548

تفسير القرآن الكريم

تفسير القرآن الكريم

Bölgeler
Mısır
حقوق صحبة الزوج مع زوجته ومعنى المعاشرة بالمعروف
بين تعالى حق الصحبة مع الزوجات بقوله ﷿: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، في الحقيقة إن الآية الواحدة من سورة النساء مثل هذه الآية قد تستغرق حتى نحاول أن نوفيها بعضًا من حقها شهورًا كاملة، لكن التزامنا بالاختصار حتى نقطع الورد المطلوب أسبوعيًا هو الذي يجعلنا نضطر إلى الإيجاز أحيانًا، فمثل هذه الآية ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وغيرها من آيات الأحكام لا تكاد تنحصر معانيها، وتستغرق عمرًا طويلًا إذا أردنا أن نستوفي ما فيها من المعاني.
قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: صاحبوهن بالمعروف، يعني: الإنصاف في الفعل والإجمال في القول.
حتى لا تكونوا سبب الزنا بتركهن، أو سبب النشوز، أو سوء الخلق فلا يحل لكم حينئذ.
يقول السيوطي.
في الآية: وجوب المعروف من توفية المهر والنفقة والقسم واللين في القول، وترك الضرب والإغلاظ بلا ذنب.
(وعاشرهن بالمعروف) فالحقوق التي تجب طبقًا لهذه الآية حقوق كثيرة جدًا مادية وأدبية، استدل بعمومها من أوجب لها الخدمة إذا كانت ممن لا تخدم نفسها، فيجب على الزوج أن يأتي لها بخادمة تخدمها؛ لأن هذا من المعاشرة بالمعروف.
﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، يعني: إن كرهتم الصحبة معهن.
﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]، كلمة (عسى) في القرآن واجبة، يعني: وعد منجز من الله ﷾، والمقصود من الآية: أن اصبروا عليهن وأمسكوهن لعل الله ﷾ يجعل فيهن خيرًا كثيرًا، بأن يرزقكم منهن ولدًا صالحًا يكون فيه خير كثير، وبأن تنالوا الثواب الجزيل في العقبى بالإنفاق عليهن والإحسان إليهن على خلاف الطبع؛ لأن هذا يكون من المجاهدة التي تثابون عليها.
قال إلكيا الهراسي: في هذه الآية استحباب الإمساك بالمعروف وإن كان على خلاف هوى النفس.
حتى لو كان إبقاء المرأة والإمساك عليها مخالف لهواه، فإن التقي يمسكها ويعاملها بالمعروف، وهذا ومن المروءة، وفي الآية دليل على أن الطلاق مكروه، ونحن لا نستدل بالحديث الضعيف المنسوب إلى النبي ﷺ: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق)، لكن نستدل على كراهة الطلاق بقوله تعالى هنا: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، في هذه الآية دلالة على كراهة الطلاق.
وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر)، الفرك: هو البغض من كل وجه، يعني: تبغضه من كل وجه بحيث لا ترى فيه حسنة.
فيبين النبي ﵊ أن الزوج المؤمن لا يفرك زوجته المؤمنة؛ لأن الرجل المؤمن فيه الوقار والعقل الكامل والعدل والرزانة بحيث أنه يزن الأمور ويحسن تقديرها، فإنه إذا أبغض يكون معتدلًا في بغضه، فيحكم العقل والمروءة وقبل ذلك الشرع، فلا يبغضها من كل وجه، وإنما إذا كره منها خلقًا سرعان ما يتذكر أن لها خلقًا آخر يرضاه ويحبه، فهو يزن الأمور، لذلك لا يبغض المؤمن بغضًا من كل وجه، بخلاف المرأة فإنها إذا أبغضت تنسى كل ما مضى؛ لأنها لا تزن الأمور كما يفعل الرجال، هذا في الغالب إلا من رحم الله، وفي ذلك قال ﵌: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، فإن رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط)، فهذه طبيعة عموم النساء إلا من رحم الله، أنها إذا أبغضت فإنها تكفر بالعشير، كما وصف النبي ﷺ هؤلاء بكفران العشير، أي: كفران نعمة الزوج أو فضل الزوج عليها، فتنسى كل ما مضى بمجرد أن تغضب أو تنفعل، بخلاف الرجل فهو يعلم أن العوج الذي في المرأة هو عوج فطري ليس عوجًا متكلفًا، وفي ذلك يقول النبي ﵌: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وكسر المرأة طلاقها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وهي على هذا العوج)، أو كما قال النبي ﷺ.
فالمؤمن يزن الأمور بهذه الطريقة بحيث يعلم أن العوج الذي في المرأة ليس من تكلفها، بل قسم كبير جدًا منه يكون فطريًا جبلت عليه، فينبغي الصبر عليها، وعلى العموم في ضوء هذا الكلام ينبغي أن لا يغضب النساء من هذا؛ لأن هذا فيه عذر لهن، وتخفيف من وقوع الحرج عليهن، على أي الأحوال هذا هو الفرق بين الرجل والمرأة في البغض.
ذكر الفعل الأول قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، كان يمكن في غير القرآن الكريم الاستغناء عن هذا الفعل كأن يقال: فإن كرهتموهن فعسى أن يكون فيهن خير كثير، وحصر عليه هذا الحكم في الفعل الثاني الذي هو «فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا»، لماذا؟ للتوصل إلى تعميم مفعوله، فكرر فعلين، يعني: إذا قال: فإن كرهتموهن فعسى أن يجعل الله فيهن خيرًا كثيرًا.
فتكون هنا الكراهة تتعلق بالمرأة فقط التي يبغضها، لكن كرر الفعل فقال: «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ»، ثم قال: «فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا»، يدل على عموم هذه القاعدة: أن الأمر ليس فقط مختصًا بكراهية الزوجات، ولكن المقصود به في عامة أحوالك وفي كل شئونك، هذه سنة من الله ﷾ (فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا)، كما نلاحظ عامة الناس يستدلون بها في كل مناسبة ولا يحصرونها في شأن النساء.
يقول أبو السعود: ذكر الفعل الأول مع الاستغناء عنه وحصر العلية في الثاني للتوصل إلى تعميم مفعوله؛ ليفيد أن ترتيب الخير الكثير من الله تعالى ليس مخصوصًا بمكروه دون مكروه، بل هو سنة إلهية جارية على الإطلاق حسب اقتضاء الحكمة، وإنما نحن في جزء من جزئياتها الذي هو أمر النساء، وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقة وتعميم الإرشاد ما لا يخفى، يعني: لو لم يكرر الفعل لم تأت كلمة: (شيئًا)، «فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا»، فصارت فيها عموم لكل الأحوال.
في الحقيقة يذكر هنا تنبيهًا جليلًا في الوصية بالنساء والإحسان إليهن، نحاول أن نقتصر منه على ما نستطيع يقول: كفى في هذا الباب هذه الآية الجليلة الجامعة وهي قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال ابن كثير: أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، يعني: من صور المعروف هنا طيب الأقوال والألفاظ، وحسن الأفعال، والتزين بأن يلبس ما تستحسنه بحسب القدرة، فإن هذا من المعاشرة بالمعروف.
يقول ﵎: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وهي درجة القوامة، وقال ﷺ: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).
وقال ﷺ في حجة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندكم -عوان يعني: أسيرات- ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا)، بعض الناس يفهمون هذا الأمر فهمًا خاطئًا، ويطبقونه تطبيقًا خاطئًا، ويجهلون أن ضرب النساء مكروه، وهو إنما يباح بشروطه وضوابطه.

31 / 25