The Qur'an and Refutation of the Monk's Criticism
القرآن ونقض مطاعن الرهبان
لقد شاءَ اللهُ أَنْ يُسحرَ رسولُه ﷺ، وذلك تأكيدٌ لبشريَّتِه وضعْفهِ؛ لأَنَّ كُلَّ بشر مخلوقٌ ضَعيف، تؤثَرُ فيه الأَسبابُ بأَمْر الله، والذي سَحَرَه هو اليهوديُّ " لَبيدُ بنُ الأَعْصَم "، حيثُ أَخَذَ مِشْطًا كان يُمَشِّطُ فيه رسولُ اللهِ ﷺ شَعْرَهُ، وفيه " مشاطةٌ "، وهي بقيةُ الشَّعْرِ الذي عَلِقَ من رأسِه بالمشط، وَرَبطَ المشط
والمشاطةَ في " جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَر "، وهو الغشاءُ الذي على طَلْعِ البَلَحِ عند بدايةِ خروجِه من كُمِّه على النخلة.
وَوَضعَ المشْط والمشاطَةَ والجُفَّ الغشاءَ في قَعْر بئرِ ذي أَروان، والماءُ الذي فيها قليل.
وشاءَ اللهُ أَنْ يُؤَثِّرَ هذا السحرُ في الجانبِ المادِّيِّ من رسولِ الله ﷺ، أَيْ أَنَّه أَثَّرَ في جِسْمِهِ فقط، ولم يُؤَثِّرْ في عَقْلِه وإدراكِه، كما أنه لم يُؤَثِّرْ في رسالتِه أَو الوحيِ الذي يَتَلَقّاهُ من الله، ولم يُؤَثَرْ في عبادَتِه ودعوتِه وذِكْرِه لله..
أَقصى ما أَثَّر فيه السحرُ كما أَخْبَرَتْ عائشة ﵂ أَنه كانَ يُخَيَّلُ إليه أَنه فعل الشيءَ وما فعلَه، ولم يستمرَّ هذا فيه طويلًا، حيثُ كانَ ﷺ يلجأُ إلى الله، يَدْعوهُ ويتضرَّعُ إليه، كي يُذهبَ عنه ما أَثَّر فيه..
وفي أَحَدِ الأَيّام كانَ ﷺ عند عائشهَ ﵂، فدعا الله طويلًا، واستجابَ اللهُ دُعاءَه، وأَخبرَه عن حقيقةِ ما به،
وأَخبرَ عائشة ﵂ عن ما حَصَلَ له، وأَنَّ اللهَ قد أَفْتاهُ فيما اسْتَفْتاهُ فيه، حيثُ أَرسلَ إِليه ملكَيْنِ في صورةِ رجلَيْن.
فجلسَ أَحَدُهما عند رأْسِه، وجلسَ الآخَرُ عند رجلَيْه، وجَرى بينهما حوارٌ على مسمَع منه ﷺ، وعَرَفَ منهما أَنَّ لَبيدَ بن
الأَعصم اليهوديَّ سَحَرَه، وأَنه وَضَع السِّحْرَ في قعرِ بئرِ ذي أَروان.
وعافاهُ الله، وأَذْهَبَ عنه ما أَثَّر فيه.
وذهبَ رسولُ الله ﷺ إِلى البئر، وعادَ إلى عائشةَ ﵂ وأَخْبَرَها عنها: ماؤُها قليلٌ أَحمرُ كأنَّه حِنّاء، وعليها نَخْلٌ مثمرة، ثَمَرُها كأَنه رؤوسُ الشياطين.
وأَمَرَ ﷺ بدفن المادَّةِ التي سُحِرَ فيها، ولما اقترحَتْ عليه عائشةُ ﵂ أَنْ يُخرِجَها، وأَنْ يَتَنَشَّرَ، أَيْ أَنْ يُعالجَ نفسَه بالرُّقْيَة، رَفَضَ ذلك، وقال: لقد عافاني اللهُ وشفاني فلن أَتَنَشَّرَ، حتى لا أَثيرَ على الناسِ من ذلك السحرِ شَرًّا.
وبهذا انتهتْ هذا الحادثةُ العابِرة، التي مَرَّتْ برسولِ اللهِ ﵇ مُرورًا
1 / 672