تفسير القرآن الكريم
تفسير القرآن الكريم
Türler
•General Exegesis
Bölgeler
Mısır
فوائد مستقاة من قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم)
هنا بعض التنبيهات المتعلقة بهذه الآية الكريمة: أولها: أنه ليس المراد أن يكون من أطاع الله وأطاع الرسول ﷺ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في درجة واحدة؛ لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، بينما لا يمكن أن تكون مرتبة ومنزلة واحد من عوام المسلمين في الجنة كمرتبة الرسول ﵌، أو كمرتبة أبي بكر وعمر وغير هؤلاء المذكورين.
لكن المقصود أن أولئك يكونون معهم في دار واحدة، يعني: تضمهم دار واحدة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه.
فهذا هو المراد من هذه المعية، يعني: يمكنهم أن يتلاقوا وأن يتزاوروا، فهم مع الذين أنعم الله عليهم جميعًا في دار واحدة وهي الجنة، وإن تفاوتت مراتبهم ومنازلهم، فهم يتفاوتون ولكنهم يتزاورون، وكل من فيها قد رزق الرضا بما أعطاه الله ﷾، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول؛ لأنه لن يشعر بأن غيره أفضل منه، حيث ينزع منه هذا الشعور حتى لا يكدر عليه هذا النعيم، فلا يحس أن غيره أفضل منه، بل رزق الرضا بما أتاه الله ﷾، كما قال ﷿: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الحجر:٤٧].
ثانيها: أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم أفضل من مرتبة الصديقية، ولذلك أينما ذكر في القرآن الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة كما قال ﷿ في صفة إدريس: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٦] وقال هنا: «فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ» فهو يقرن دائمًا بين الصديقين والأنبياء، وإذا ترقيت في النطق من الصديقية وصلت إلى النبوة، وإن نزلت من النبوة ستجد أسفل الأنبياء مباشرة الصديقين ولا متوسط بينهما، وقال ﷿: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] فلم يجعل بينهما واسطة.
وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وصف الله هذه الأمة بأنها خير أمة، والأمة أجمعت على جعل أبي بكر حتى جعلوا الإمام بعد الرسول ﷺ، فلم توجد واسطة بين النبي ﷺ وبين أبي بكر في الخلافة، وإنما خلفه مباشرة أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وتحقق عموم قوله ﷿ في شأن الصديق رضي الله تعالى عنه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] وقال له النبي ﷺ: (يا أبا أبكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!).
فتحقق هذا الأمر فلم يطلق لقب: خليفة رسول الله إلا على أبي بكر؛ لأنه في عهد عمر رضي الله تعالى عنه قالوا: لو ظللنا كلما أتى خليفة جديد نضيف له هذا اللفظ لطال جدًا، يعني: إذا قيل في حق أبي بكر: خليفة رسول الله، ثم قيل في حق عمر: خليفة خليفة رسول الله، وفي حق الثالث: خليفة خليفة خليفة رسول الله، فإن الأمر سيطول، فمن لذلك رأوا أن يستبدلوها بلقب أمير المؤمنين.
فشاء الله ﷾ أن يختص أبا بكر بهذه النسبة، وأن يكون الله ثالثهما، كما في الحديث: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) فعبارة خليفة رسول الله قرن فيها اسم أبي بكر بالرسول ﵌، فأيضًا لما توفي رضي الله تعالى عنه دفنوه إلى جنب رسول الله ﵌، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية.
فمن ثم ارتفعت الواسطة بينهما في هذه الوجوه التي ذكرناها.
34 / 7