قام بهم ليلتين أو ثلاثًا. ثم قال لهم: "إنه لم يخْفَ عليَّ مكانكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم".
ولذلك لما زالت هذه الخشية بوفاته ﷺ وانقطاع الوحي، أعاد الصحابة ﵃ فعلها في المسجد في زمن عمر بن الخطاب ﵁.
النوع الثاني: ترك العمل المستحب خشية أن يظن البعض أنه واجب. وترك المباح لئلا يظنّوا أنه مستحب أو واجب.
وهذا نوع مشابه للنوع الأول وليس منه.
ومنه أنه ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، استحبابًا. وقد ترك ذلك يوم فتح مكة، فصلّى الصلوات كلّها بوضوء واحد. فقال عمر: "يا رسول الله فعلت اليوم شيئًا لم تكن تفعله". فقال: "عمدًا فعلته يا عمر". قال الطحاوي: "يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه ثم نسخ يوم الفتح. ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا ثم خشي أن يظنّ وجوبه فتركه لبيان الجواز". قال ابن حجر: "وهذا أقرب" (١).
وُيسَن الاقتداء به ﷺ في هذا النوع من الترك ممن يقتدى به إذا ظنَّ توهم بعض الحاضرين شيئًا من ذلك.
وقد وضَّح الشاطبي قاعدة ترك المندوبات أحيانًا، ممن يقتدى به، فقال: "لا ينبغي لمن التزم عبادة من العبادات البدنية الندبيّة أن يواظب عليها مواظبةً يفهم الجاهل منها الوجوب، إذا كان منظورًا إليه مرموقًا، أو مظنّة لذلك، بل الذي ينبغي له أن يدعها في بعض الأوقات، حتى يُعلم أنها غير واجبة" (٢). اهـ.
النوع الثالث: الترك لأجل المشقة التي تلحق الأمة في الاقتداء بالفعل، ولو استحبابًا: ومنه تركه الرمل في الأشواط الأربعة الأخيرة من الطواف. ففي حديث ابن عباس قال: "ولم يمنعه أن يرمل الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" (٣).
وينبغي أن يلاحظ في هذا المثال خاصة أنه لا يستحب الرمل في الأشواط
(١) فتح الباري ١/ ٣١٦
(٢) الموافقات ٣/ ٣٣٢
(٣) البخاري وأبو داود والنسائي (جامع الأصول ٤/ ٦).