495
الأَسئلةُ التي يُثيرُها الفادي هنا وجيهةٌ ومَعْقُولة، نحنُ معه في إِثارتِها،
ولكنَّها لا تُوَجَّهُ إِلى القرآنِ في حديثِه عن موتِ سليمانَ ﵇، وإنما تُوَجَّهُ إِلى تلك الأَسطورةِ، التي صَوَّرَتْ موتَ سليمانَ ﵇ بهذه الصورةِ غير المعقولة، والتي يرفضُها كُلُّ عاقل.
إِنَّ هذه الأَسطورةَ التي أَخَذَها الفادي من تفسيرِ البيضاوي، والتي أَخذَها
البيضاويُّ من بعضِ التفاسيرِ السابقة، التي لا تَتَحَرّى الصحةَ فيما تُورده، هذه الأَسطورةُ مرفوضةٌ عندنا لأَنها لم تَصحّ عن رسولِ الله ﵇، ولا عن أصحابِه الكرام.
وقد سبقَ أَنْ قَرَّرْنا أَن قَصصَ السابقين لا تُؤْخَذُ تفاصيلُها إِلّا من آياتِ
القرآنِ الصريحة، وأَحاديثِ رسولِ اللهِ ﷺ الصحيحة.
والمشكلةُ عندَ الفادي المفترِي هي جهْلُه، فهو يَعتمدُ كَلامًا غيرَ مقبولٍ
عندَ العلماء والمحققين، ثم يُحَمِّلُ القرآنَ تِبعتَه، ويُخَطِّئُ القرآنَ بسببِه، مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْه، وبذلك تتهاوى أَسئلةُ الفادي الجاهل.
إِنَّ القرآنَ لا يتحمَّلُ إِلّا ما يذكُرُه هو في آياتِه، وما يَذكُرُه لا خَطَأَ فيه
ولا اعتراضَ عليه، أَمّا الفهمُ البشريُّ لآياتِه الذي صَدَرَ عن المفَسِّرين فلا
يتحمَّلُه القرآن، لأَنَّ هذا الفهمَ البشريَّ قد يكونُ خاطئًا!.
لا بُدَّ أَنْ نفهمَ الآية التي تحدَّثَتْ عن موتِ سليمانَ ﵇ فَهْمًا - صحيحًا، لا سيما أَنه لا يوجَدُ عندنا حديثٌ صحيحٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ، يُضيفُ جَدِيدًا إِلى ما ذَكَرَتْه الآيَة.
أَرادَ اللهُ أَنْ يَجعلَ موتَ سليمانَ ﵇ آيةً وعبرةً للإِنسِ والجِنّ، ودَليلًا على عدمِ عِلْمِهم بالغيب، لأَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصّ باللهِ سبحانه..
فقد كانَ سليمانُ ﵇ يَحكمُ الإِنْس والجِنَّ والطير، وكانَ يُسَخِّرُ الجِنَّ في الأَعمالِ الكبيرة، وكان مَلِكًا حازمًا يَهابُهُْ الذين يَعملونَ عنده من الإِنْسِ والجِنّ.
ولما حانَ أَجَلُ سليمانَ ﵇، كان الجنُّ يَعملونَ بينَ يَدَيْه، وكانَ هو واقفًا أَمامَهم، مُتَّكِئًا على عصاه، يُراقِبُهم ويَضبطُهم، وهم يَنْشَطونَ في العمل، ولا يَرْفَعونَ رؤوسهم ناظِرينَ إِليه هيبةً له.

1 / 508