مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي

مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي

Yayıncı

دار الفكر المعاصر-بيروت لبنان / دار الفكر

Baskı

١٤٢٣هـ = ٢٠٠٢م / ط١

Yayın Yeri

دمشق سورية

•
Bölgeler
Cezayir
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
***************
مشكلة الأفكار
في العالم الإسلامي
دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان
دار الفكر-دمشق سورية

1 / 1

مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
مشكلة الأفكار
في العالم الإسلامي
ترجمة:
الدكتور بسام بركة
الدكتور أحمد شعبو
إشراف وتقديم المحامي عمر مسقاوي
دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان
دار الفكر-دمشق سورية

1 / 2

إعادة
١٤٢٣هـ = ٢٠٠٢م
ط١: ١٩٨٨م

1 / 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١، ترك أستاذنا مالك بن نبي، ﵀، في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١ الموفق ١٠ حزيران ١٩٧١، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملًا مني لهذه الرسالة، ووفاء لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذًا لوصية المؤلف بـ (ندوة مالك بن نبي).
وهي مشروع نطرحه كنواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو الفرنسية مترجمًا من قبل المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني، ﵀، مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان
١٨ ربيع الأول ١٣٩٩
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩
عمر مسقاوي

1 / 4

تقديم
هذا الكتاب
نقدمه في ترجمته الجديدة وثوبه الجديد. قد اعتمدنا أصله الفرذسي الذي استلمته مكتوبًا على الآلة الكاتبة من المؤلف ﵀، مصححًا بخطه مراجعًا منه.
لقد طلبت إلى كل من الدكتور بسام بركة والدكتور أحمد شعبو، أستاذَي الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية، العناية بترجمته من جديد.
ثم إني راجعت الترجمة، فقابلت بينها وبين أصلها باللغة الفرنسية، فتخيرت لنسقها أسلوبًا موحدًا هو أقرب إلى نهج الأستاذ مالك في الكتابة، مستعينًا بخبرة اكتسبتها من مصاحبتي له في القاهرة، حين توفر على إخراج كتبه بالعربية، وهو يشرف ويدقق في أعمال الترجمة في نهاية الخمسينات، بل حين اختار أخيرًا الكتابة باللغة العربية مباشرة.
ولقد رغبنا في مزيد من توضيح أفكار الكتاب، فأضفنا إلى كل فصل حواشيَ تُعَرِّف بالأعلام والمواقع، وتضيف إلى تحليلات بن نبي خلفية تسبر مراميها، وتكشف أحداثها.
فعسى أن يكون عملنا مع الزميلين المترجمين قد أوفى بالمهمة، وأوسع للهدف الذي من أجله وضع الكتاب.
ولسائل أن يسأل عن الفائدة من إعادة الترجمة، بعدما قام بترجمته في مصر

1 / 5

الأستاذ محمد عبد العظيم علي، وتولت طبعه دارالفكر في بيروت عام ١٩٧١م.
وجوابي على ذلك أنني منذ توليت الاضطلاع بمسؤولية إنتاج بن نبي بناء لوصيته، واتفقت مع دار الفكر في دمشق على إخراج مؤلفات بن نبي في ثوب جديد، كنت أطمع في ترجمة جديدة لهذا الكتاب تلتزم أصوله ونصوصه، ولا تجحد جهود الترجمة السابقة وأمانتها.
وقد زكى هذا الاتجاه ما انتشر من طبعات متناثرة لتلك الترجمة عبر دور نشر غير مأذون لها. فأردنا أن نمنح هذا الكتاب حلة جديدة وجهدًا جديدًا يرفد وضوح الأفكار التي اشتمل عليها.
ولأن المؤلف- ﵀ كان متأثرًا في شرح أفكار هـ ببعض معطيات أحاطت به زمن التأليف، وأدلت بها أحداث نهاية الستينات، فقد بدت الإشارة إلى بعض الأشخاص من الأحياء حكمًا يجلو للقارئ نسق تحليله لمشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، التي هي المحور الذي يجمع أطراف الكتاب.
ولأنه لم يكن لتلك الأحكام معنىً أبعد من ضرب الأمثال، لم نجد فائدة من العودة إلى ذكر الأسماء ذاتها، إلا ما كان لابد منه لاستقامة السياق ووضوح التحليل.
نقول هذا ونحن في فسحة مما تركه المؤلف لنا من خيار؛ خيار لا يجاوز بحالٍ وفاءنا لأفكار هـ والتزامنا بتبليغها كما تركها نَقِيَّةً من كل تحريف غَنيَّةً بكل توضيح.
فالقارئ هدف المؤلف أينما كان وفي أي موقع كان. وهو لذلك هدفنا نبلغه فكر بن نبي من أقرب السبل وأوثقها أتصالًا وأبعدها مرمىً في ضميره. فكل ما يشوب سبلنا إليه مما يعلق بالفكرة ولا يمازجها فنحن في سعة من أمرنا فيه.

1 / 6

ثم إن هذا الكتاب قد جمع زبدة ما أنتج بن نبي، إذ طالما كانت الإرادة الحضارية طوع الفكرة كما يقول في تضاعيف مؤلفاته، فإننا إزاء عصر التلقين المستبد بتصوراتنا ومفاهيهنا نواجه انهيار هذه الإرادة حتى لا تقوى على احتضان المصير.
والصراع الفكري يجد إطاره الأوسع في البلاد المحكومة بشبكة من الإيحاءات، تُدْلي بها مراصد الاستعمار، لتصنع مُتَقلَّبَ الأحداث وسوء مُنْقَلبها حيال كل نهضة فاعلة في عالمنا الإسلامي.
فالمشكلة مشكلة أفكار في النهاية، بها ننظم خطانا في ثبات الأديم، وندفع طاقتنا في مضاء العزيمة، ونحشد وسائلنا في وثيق الإنجاز.
والحضارة إذا كانت في عناصرها الأساسية: الإنسان، التراب، الزمن. كما يشرح بن نبي في مؤلفاته. والثقافة إذا كانت في مهمتها أسلوب حضارة تحرك الإنسان ووسائله عبر القنوات الأربع: المبدأ الأخلاقي، الذوق الجمالي، المنطق العملي، التقنية، فإن مسيرة الحضارة هذه تسير بالمجتمع قُوّةً وضعفًا، دَفْعًا وهَوْنًا، صُعودًا وهبوطًا، تبعًا لدرجة تمحوره حول الأفكار أو حول الأشياء المحيطة به.
إن لكل حضارة نمطها وأسلوبها وخيارها. وخيار العالم الغربي ذي الأصول الرومانية الوثنية قدى جَنَح بصرُهُ إلى ما حوله مما يحيط به: نحو الأشياء.
بينما الحضارة الإسلامية عقيدة التوحيد المتصل بالرسل قبلَها، سَبَح خيارُها نحو التطلع الغيبي وما وراء الطبيعة: نحو الأفكار.
وتستوي الحضارة على ظَهْرِ التاريخ كلما كانت في تَوازنٍ فَعَّال يدلي بنتائجه في أفكار موضوعة تستلهم أصوله ونماذجه. أي أفكار هـ المطبوعة الأصيلة. فإذا ما فقدت الأفكار المطبوعة في نَماذِجها الأساسية إلهامَها، وافتقدت الأفكار ُ الموضوعة

1 / 7

استلهامها لتلك النماذج، أصاب الخلل المسيرة وجَمَح بها ظهْرُ التاريخ فأصبحت شرودًا تغالي في الانحراف.
«فالفكر الغربي يجنح على ما يبدو أساسًا إلى الدوران حول مفهوم الوزن والكم، وهو عندما ينحرف نحو المغالاة يصل حتمًا إلى الماديَّة في شكليها: الشكل البورجوازي للمجتمع الاستهلاكي، والشكل الجدلي للمجتمع السوفياتي.
وحينما يكون الفكر الإسلامي في أفوله كما هو شأنه اليوم، فإن المغالاة تدفعه إلى التصوف والمبهم والغامض وعدم الدقة والتقليد الأعمى والافتتان بأشياء الغرب».
غير أن هذه النتيجة ليست هي المدار الأصلي في اندفاع الحضارة الإسلامية، كما وضعها القرآن الكريم. فالإسلام دفع الرؤية الغيبيّة في إطار الحياةِ لِتوثيق الروابط الاجتماعية وتمحورها حول فكرة الخيْر، التي يجب أن تُقارِنَ كُلَّ قواها وكل فعل. وهذا ما يعطي للرابط الاجتماعي النابع من الفكر الإسلامي طابعًا خاصًا يجعل وجود ما يسمى «التناقضات في وسط الجماهير ظاهرة غير قابلة للتفسير في المجتمع الإسلامي ".
فلكي ندرك واقع المجتمع الإسلامي المعاصر علينا أن نحدد مرحلته التاريخية وموقعه من دورة الحضارة. وهذا ما فات الكتّاب الغربيين الذين يجهلون لحظات انبثاق الحضارة وَسكَرات أفولها.
فهناك مرحلة يكون المجتمع فيها بدائيًا فقير الوسائل، فإذا ما أدركته فكرة جوهرية تستقطب روحه، اندمج في دورة التاريخ واندفع جهده اليومي نحو مثل أعلى يجعل لأفكار هـ دورًا وظيفيًا «لأن الحضارة هي القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معيّنة» وهناك مرحلة يخرج فيها المجتمع من دورة الحضارة، ويصبح ما بعد الحضارة مُثْقَلًا بديون خَلَّفتها عصور حضارته السابقة، وهي

1 / 8

تتصرف برصيدها الروحي. هنا تصبح المشكلة أشد تعقيدًا لأن علينا أن نتخلص من تلك الديون التي أفلس بها مخزون المجتمع الروحي ومخزونه التِقَنِيُّ حيال وسائله، وهذه هي مرحلة مجتمعنا الإسلامي.
فإرادة الفرد تنبع دائمًا من الإطار العام للمجتمع الذي هو جزء منه، وكلما كان المجتمع متماسكًا وللأفكار فيه دور وظيفي انتظمت إرادة الفرد في اطِّرادها وتنافست الجهود في مسيرتها المتناغمة. وهكذا فإن المجتمع وقدرته «تُضيفان صفة الموضوعية على وظيفة الحضارة».
فالطاقة الحيوية في غرائز الفرد شَرودٌ لا تندمج بطبيعتها في مسيرة الجماعة.
وهي من ناحية أخرى لابد لها من اندماج اجتماعي تجد فيه خِصْبَ إشباعها. فالعمل الجماعي والغريزة المطلقة متناقضان، لكننا لا نستطيع أن نلغي الطاقة الحيوية من ناحية ولا المجتمع من ناحية أخرى «فعندما نلغي الطاقة الحيوية فإننا نهدم المجتمع، وعندما نحررها تحريرًا كاملًا فإنها تهدم المجتمع. لذلك يتوجب على الطاقة الحيوية أن تعمل بالضرورة ضمن هذين الحدين».
فوظيفة الحضارة هي العمل ضمن هذين الحدين اللذيْن فيهما تَتَكَيَّفُ الطاقة الحيوية لتتأهب للانطلاق في دورة التاريخ.
هنا إذن ندخل في عالم الأفكار الذي يَرْبِطُ على الغريزة، لِتُرابِطَ الطاقة الحيوية في خدمة المجتمع والتاريخ.
فهناك أفكار رائدة تحتضن نشاط المجتمع، وهي في مرحلة انبثاق مخزونه الأخلاقي الذي توظفه الفكرة الدينيّة الملهمة. وهناك أفكار عملية توجه النشاط، وهي في ساعة الاندفاع وسائله التقنية المتاحة له في وسطه «فعلى عتبة حضارة ما، ليس هو عالم الأشياء الذي يتبدل، بل بصورة أساسية عالم الأشخاص» وشبكة العلاقات الجديدة هي التي تضع للطاقة الحيوية الغرِيزية حدود نشاطها.

1 / 9

والإنسان حينما ينَظِّم شبكة علاقاته الاجتماعية بوحي الفكرة في انبثاقها، فإنه يتحرك في مسيرته عبر الأشخاص والأشياء المحيطة به فيتخذ العالم الثقافي إطاره في إنجاز هذه المسيرة، ويأخذ طابعه تبعًا للعلاقة بين العناصر الثلاثة المتحركة: الأشياء، الأشخاص، الأفكار.
فهناك توازن لابد منه بين هذه العناصر الثلاثة يسكب مزيجها في قوالب الإنجاز الحضاري، فإذا ما استبدَّ واحد من هذه العناصر وطغى على حساب العنصرين الآخرين فثمة أزمة حقيقيَّة في مسيرة الحضارة تلقي بها خارج التاريخ فريسة طغيان الشيء أو طغيان الشخص.
«ففي بلد متخلف يفرض الشيء طغيانه بسبب ندرته، تنشأ فيه عقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافًا محضًا.
أما في البلد المتقدم وطبقًا لدرجة تقدمه، فإن الشيء يسيطر بسبب وفرته ويُنْتِج نوعًا من الإشباع. إنه يفرض شعورًا لا يُحتمل من الشؤم البادي من رتابة ما يرى حوله، فيولد ميلًا نحو الهروب إلى الأمام الذي يدفع الإنسان المتحضر دائمًا إلى تغيير إطار الحياة و(الموضة»).
لكن طغيان الشخص يؤدي إلى نتائج في الإطار السياسي والاجتماعي تهدم في بنيان الفكرة حينما تتجسد فيه. وكثيرًا ما تعمد مراصدُ الرقابة في حركة العالم الثالث إلى دفع هذا الاتجاه المرضي إلى نهايته في عقول الجماهير لتُحَطِّم الفكرة البَنَّاءة من وراء سقوط الأشخاص الذين يمثلونها في النهاية، وتدفع الجماهير للبحث عن بديل للفكرة الأصيلة من الشرق والغرب عبر بطل جديد.
فعدم التوازن بين العناصر الثلاثة يفضي إلى انهيار المجتمع «والمجتمع الإسلامي يعاني في الوقت الحاضر بصورة خاصة من هذه الاتجاهات، لأن نهضته لم يُخَطَّط لها، ولم يفكر بها بطريقة تأخذ باعتبارها عوامل التبديد والتعويق، فمثقفو

1 / 10