432

{ يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله } الآية نزلت عام الحديبية وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنعيم فكان الوحش والطير يغشاهم في رحالهم وهم محرمون. وقيل: كان بعضهم أحرم وبعضهم لم يحرم فإذا عرض صيد اختلفت أحوالهم واشتبهت الأحكام. وقيل: قتل أبو اليسر حمار وحش برمحه، فقيل: قتلت الصيد وأنتم محرم. فنزلت. ومناسبتها لما قبلها هو أنه لما أمرهم أن لا يحرموا الطيبات وأخرج من ذلك الخمر والميسر وهما حرامان وإنما أخرج بعده ما حرم من الطيبات في حال دون حال وهو الصيد وكان الصيد مما تعيش به العرب وتتلذذ باقتناصه ولهم فيه الأشعار والأوصاف الحسنة. والظاهر أن الخطاب بقوله: يا أيها الذين آمنوا، عام للمحل والمحرم لكن لا يتحقق الإبتلاء إلا مع الإحرام أو الحرم. { ليعلم الله من يخافه بالغيب } هذا تعليل لقوله: ليبلونكم، ومعنى ليعلم ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآية فيتقي العبيد ممن لا يخافه فيقدم عليه.

{ فمن اعتدى بعد ذلك } أي فمن اعتدى بالمخالفة فصاد. وذلك إشارة إلى النهي الذي تضمنه معنى الكلام السابق، وتقديره فلا تصيدوا يدل عليه قوله: { ليعلم الله من يخافه بالغيب }.

{ فله عذاب أليم } قيل: في الآخرة. وقيل: في الدنيا. قال ابن عباس: يوسع بطنه وظهره جلدا ويسلب ثيابه. { وأنتم حرم } جملة حالية. وحرم جمع حرام، والحرام ينطلق على من كان محرما وعلى من حل الحرم.

{ ومن قتله منكم } الآية الظاهر تقييد القتل بالعمد فمن لم يتعمد فقتل خطأ بأن كان ناسيا لإحرامه أو رماه ظانا أنه ليس بصيد فإذا هو صيد أو عدل سهمه الذي رماه لغير صيد فأصاب صيدا فلا جزاء عليه، وروى ذلك عن أبي عباس وابن جبير وطاووس وعطاء وسالم، وبه قال أبو ثور وداود والطبري، وهو أحد قولي الحسن البصري ومجاهد وأحمد وغيرهم. ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأصحابه أن الخطأ بنسيان أو غيره، كالعمد والعمد أن يكون ذاكرا لإحرامه قاصدا للقتل، وروي ذلك عن عمر وابن عباس.

وقرأ الكوفيون فجزاء بالتنوين مثل بالرفع فارتفاع جزاء على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره فالواجب عليه أو اللازم له جزاء، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره فعليه جزاء ومثل صفة أي فجزاء يماثل ما قتل.

وقرأ باقي السبعة فجزاء مثل برفع جزاء وإضافته إلى مثل، فقيل: مثل كأنها مفخمة. كما تقول: مثلك يفعل كذا أي أنت تفعل كذا فالتقدير فجزاء ما قتل. وقيل: ذلك من إضافة المصدر إلى المفعول وكان الأصل فعليه جزاء مثل ما قتل أي يغرم مثل ما قتل ثم أضيف إلى المفعول، ويدل على هذا التقدير قراءة السلمي فجزاء بالرفع والتنوين مثل ما قتل بالنصب. ومن النعم صفة لجزاء سواء أرفع جزاء مثل أو أضيف جزاء إلى مثل أي كائن من النعم. ويجوز في وجه الإضافة أن يتعلق من النعم بجزاء إلا في الوجه الأول لأن جزاء مصدر موصوف فلا يعمل. ووهم أبو البقاء في تجويزه أن يكون من النعم حالا من الضمير في قتل يعني من الضمير المنصوب المحذوف في قتل العائد على ما قال لأن المقتول يكون من النعم وليس المعنى على ذلك لأن الذي هو من النعم هو ما يكون جزاء لا الذي يقتله المحرم ولأن النعم لا تدخل في اسم الصيد. والظاهر في المثلية أنها مثلية في الصورة والخلقة والعظم والصغر وهو قول الجمهور وظاهر قوله: من النعم أنه لا يشترط سن فتجزىء الجفرة والعناق على قدر الصيد وبه قال ابو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يهدي إلا ما يجزىء في الأضحية.

{ يحكم به ذوا عدل } الآية أن يحكم به بمثل ما قتل. قال ابن وهب: من السنة أن يخير الحكمان من قتل الصيد كما خيره الله تعالى في أن يخرج هديا بالغ الكعبة. وانتصب هديا على الحال من الضمير في قوله: به، ومعنى بالغ الكعبة وأصلا إليها أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما فإن اختار الهدى حكما عليه بما يريانه نظيرا لما أصاب وأدنى الهدى شاة وما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام ثم خير بين أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوما وكذلك قال مالك. والظاهر أنه يحكم به عدلان وكذلك فعل عمر في حديث قبيصة بن جابر استدعى عبد الرحمن بن عوف وحكم في ظبي بشاة وفعل ذلك جرير وابن عمر رضي الله عنهما. والظاهر أن العدلين ذكران فلا يحكم في امرأتان عدلتان.

{ أو كفارة طعام مساكين } قرأ الصاحبان بالإضافة. وزعم الزمخشري أن هذه الإضافة مبنية، كأنه قيل: أو كفارة من طعام مسكين، كقوله: خاتم فضة بمعنى خاتم من فضة. وليست من هذا الباب لأن خاتم فضة من باب إضافة الشيء إلى جنسه، والطعام ليس جنسا للكفارة إلا بتجوز بعيد جدا. وقرأ باقي السبعة بالتنوين ورفع طعام، وقرأ كذلك الأعرج وعيسى بن عمر إلا أنهما أفردا مسكين على أنه اسم جنس، قال أبو علي: طعام عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة.

" انتهى ". وهذا لا يجوز على مذهب البصريين لأنهم شرطوا في عطف البيان أن يكون في المعارف لا في النكرات فالأولى أن يعرب بدلا وقد أجمل في مقدار الطعام وفي عدد المساكين. والظاهر أنه يكفي ما يسمى طعاما وأنه يكفي أقل ما ينطلق عليه جمع مساكين. وجوزوا أن يكون ذلك إشارة إلى الصيد المقتول، وفي الظبي ثلاثة أيام، وفي الإبل عشرون يوما، وفي النعامة وحمار الوحش ثلاثون يوما، قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام. والظاهر عدم تقييد الإطعام والصوم بمكان، وبه قال جماعة من العلماء فحيثما شاء كفر بهما. وقال عطاء وغيره: الهدي والإطعام بمكة والصوم حيث شاء.

{ ليذوق وبال أمره } الذوق معروف، فاستعير هنا لما يؤثر من غرامة أو أتعاب النفس بالصوم. والوبال: سوء عاقبة ما فعل، وهو هتكه حرمة الإحرام بقتل الصيد. قال الزمخشري: ليذوق متعلق بقوله: فجزاء، أي فعليه أن يجازى أو يكفر ليذوق. " انتهى ". وهذا لا يجوز إلا على قراءة من أضاف فجزاء أو نون ونصب مثل وأما على قراءة من نون ورفع مثل فلا يجوز أن تتعلق اللام به، لأن مثل صفة لجزاء، وإذا وصف المصدر لم يجز لمعموله أن يتأخر عن الصفة، لو قلت: أعجبني ضرب زيد الشديد عمرا، لم يجز، فإن تقدم المعمول على الوصف جاز ذلك، والصواب أن يتعلق على هذه القراءة بفعل محذوف التقدير جوزي بذلك ليذوق.

Bilinmeyen sayfa