احکام القرآن
أحكام القرآن لابن الفرس
ایڈیٹر
صلاح الدين بو عفيف
ناشر
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م
پبلشر کا مقام
بيروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم
الحمد لله الهادي إلى القصد، المبين سبيل الرشد، الذي خصنا باتباع السنة، وعمنا بمزايا اللطف والمنة، وشرفنا بالآيات والذكر الحكيم، وعلمنا ما لم نكن نعلم من سلوك الطريق القويم، وفصل به الحلال من الحرام، ورفع بنوره ظلمة الإشكال والإبهام، وجعله مضمارًا لمجاري الأحكام، وصيره ضابطًا لأفعال العباد، سالكًا بها منهج التوفيق والسداد، حتى لا تكون حركة ولا سكون، إلا وبها حكم من الشرع مقرون.
وبعد، فإنه لما كان كتاب الله تعالى الأصل لكل معلوم، وجب على من اتصف بصفات المجتهدين، وأراد تعرف أفعال المكلفين، أن يبدأ أولًا فيعرف المنسوخ منه من المحكم، فإذا عرف ذلك، أخذ في استنباط الأحكام منه، ولا شك أنه إذا أخذ ذلك علم من الأحكام ما تعارضت فيه أدلة الكتاب واحتمالاته، ووجد من السنة الواردة عن النبي ﷺ ما يعارض معنى الكتاب أيضًا فيجب أن ينظر [في] أقوى الأدلة، وأظهر
1 / 33
الاحتمالات، فإذا سلك هذه السبيل أمكن أن يسدد ويوفق. وكثيرًا ما يوجد من الأدلة والاحتمالات ما يكون أقوى عند قوم، وأضعف عند آخرين، وبحسب ذلك يقع اختلاف العلماء في المسألة الواحدة.
وإني لما تشوفت في عنفوان الطلب، ومبدأ التعلم إلى معرفة الأحكام الشرعية، تاقت النفس إلى هذه الطريقة، فنظرت في كتب أحكام القرآن المؤلفة في ذلك، فلم أجد فيها ما يشفي نهمة متعطش، ولا يقر عين طالب، لأني وجدتها، قليلًا ما نبه فيها على مآخذ حكم من ألفاظ الكتاب إلا في اليسير النزر. وأجل من اشتغل بذلك أبو الحسن كياه ﵀، فإنه سلك في ذلك الغرض المراد، لكنه ألم به إلمام الطير يحسو الثماد. ولما رأيت الأمر كذلك عنيت بالبحث عن ذلك، وطلب المسائل التي تستند إلى شيء من أدلة الكتاب العزيز، فاجتمع من ذلك كثير. فرأيت أن أجمعها في كتاب ليسهل على الطالب معرفتها، واقتصرت منها على ما هو أظهر تعلقًا، وأبين استنباطًا، ليكون مسبارًا لغيرها ودليلًا على مأخذ سواها.
وما عرض من اختلاف لأهل العلم في شيء من ذلك ذكرته ليعرف الناظر في كتابي ما اتفق عليه من الأحكام، وما اختلف فيه، وهذه إحدى فوائد معرفة الخلاف. والفائدة العظمى في معرفته أن يعرف الإنسان منها أدلة الشرع واحتمالاته، فإن أهل العلم ما اختلفوا في شيء إلا عن أدلة تعارضت، واحتمالات تخالفت، فقوي عند أحدهم دليل واحتمال لم يقو عند الآخر. ولهذا كان الشافعي ﵁ يقول بالقولين في السؤال عن مسألة واحدة في حالٍ واحدة، ومالك -رضي الله تعالى عنه-
1 / 34
وإن كان لم يقل مثل هذا، فكثيرًا ما كان يقول قولًا في مسألة، ثم يقول قولًا آخر في المسألة بعينها، وكذلك أبو حنيفة وغيره من العلماء، فإذا انحصر لك خلاف العلماء في مسألة علمت أن احتمالات الشريعة منحصرة لأنه لو كان هناك احتمال له قوة لقيل به.
ولما أخذت في بسط هذا المنهج من الأحكام رأيت أن أذكر مع ذلك ناسخ القرآن ومنسوخه، لتكمل به الفائدة، وتتم به للمتفقه العائدة، وإن قصرت في شيء مما اعتمدت عليه فبحسب بعد هذا المأخذ الذي لم أسبق إليه، وإن وقفت بي همتي دون مطلبي، فمبلغ نفس عذرها مثل منجح، والله الموفق للصواب.
1 / 35
فاتحة الكتاب
مكية، وقيل: مدنية، واختلف هل يقال لها أم الكتاب وأم القرآن أم لا؟ وليس فيها ناسخ ومنسوخ.
1 / 36
البقرة
مدنية. وقد وقع فيها ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: ٢١]. قال مجاهد: ﴿يا أيها الناس﴾، حيث وقع من القرآن مكي، و﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ مدني. وهذا الذي قال مجاهد صحيح في ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأما ﴿يا أيها الناس﴾ فقد يجيء في المدني. وفيها مواضع من الأحكام والنسخ.
(٣) - الأول: [قوله تعالى]: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣]
واختلف في هذه النفقة ما هي؟ فقال يزيد بن القعقاع وابن عباس: هي الزكاة. وقال ابن مسعود: هي نفقة الرجل على أهله. وقال الضحاك: هي كل نفقة وهذا هو الصحيح. ثم إن الله ﵎ بين في كتابه على لسان رسوله ﷺ درجات الإنفاق في التكليف وأحكامه في الثواب. وقول من قال: إن هذه الآية وكل آية تضمنت النفقة في القرآن
1 / 37
منسوخة بالزكاة غير صحيح؛ لأن ذلد ليس بنسخ وإنما هو تخصيص.
قوله تعالى في صفة المنافقين وإظهارهم الإيمان مع إسرارهم الكفر ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ الآيات [البقرة: ٨ - ١٦]. قال بعض المفسرين لهذه الآية: عدم الأمر بقتلهم يدل على جواز استتابة الزنديق لأن الله تعالى لم يأمر بقتلهم وإليه ذهب الشافي وأصحاب الرأي والطبري وأبو حنيفة في أحد قوليه. وهذا استدلال ضعيف لأن الآية لا تدل عليه بلفظ، ولا بمفهوم لفظ وغاية ما فيها عدم الأمر، وعدم الأمر ليس بحكم يقتضي حكمًا. وقال الشافعي وأصحابه: إنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرون من الإيمان بألسنتهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله، كالكافر لا يصلي، فمن قال: إن عقوبة الزنادقة أشد من عقوبة الكافر، فقد خالف معنى الكتاب والسنة وجعل شهادة الشهود على الزنديق فوق شهادة الله تعالى على المنافقين، قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ الآيات [المنافقون: ١ - ٨] واحتج ابن حنبل لهذا القول بحديث مالك بن الدخشم، وقل النبي ﷺ فيه: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم».
وأما مالك وأصحابه فيقولون: إنه لا تقبل للزنديق توبة ويقتل. وقال
1 / 38
مالك رحمه اللخ تعالى: النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة؛ لأنه لا يظهر ما يستتاب منه، وإنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ايسن الحكم لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه إذ لم يشهد على المنافقين.
قال إسماعيل القاضي: لم يشهد على عبد الله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه، ولو شهد على أحد منهم رلان بكفره ونفاقه لقتل.
قال بعض المفسرين: وليس في قول عبد الله بن أبي ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ [المنافقون: ٨] صريح كفر وإنما يفهم من قوته الكفر. وهذا أقوى من الاعتذار عنه بانفراد زيد بالشهادة عليه وفي هذا وهم من وجهين:
أحدهما: أن دلالة المفهوم من اللفظ كدلالة صريح اللفظ فيما يوجبه من الحكم.
والثاني: أن الله تعالى قد شهد على قائل ذلك بالكفر، فلو شهد عند رسول الله ﷺ [به على عبد الله بن أبي] شاهدان لقتله.
1 / 39
واحتج ابن الماجشون لمذهب مالك بقوله تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾ إلى قوله [تعالى] ﴿ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠، ٦١].
قال [قتادة]: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. وفي هذه الآية رد على غلاة المرجئة. قال بعض المفسرين: وهم الكرامية، في قولهم: إن مهر الشهادتين بلسانه يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه تعلقًا منهم بقوله ﷺ في بعض طرق حديث مالك بن الدخشم: «لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله فيدخل النار [وأني رسول الله]» وبغير ذلك من ظواهر الأخبار، لأنه تعالى قد نفى الإيمان عن المنافقين بقوله تعالى: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨].
(٢٢) - قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم اتلأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ [االبقرة: ٢٢].
في هذه الآية مجاز كثير، فإنه جعل الأرض فراشًا، والسماء بناء، والفراش والبناء في اللغة يطلقان على غير ذلك، وإنما يطلق على الأرض فراشًا وعلى السماء بناء على التسبيه لهما بالفراش الحسي والبناء الحقيقي.
وقد أنكر المجاز في القرآن قوم، وهذا وأمثاله يرد قولهم. فلو حلف
1 / 40
إنسان أن لا يبيت على فراش ولا يرقد تحت بناء، فبات على الأرض وبات لا يحجبه عن السماء شيء لم يحنث؛ لأن إطلاق اللفظ ينصرف إلى الحقيقة.
وقوله تعالى: ﴿فاخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾ [البقرة: ٢٢]. اختلف في الرزق ما هو؟ فذهب الأكثر إلى أنه ما يصح الانتفاع به. وذهبت المعتزلة إلى أنه ما يصح تملكه، وليس الحرام عندهم برزق، وإن عاش الإنسان منه طول دهره. واحتج بعض الناس بهذه الآية على إبطال قولهم لأن الله تعالى أوقع اسم الرزق فيها على ما يخرج من الثمرات قبل التملك لها، أي أخرج منها ما يصلح أن يكون رزقًا لكم، وكذلك احتج على إبطال ذلك بعضهم أيضًا بقوله تعالى بعد هذا ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي روقنا من قبل﴾ [البقرة: ٢٥].
قال بعضهم: ودل قوله: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة: ٢٤] على الأمر باستكمال حجج العقول وإبطال التقليد.
(٢٣) - قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣]
هذا هو التحدي الذي لا معنى للمعجزة إلا به، ولا خلاف أنه ﷺ تحدى العرب بالقرآن لأنه أمر متواتر. وقد قال تعالى: ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ [هود: ١٣]. وقد اختلف في القدر الذي يقع به الإعجاز م نالقرآن، فذهب بعض المعتزلة إلى انه يتعلق بجميع القرآن، وهذا قول ترده الآيتان المذكورتان. وقال القاضي: يتعلق الإعجاز بسورة وألزم ذلك في
1 / 41
سورة الكوثر والإخلاص تشبثًا بظاهر قوله تعالى ﴿بسورة من مثله﴾ وقال في موضع آخر من كتبه، وارتضاه أبو إسحاق. وإنما يتعلق بسورة يعد قدرها في الكلام بحيث يتبين فيه تفاضل رتب قوى البلاغة، وهو لا يتبين إلا فيما طال بعض الطول، ولست أقطع في الكوثر وما قاربها بنفي ولا إثبات في إعجازها. وصحح بعض المتأخرين هذا القول. واختلف في الضمير في قوله: ﴿من مثله﴾ على ما يعود؟ فقيل: يعود على القرآن، وهو المعبر عنه بما في قوله: ﴿مما نزلنا﴾. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا في معنى هذه المماثلة فقيل: معناه مثله في قدمه أو غيوبه وصدقه، وهذان القولان راجعان إلى مذهب من يرى أن تحدي النبي ﷺ إنما وقع بالكلام القديم الذي هو صفة للذات وأن العرب كلفت من ذلك بما لا يطاق.
وقيل: معناه مثله في وصفه ونظمه وفصاحته. وهذا القول راجع إلى مذهب من يرى التحدي إنما وقع باللفظ. والذين ذهبوا إلى هذا اختلفوا في المعجز منه ما هو؟ لأن ألفاظه احتوت على وصف محكم ونظم وفصاحة، وفمنهم من علق الإجاز بالمعاني الثلاثة، ومنهم من علقه بالوصف، ومنهم من علق بالنظم، ومنهم من علقه بالفصاحة. ويحتمل أن تتأول الآية على كل واحد من هذه الأقوال. وتعلق الإعجاز بالمعاني الثلاثة هو الذي اختاره المتأخرون من أهل السنة. وقال بعضهم: وهو الذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه ولم يكن من قدرة العرب أن تحيط بمثل ذلك فتأتي به خلافًا لم نقال: إن العرب في قدرتها أن تأتي بمثله، فلما جاء النبي ﷺ صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه، وهو قول باطل يرده الاعتبار بما جبل عليه الناس من الذهول والجهل والنسيان، فكيف كان
1 / 42