسراني في تذكرة الحفاظ (٣٠٣)، ص ١٣٠: «رواه إبراهيم بن مسلم الهجري. . . وإبراهيم هذا ليس بشيء في الحديث» ا. هـ.
وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٥)، (١/ ١٠٢): «هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، ويشبه أن يكون من كلام ابن مسعود. قال ابن معين: إبراهيم الهجري ليس حديثه بشيء» ا. هـ.
وقال الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن ص ٤٦ بعد أن ساق الحديث من رواية أبي عبيد في فضائل القرآن: «هذا غريب من هذا الوجه، ورواه محمد بن فضيل عن أبي إسحاق الهجري ... وهو أحد التابعين، لكن تكلموا فيه كثيرًا، وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس بالقوي. وقال أبو الفتح الأزدي: رفاع كثير الوهم.
قلت: فيحتمل - والله أعلم -أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر، والله أعلم» ا. هـ.
وقال البوصيري في إتحاف الخيرة (٥٩٤٩)، (٦/ ٥٩٥٠): «رواه الحاكم من طريق صالح بن عمر، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عنه به، وقال: تفرد به صالح بن عمر عنه به، وهو صحيح. كذا قال! وليس كما زعم؛ فإن إبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف، وصالح بن عمر لم يتفرد به عن الهجري فقد تابعه عليه أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، كما رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة» ا. هـ.
وأورده الألباني في الضعيفة (٦٨٤٢)، (١٤/ ٧٨٥) وفي ضعيف الترغيب (٨٦٧) (١/ ٢١٦) وصحح وقفه على ابن مسعود ﵁.
(^٢) اقتباس من حديث يروى عن علي ﵁ مرفوعًا، أخرجه الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن، حديث رقم: (٢٩٠٦)، (٥/ ١٧٢)، وابن أبي شيبة في المصنف (١٠٠٥٦)، (١٠/ ٤٨٢)، وأحمد (١/ ٩١)، والدارمي (٣٣٣٤، ٣٣٣٥)، (٢/ ٣١٢، ٣١٣)، والبزار (٨٣٦)، (٣/ ٧١)، وابن نصر في قيام الليل (المختصر ص ١٥٧)، والفريابي في فضائل القرآن (٨٢،٨١،٨٠،٧٩) ص ١٨٢ - ١٨٧، وأبو يعلى (٣٦٧)، (١/ ٣٠٢)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٨٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٢٠)، وأبو طاهر المخلص في المخلصيات (١٩٩٥، ٢٠٠٠)، (٣/ ٦٠، ٦٣)، والبيهقي في الشعب (١٧٨٨)، (٤/ ٤٩٦)، والشجري في الأمالي (ترتيب الأمالي) (٤٦١)، (١/ ١٢٠)، والبغوي في شرح السنة (١١٨١)، (٤/ ٤٣٧)، وفي التفسير (١/ ٣١)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٤/ ٢٦٧).
قال الترمذي (٥/ ١٧٢): «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال» ا. هـ.
وعقب عليه الحافظ ابن كثير في فضائل القرآن ص ١٠ بقوله: «لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات. . . والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا، والله أعلم. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي ﵁، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح، على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ» ا. هـ.
وقال أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٢/ ٨٨): «إسناده ضعيف جدًا، من أجل الحارث الأعور. ثم الظاهر أنه منقطع. .» ا. هـ. وضعفه الألباني، كما في الضعيفة (٦٣٩٣)، (١٣/ ٨٨٣).

1 / 12

معانيه؛ إذ إن بعثتَه تدورُ على ذلك، كما أخبرَ (تعالى) عن هذا المعنى بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: آية ٤٤].
وإنما المقصودُ من إنزالِ القرآنِ فَهْمُهُ والعملُ به، ولم يُنْزَلْ من أجلِ القراءةِ فَحَسْبَ - مع أنها مطلوبةٌ - كما لا يكفي فَهْمُ معانيه من غيرِ العملِ به، ولا يمكنُ العملُ به من غيرِ فَهْمِ مَعَانِيهِ.
وطريقُ فَهْمِ القرآنِ هي تَدَبُّرُ ألفاظِهِ ومعانيه، والتفكرُ فيها، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: آية ٨٢] وقال (تعالى): ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: آية ٢٤] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ﴾ [ص: آية ٢٩].
كما أن فَهْمَهُ يحصلُ بِتَطَلُّبِ تفسيرِه من كلامِ العلماءِ الراسخين في هذا البابِ الشريفِ، الشارحين لآياتِ القرآنِ الكريمِ، وَالْمُبَيِّنِينَ لمدلولاتِها، سواءً كان الأخذُ عنهم مشافهةً، أو عن طريقِ مُصَنَّفَاتِهِمْ.
وإن من العلماءِ الأفذاذِ الذين بَلَغُوا شَأْوًا عظيمًا في علمِ التفسيرِ، العلامةَ الْمُفَسِّرَ الأصوليَّ محمد الأمين الشنقيطي ﵀، وهو -وإن كان من المتأخرين- إلا أن سماعَ كلامِه في التفسيرِ يُذَكِّرُ سامعَه بالأئمةِ المتقدمين.
ومعلومٌ أن التأخرَ والمعاصرةَ لا يُطَفِّفَانِ حَقَّ العالِم إذا كان مُتَحَقِّقًا في العلمِ. فـ «ليس لقِدَمِ العهد يُفَضَّل القائلُ (^١)، ولا لحِدْثَانِ

(^١) هكذا ضبطه القرافي وجماعة (القائل) بالقاف، وذهب الزبيدي وجماعة إلى أنه بالفاء (الفائل) من: فال رأيه إذا ضعف. انظر: تاج العروس (١/ ٢٩).

1 / 13

عهدٍ يُهْتَضَم الْمُصِيبُ، ولكن يُعْطَى كلٌّ ما يَسْتَحِقُّ» (^١).
ذلك أن نتائجَ الأفكارِ لا تنقضي لانقضاءِ عصرٍ بِعَيْنِهِ؛ بل لكلِّ عَالِمٍ ومتعلمٍ مِنْ ذلك حظٌّ بحسبِ إخَاذِهِ، وليس ثَمَّةَ ما يمنعُ أن يُدَّخَرَ لبعضِ المتأخرين ما لم يُوهَبْ لبعضِ المتقدمين، وعليه فلا عِبْرَةَ بقولِ بعضِهم: «مَا تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ»!! فإن هذه الكلمةَ بالغةُ الضررِ بالعلمِ؛ لكونها قاطعةً للآمالِ عن تحصيلِه والإضافةِ فيه، كما لا يَخْفَى. ولكن ينبغي أن يقالَ: «كَمْ تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ». والشيءُ إنما يُسْتَجَادُ ويسترذلُ لِجَوْدَتِه وَرَدَاءَتِهِ لا لِتَقَدُّمِ قائلِه أو تَأَخُّرِهِ (^٢).
قال أبو محمد بن قتيبة ﵀ في مقدمةِ (الشعرِ والشعراءِ): «وَلَمْ أَسْلُكْ فيما ذكرتُه من شعرِ كُلِّ شاعرٍ مُخْتَارًا له سبيلَ مَنْ قلَّدَ أو استحسن باستحسانِ غيرِه، ولا نظرتُ إلى المتقدمِ منهم بعينِ الجلالةِ لِتَقَدُّمِهِ، وإلى المتأخرِ منهم بعينِ الاحتقارِ لِتَأَخُّرِهِ، بل نظرتُ بعينِ العدلِ على الفَرِيقَيْنِ، وأعطيتُ كُلًاّ حَظَّهُ، ووفرتُ عليه حَقَّهُ، فإني رأيتُ من علمائنا مَنْ يستجيدُ الشعرَ السخيفَ لتقدمِ قائلِه، ويضعُه في مُتَخَيَّرِهِ، ويُرْذِل الشعرَ الرصينَ، ولا عيبَ له عنده إلا أنه قِيلَ في زمانِه، أو أنه رأى قائلَه، ولم يَقْصُرِ اللَّهُ العلمَ والشعرَ والبلاغةَ على زمنٍ دونَ زمنٍ، ولا خَصَّ به قومًا دونَ قومٍ، بل جعلَ ذلك مُشْتَركًا مَقْسُومًا بين عبادِه في كُلِّ دَهْرٍ، وجعلَ كُلَّ قَدِيمٍ حديثًا

(^١) ما بين الأقواس «» من كلام المبرد في «الكامل» (١/ ٤٣).
(^٢) انظر: كشف الظنون (١/ ٣٩)، ولأحمد بن فارس ﵀ كلام مفيد في هذا الموضوع نقله الأُستاذ عبد السلام هارون ﵀ في مقدمة التحقيق لكتاب (المقاييس في اللغة) (١/ ١٥ - ٢٠).

1 / 14