تفسير القرآن الكريم
تفسير القرآن الكريم
Türler
•General Exegesis
Bölgeler
Mısır
حقيقة التقوى وموجباتها
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ» أي: اخشوا أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم عنه، ثم نبههم على اصطفائه بكمال القدرة الباهرة، لتأييد الأمر بالتقوى، يعني: ما صفات هذا الإله ﷾ الذي أنتم مأمورون باتقائه، قال ﷿: «الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ»، يعني: فرعكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم، وهذا مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على هذا كان قادرًا على كل شيء، ومنه عقابهم على معاصيهم، فالنظر فيه يؤدي إلى الاتقاء من موجبات نقمته.
كذلك أيضًا قوله ﷾: «الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» إلى آخر الآية، فإنها تعني: أنه سبحانه أهل لأن يتقى؛ لأنه هو الذي خلقنا من نفس واحدة، وخلق منها زوجها إلى آخره.
كذلك أيضًا: جعله تعالى إيانا صنوانًا مفرعة من أرومة واحدة، أي: أن أصلنا واحد وهو آدم ﵇، فمن موجبات هذا أن نحترز عن الإخلال بما أمرنا بمراعاته فيما بيننا من حقوق الأخوة، ومن صلة الأرحام، فحق هذه الأخوة أن تراعى حقوقها، وحق هذه الأرحام أن توصل، كذلك رعاية حال الأيتام، والعدل في النكاح، فهذه كلها من الحقوق التي تستوجبها هذه الرابطة التي تربطنا بني البشر بعضنا ببعض، سيما إذا وجدت معها الرابطة الإيمانية، ولو لم توجد الرابطة الإيمانية، فمعروف أن للأرحام حرمة، والعدل يكون محمودًا مع كل الناس سواء اليتامى أو الزوجات.
هذا كله مما يتفرع عن ثبوت هذه الرابطة النسبية في عودتنا جميعًا إلى أصل واحد وهو آدم ﵇، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁: (أن رسول الله ﷺ حين قدم عليه أولئك النفر من مضر، وهم مجتابو النمار -أي: من عريهم وفقرهم- قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ حتى ختم الآية، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨]، ثم حضهم على الصدقة، فقال: تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره)، إلى آخر الحديث.
كذلك أيضًا صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في حديث خطبة الحاجة التي كان النبي ﵌ يقولها بين يدي كلامه وخطبه وحاجته، كان يقرأ ثلاث آيات وهذه الآية منها: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا» إلى آخر الآية.
«وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا» أي: من نفسها وهي حواء ﵍.
لم يجعل الله ﷾ الزوجات من خارج أنفسنا؛ لأن ذلك يتنافى مع ما يقتضيه الزواج من السكينة والمودة والرحمة، كما قال ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم:٢١] يعني: من جنس البشر، فالإنسي لا يتزوج بجنية والجني لا يتزوج بإنسية.
ثم قال تعالى: «وَبَثَّ مِنْهُمَا» أي: نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها عن طريق التوالد والتناسل: «رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً» أي: كثيرة، هنا ترك التصريح بصيغة الكثرة في حق النساء للاكتفاء بالوصف المذكور؛ لأنها تفهم من السياق: وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء كثيرة.
30 / 4