587

Acts of the Messenger ﷺ and Their Indications for Sharia Rulings

أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية

ناشر

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع

ایڈیشن

السادسة

اشاعت کا سال

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

پبلشر کا مقام

بيروت - لبنان

الشرط الرابع: أن لا يكون قد عُلِم من حاله ﷺ إنكاره لذلك الفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه، حتى استقرّ ذلك شرعًا ثابتًا، وحكمًا راسخًا لا يحتمل التغيير ولا النسخ. فلو خالفه مخالف فسكت عليه، لم يؤخذ بسكوته حجة، ووجب حمله على غفلة عنه، أو عدم علم به، أو عذر خاصّ علمه من الفاعل، أو اكتفاء بالبيان المتقدم، أو حال لم نطّلع عليه، أو غير ذلك مما يمنع تعدية الحكم إلى غير الفاعل. وذلك كعبادة غير الله، ونكاح المحارم، وشرب الخمر إذا أقرّ على ذلك أهل الذمّة.
وجعل الحنفية (١) والباقلاني والغزالي من هذا النوع ما ورد أن رسول الله ﷺ دخل على عائشة مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تَرَيْ أن مُجزّزًا المدلجي نظر آنفًا إلى أسامة وزيد وقد غطّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض" (٢). وهو الحديث الذي احتجّ به الشافعي وغيره على إثبات النسب بقول القائف. قال الباقلاني: "هذا فيه نظر، فإن قول مجزز كان موافقًا لظاهر الحق، وكان المنافقون يبدون غميزة في نسب زيد وأسامة، قاصدين بذلك إيذاء رسول الله ﷺ. وكان الشرع حاكمًا بالتحاق أسامة بزيد. فجرى قول مجزز منطبقًا على وفق الشرع والظاهر والأمر المستفيض الشائع" (٣). وقال الغزالي في المنخول: "إنما سرّ ﷺ بكلمة صدق. صدرت ممن هو مقبول القول فيما بين الكفار، على مناقضة قولهم لما قدحوا في نسب أسامة، إذ كان رسول الله ﷺ قد تأذّى به" (٤).
والصواب أن الحديث دليل صحة العمل بالقيافة، حيث لا تخالف ما ثبت بطريق شرعي. وقد قال الشافعي في المسألة: "إن الرسول لا يسره إلا الحق، فإذْ سرّه قوله تبيّن أنه من مسالك الحق" (٥). والأمر الذي ادّعوا ظهوره غير ظاهر.
الشرط الخامس: أن لا يكون المقرّ ممن يزيده الإنكار سوءًا، ويغريه بشرٍ مما هو فيه.

(١) ابن دقيق العيد: الإحكام ٢/ ٢٢٢ تيسير التحرير ٣/ ١٢٩
(٢) متفق عليه.
(٣) أبو شامة: المحقق ق ٤٢ ب.
(٤) ص ٢٢٩
(٥) أبو شامة: المحقق ق ٤٢ ب.

2 / 109