أبحاث هيئة كبار العلماء

أبحاث هيئة كبار العلماء

ـ[أبحاث هيئة كبار العلماء]ـ
المؤلف: هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
عدد الأجزاء: ٧ أجزاء
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

نامعلوم صفحہ

(١)
حكم السعي
فوق سقف المسعى
هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية

1 / 15

بسم الله الرحمن الرحيم
حكم السعي فوق سقف المسعى
إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده، وبعد (١):
فبناء على خطاب سمو نائب وزير الداخلية للمملكة العربية السعودية رقم (٢٦ \ ١٠٦١٢) وتاريخ ٢١ \ ٣ \ ١٣٩٣ هـ المتضمن رغبة وزارة الداخلية في دراسة موضوع السعي فوق سقف المسعى من قبل هيئة كبار العلماء بالمملكة.
وبناء على ما تقتضيه لائحة سير عمل الهيئة من قيام اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بإعداد بحث علمي فيما يحتاج إلى بحث من المواضيع التي تتجه الرغبة إلى دراستها في الهيئة - قامت اللجنة بإعداد بحث في حكم السعي فوق سقف المسعى.

(١) نشر هذا البحث في (مجلة البحوث الإسلامية) العدد الأول، ص ١٧٩ - ١٩٦، عام ١٣٩٥ هـ.

1 / 17

وفيما يلي ما تيسر إعداده من النصوص والنقول التي يمكن أن يستعان بها في هذا الموضوع:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد: فإنه قد عرض على هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في دورتها الرابعة المنعقدة ما بين ٢٩ \ ١٠ \ ١٣٩٣ هـ و١٢ \ ١١ \ ١٣٩٣ هـ موضوع (حكم السعي فوق سقف المسعى)؛ ليكون وسيلة لعلاج ازدحام الناس في المسعى أيام موسم الحج.
واطلعت الهيئة على البحث المقدم عنه من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. هذا نصه.

1 / 18

حكم السعي فوق سقف المسعى
الأمر الأول: قال البخاري في [صحيحه]: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني طلحة بن عبد الله: أن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل أخبره: أن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ظلم من الأرض شيئا طوقه من سبع أرضين (١)» .
قال ابن حجر: وفي الحديث تحريم الظلم والغصب، وتغليظ عقوبته، وإمكان غصب الأرض، وأنه من الكبائر، قاله القرطبي، وكأنه فرعه على أن الكبيرة ما ورد فيه وعيد شديد، وأن من ملك أرضا ملك أسفلها إلى منتهى الأرض، وله أن يمنع من حفر تحتها سربا أو بئرا بغير رضاه، وفيه أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارة ثابتة وأبنية ومعادن وغير ذلك، وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء، ما لم يضر بمن يجاوره. اهـ. (٢) .
وقال العيني: بعد أن ساق حديث سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ظلم من الأرض شيئا طوقه من سبع

(١) صحيح البخاري المظالم والغصب (٢٤٥٢)، صحيح مسلم المساقاة (١٦١٠)، سنن الترمذي الديات (١٤١٨)، مسند أحمد بن حنبل (١/١٩٠)، سنن الدارمي البيوع (٢٦٠٦) .
(٢) [صحيح] البخاري، مع شرحه [فتح الباري]، (٥ \ ٣٨) .

1 / 19

أرضين (١)»:
ذكر ما يستفاد منه: فيه دليل على أن من ملك أرضا ملك أسفلها إلى منتهاها، وله أن يمنع من حفر تحتها سربا أو بئرا، سواء أضر ذلك بأرضه أو لا، قاله الخطابي، وقال ابن الجوزي: لأن حكم أسفلها تبع لأعلاها، وقال القرطبي: وقد اختلف فيما إذا حفر أرضه فوجد فيها معدنا أو شبهه فقيل: هو له، وقيل: بل للمسلمين، وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بجاره، وكذلك له أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. اهـ.
وقال الأبي (٢): قوله: «من ظلم شبرا من الأرض (٣)» . . . واستدل بعضهم على أن من ملك ظاهر الأرض يملك ما تحته مما يقابله، فله منع من يتصرف فيه أو يحفر، وقد اختلف العلماء في هذا الأصل فيمن اشترى دارا فوجد فيها كنزا أو وجد في أرضه معدنا، فقيل: له، وقيل: للمسلمين.
ووجه الدليل من الحديث: أنه غصب شبرا فعوقب بحمله من سبع أرضين. . . إلى أن قال: وكذلك يملك ما قبل ذلك من الهواء يرفع فيه من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. اهـ.
فدل ما تقدم على أن حكم أعلى الأرض وأسفلها تابع لحكمها في التملك والاختصاص ونحوهما، وعلى ذلك يمكن أن يقال: إن السعي فوق الطابق الذي جعل سقفا لأرض المسعى له حكم السعي على أرض

(١) [صحيح] البخاري، مع شرحه [عمدة القاري] (١٢ \ ٢٩٨) .
(٢) [صحيح مسلم]، مع شرحه [إكمال المعلم] (٤ \ ٣١٣، ٣١٤) .
(٣) صحيح البخاري بدء الخلق (٣١٩٨)، صحيح مسلم المساقاة (١٦١٠)، سنن الترمذي الديات (١٤١٨)، مسند أحمد بن حنبل (١/١٨٧)، سنن الدارمي البيوع (٢٦٠٦) .

1 / 20

المسعى.
الأمر الثاني: وقد جاءت أحاديث في هذا الباب عن النبي ﷺ من رواية ابن عباس: «أن النبي ﷺ طاف بالبيت وهو على بعير، (١)» ومن رواية أم سلمة: «شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: طوفي وأنت راكبة (٢)»، وقد بوب البخاري في [صحيحه] فقال: (باب المريض يطوف راكبا) ثم ساق الحديثين السابقين: حديث ابن عباس، وحديث أم سلمة، قال ابن حجر (٣): أن المصنف حمل سبب طوافه ﷺ راكبا على أنه كان عن شكوى، وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس بلفظ: «قدم النبي ﷺ مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته (٤)»، ووقع في حديث جابر عند مسلم: «أن النبي ﷺ طاف راكبا ليراه الناس وليسألوه. وطاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه؛ ليراه الناس، ويشرف ليسألوه (٥)» .
فيحتمل أن يكون فعل ذلك لأمرين، وحينئذ لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبا لغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز، إلا أن المشي أولى والركوب مكروه تنزيها، والذي يترجح المنع، لأن طوافه ﷺ وكذا أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، ووقع في حديث أم سلمة: «طوفي من

(١) صحيح البخاري الحج (١٦١٢)، صحيح مسلم الحج (١٢٧٢)، سنن النسائي المساجد (٧١٣)، سنن أبو داود المناسك (١٨٧٧)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٩٤٨)، مسند أحمد بن حنبل (١/٢١٥) .
(٢) صحيح البخاري كتاب الصلاة (٤٦٤)، صحيح مسلم الحج (١٢٧٦)، سنن النسائي كتاب مناسك الحج (٢٩٢٥)، سنن أبو داود المناسك (١٨٨٢)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٩٦١)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٣١٩)، موطأ مالك الحج (٨٣٢) .
(٣) [صحيح] البخاري، مع شرحه [الفتح]، (٣ \ ٤٦٠) .
(٤) تمام الحديث: كلما أتى على الركن استلم الركن بمحجنه فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين، سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد ولا يحتج به، وقال البيهقي: في حديث يزيد بن أبي زياد لفظة لم يوافق عليها وهي قوله '' وهو يشتكي '' [مختصر السنن] (٢ \ ٣٧٧) .
(٥) صحيح مسلم الحج (١٢٧٣)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٩٧٥)، سنن أبو داود المناسك (١٨٨٠) .

1 / 21

وراء الناس (١)»، وهذا يقتضي منع الطواف في المطاف، وإذا حوط المسجد امتنع داخله، إذ لا يؤمن التلويث، فلا يجوز بعد التحويط، بخلاف ما قبله، فإنه كان لا يحرم التلويث كما في المسعى، وعلى هذا فلا فرق في الركوب إذا ساغ بين البعير والفرس والحمار، وأما طواف النبي ﷺ راكبا فللحاجة إلى أخذ المناسك عنه ولذلك عده بعض من جمع خصائصه فيها. اهـ.
وفي [صحيح البخاري] بإسناده إلى ابن عباس ﵄. قال: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (٢)» .
قال العيني: وأخرج مسلم عن أبي الطفيل: «رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن (٣)»، وروى مسلم عن جابر: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، ليراه الناس، وليشرف ليسألوه (٤)» . . . قال: ذكر معناه قوله: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير (٥)» . قال ابن بطال: استلامه بالمحجن راكبا يحتمل أن يكون لشكوى به. . . إلى أن قال: وقال النووي: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشيا، ولا يركب إلا لعذر من مرض ونحوه، أو كان يحتاج إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى به، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. . . إلى أن قال: وقال مالك وأبو حنيفة: إن طاف راكبا لعذر أجزأ ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر فعليه دم، قال أبو حنيفة: وإن كان بمكة أعاد الطواف. اهـ (٦) .

(١) صحيح البخاري كتاب الصلاة (٤٦٤)، صحيح مسلم الحج (١٢٧٦)، سنن النسائي كتاب مناسك الحج (٢٩٢٥)، سنن أبو داود المناسك (١٨٨٢)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٩٦١)، مسند أحمد بن حنبل (٦/٣١٩)، موطأ مالك الحج (٨٣٢) .
(٢) صحيح البخاري الحج (١٦٠٨)، صحيح مسلم الحج (١٢٧٢)، سنن النسائي المساجد (٧١٣)، سنن أبو داود المناسك (١٨٧٧)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٩٤٨)، مسند أحمد بن حنبل (١/٢٤٨) .
(٣) صحيح مسلم الحج (١٢٧٥)، سنن أبو داود كتاب المناسك (١٨٧٩)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٩٤٩)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٤٥٤) .
(٤) صحيح مسلم الحج (١٢٧٣)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٩٧٥)، سنن أبو داود المناسك (١٨٨٠) .
(٥) صحيح البخاري الحج (١٦٠٨)، صحيح مسلم الحج (١٢٧٢)، سنن النسائي المساجد (٧١٣)، سنن أبو داود المناسك (١٨٧٧)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٩٤٨)، مسند أحمد بن حنبل (١/٢٤٨) .
(٦) [صحيح البخاري] مع شرحه [عمدة القاري] (٦ \ ٥٢٣) .

1 / 22

وقال السرخسي: وإن طاف راكبا أو محمولا؛ فإن كان لعذر من مرض أو كبر لم يلزمه شيء، وإن كان لغير عذر أعاده ما دام بمكة، فإن رجع إلى أهله فعليه الدم عندنا، وعلى قول الشافعي لا شيء عليه؛ لأنه صح في الحديث: «أن النبي ﷺ طاف للزيارة يوم النحر على ناقته واستلم الأركان بمحجنه (١)» .
ولكن نقول: المتوارث من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا الطواف ماشيا، وهذا على قول من يجعله كالصلاة؛ لأن أداء المكتوبة راكبا من غير عذر لا يجوز، فكان ينبغي أن لا يعتد بطواف الراكب من غير عذر، ولكنا نقول: المشي شرط الكمال فيه، فتركه من غير عذر يوجب الدم؛ لما بينا، فأما تأويل الحديث فقد ذكر أبو الطفيل ﵀ أنه طاف راكبا لوجع أصابه، وهو أنه وثبت رجله؛ فلهذا طاف راكبا، وذكر أبو الزبير عن جابر: «أن النبي ﷺ طاف راكبا لكبر سنه»، وعندنا إذا كان لعذر فلا بأس به، وكذلك إذا طاف بين الصفا والمروة محمولا أو راكبا، وكذلك لو طاف الأكثر راكبا أو محمولا فالأكثر يقوم مقام الكل على ما بينا. اهـ (٢) .
وقال ابن الهمام: على قول صاحب [الهداية]: (وإن أمكنه أن يمس الحجر شيئا في يده) كالعرجون وغيره، ثم قبل ذلك فعل؛ لما روي: «أنه ﵇ طاف على راحلته واستلم الأركان بمحجنه (٣)»، وقوله: وإن أمكنه أن يمس الحجر شيئا في يده أو يمسه بيده، ويقبل ما مس به - فعل،

(١) مسند أحمد بن حنبل (١/٢٣٧) .
(٢) [المبسوط] (٤ \ ٤٥) .
(٣) سنن الترمذي الحج (٨٥٨)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٩٥٣)، مسند أحمد بن حنبل (١/٢٣٧) .

1 / 23

أما الأول فلما أخرج الستة إلا الترمذي عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ طاف في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه؛ لأن يراه الناس ويشرف، وليسألوه، فإن الناس غشوه (١)» .
وأخرجه البخاري عن جابر إلى قوله: لأن يراه الناس، ورواه مسلم عن أبي الطفيل: «رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت على راحلته ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن (٢)» ثم أورد إشكالا حديثيا وهو: أن الثابت بلا شبهة: أنه ﵇ رمل في حجة الوداع، وطوافه راكبا على البعير ينافي ذلك. . . إلى أن قال: والجواب: أن في الحج للآفاقي أطوفة، فيمكن كون المروي من ركوبه كان في طواف الفرض يوم النحر ليعلمهم، ومشيه كان في طواف القدوم، وهو الذي يفيده حديث جابر الطويل؛ لأنه حكى ذلك الطواف الذي بدأ به أول دخوله مكة المكرمة، كما يفيده سوقه للناظر فيه.
فإن قلت: فهل يجمع بين ما عن ابن عباس وعائشة ﵄: «إنما طاف راكبا ليشرف ويراه الناس فيسألوه (٣)» وبين ما عن سعيد بن جبير: «أنه إنما طاف كذلك؛ لأنه كان يشتكي» كما قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان: أنه سعى بين الصفا والمروة مع عكرمة، فجعل حماد يصعد الصفا وعكرمة لا يصعد، ويصعد حماد المروة وعكرمة لا يصعد، فقال حماد: يا أبا عبد الله، ألا تصعد الصفا والمروة، فقال: هكذا كان طواف رسول الله ﷺ، قال حماد: فلقيت سعيد بن جبير فذكرت له ذلك، فقال: إنما طاف رسول الله ﷺ على راحلته وهو شاك يستلم الأركان بمحجن، فطاف بين الصفا والمروة على

(١) صحيح مسلم كتاب الحج (١٢٧٣)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٩٧٥)، سنن أبو داود المناسك (١٨٨٠) .
(٢) صحيح مسلم الحج (١٢٧٥)، سنن أبو داود كتاب المناسك (١٨٧٩)، سنن ابن ماجه المناسك (٢٩٤٩)، مسند أحمد بن حنبل (٥/٤٥٤) .
(٣) صحيح مسلم الحج (١٢٧٣)، سنن النسائي مناسك الحج (٢٩٧٥)، سنن أبو داود المناسك (١٨٨٠) .

1 / 24

أبحاث هيئة كبار العلماء | اصول