* قِصَّةٌ أُخْرَى:
مِنَ الْقِصَصِ التِي تُبَيِّنُ اسْتِهْزاءَ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١) قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّ جُنُودَ اللَّهِ الذِينَ يُعَذِّبُونَكُمْ في النَّارِ، ويَحْبِسُونَكُمْ فِيها تِسْعَةَ عَشَرَ، وأنْتُمْ أكْثَرُ النَّاسِ عَدَدًا، وَكَثْرَةً، أفَيَعْجُزُ كُلُّ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ؟ .
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٢).
قَالَ الحافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَفْسِيرِهِ: أيْ ما يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ ﷾، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّمَا هُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، . . . وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الإِسْراءِ الْمَروِيِّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ في صِفَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ الذِي في السَّماءِ السَّابِعَةِ: ". . . فَإِذا هُوَ يَدخُلهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إِلَيهِ" (٣).
(١) سورة المدثر آية (٣٠).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٠).
(٣) أخرج هذا القدر من حديث الإسراء والمعراج: الإمام البخاري في صحيحه - كتاب =